دولة الكويت / الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح / الأصل العريق

ليس من السهولة أن يتمكن المرء من سبر غور حياة القادة والزعماء أو أن يقترب بما يكفي من تفاصيلها وأحداثها العديدة والمتنوعة ، وذلك لأن صنفا من هؤلاء ارتبط تاريخ حياتهم ووعيهم ومآثرهم بتاريخ أممهم وشعوبهم وامتزجت يومياتهم وتطلعاتهم بأحلام الوطن ومساعيه من أجل النهوض والتطوير ومجابهة الصعاب ، وأصبحت حياتهم الشخصية جزءا من نسيج الوطـن ومرحلـة من تاريخه. وهذه حالة نادرة تناسق فيها حياة المرء في دروب طويلة مليئة بالأحداث و الإضافات البارزة ، وتناسب في انسجام تام مع تطلعات الشعوب ونبض أحلامها.

سمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح ليس سوى صورة لذلك النموذج الذي تداخلت في مسار حياته فصول كاملة من تاريخ الكويت وطبع في رحلة عمره واحدة من أهم مراحل التطور والإزدهار التي عرفتها الكويت في تاريخها الحديث، وهذا لدور سموه في عملية التنمية و التطوير وتحمله أعباء المسؤولية في فترة مبكرة من عمره . وأيضا لأن حياته تمثل امتدادا لأسرة عربية عريقة سجلت حضورها على مدى القرون الثالثة الماضية بكل فخر والاعتزاز وهي أسرة آل صباح التي يعود لها الفضل في وضع أسس دولة الكويت الحديثة والذود عن حياضها .

وقراءة الحاضر في مثل هذه الحالة المتداخلة العناصر والوشائج والضاربة في عمق تاريخ الكويت ومنطقة الخليج العربي ، تستدعي من الباحث الرجوع الى الماضي والعودة الى الجذور وتلمس خطوات العمل المضني الـذي قطعته الكويت . وهذا ليس فقط من أجل اكتشاف الحاضر في سياقه الشامل والإحاطة بالجوانب الشخصية لسمو الشيخ جابر ، وإنما أيضا لإدراك حجم الإرادة والإصرار اللتين ترافقتا على خط الزمن الكويتـي الملـيء بالأحـداث والتحديات ، هاتان الخصلتان اللتان حافظت بهما الكويت على كيانها ومضت بفضلهما نحو أهدافها المرجوة .

وكما عشق الكويتيون البحر والصحراء والسفر ، فإن تاريخهم تبعا لذلك كان قطعة من رحلة طويلة من الكد والاجتهاد والغوص والبحث عن الاستقرار والازدهار . وكما يقال ، فإن الطبيعـة قـد لا تمنـح أجمل ما فيها لأهل الصحراء ، إلا أنها لا تبخل في أن تضفي عليهم أجمل ما يمكن أن يتحلى به المرء من صفات المروءة والشهامة والإقدام ، ففي أعماق كل مشكلـة فرصة متاحة ، وعوامل المكان      أتاحت للكويت وأهلها فرصة تراكم التجارب الآتية من حضارات الجوار أو من تلك التي مرت عليها في فترة ما ، كما منحها هذا المكان بفضل من الله تعالى ، ثروة النفط التي عززت مشاريع النهوض والتنمية التي يرفل في نعيمها أهل الكويت اليوم .

وتذكر أغلب الروايات التاريخية أن الكويت نشأت في العصر الحديث في الطرف الشمالي الغربي للخليج العربي في عام 1613 م ، حينما توافدت مجموعات من الأسر والقبائل الى هذه المنطقة قادمة من الجزيرة العربية مدركة أهمية هذا الموقع ومميزاته وصلاحياته لإقامة كيان مستقر تتوافر له كل المقومات التي تضمن له البقاء والازدهار ، وسرعان ما أخذ هذا الكيان شكله السياسي الواضح والمتميز .

وإذا كان المؤرخون قد اختلفوا حول تاريخ بداية حكم آل صباح الذي باشره الشيخ صباح بن جابر المتوفى سنة 1776 م ، إلا أنهم متفقون تماما على أن أهل الكويت اختاروا الشيخ صباح في ذلك الوقت ليكون أميرا عليهم حينما شعروا بالحاجة إلى مرجعية مؤهلة وقادرة على حل مشكلات المجتمع والفصل في القضايا والخلافات فضلا عن القيام بمهمة توحيد الشعب والدفاع عن حقوقه وأرضه أمام أي عدوان خارجي .

وينتسب آل صباح إلى قبيلة العتوب التي ترجح المصادر أن حقيقة أصولهم تعود إلى قبيلة عنزة من نجد ، والتي بدأت بالهجرة في منتصف القرن السابع عشر تحت حماية قبيلة بني خالد التي أقامت وحكمت فـي شرقـي الجزيرة العربية ، بعد رحلة في بعض مناطق الخليج واستقر بها الأمر في الكويت لتقيم فيها وتشير المصادر العثمانية إلى أن تاريخ تلك الإقامة كان 1701 م .

وقد استقر صباح بن جابر شيخا على الكويت لتصبح محط القوافل المسافرة بين حلب وشرقي الجزيرة العربية ، وقد عرفت الكويت في ذلك الزمن بنشاطها في مجالات الصيد البحري والغوص . وحين خلف صباح بن جابر بعد وفاته ابنه عبدالله بن صباح ، بدأ آل صباح يسيرون بالكويت قدما حتى حظيت بمنزلة مرموقة بين مشيخات الجزيرة العربية آنذاك ، ولفتت هذه المكانة أنظار بريطانيا لتوثق علاقاتها مع الكويت في عام 1775 م ، وقد أصبحت الكويت حتى عام 1779 م ، مركز تجارة الهند القادمة إلى بغداد وحلب من القسطنطينية بعدما احتل الايرانيون البصرة .

وحتى تكون الصورة كاملة عن تاريخ الكويت الحديث ، يجدر أن نستعرض بإيجاز سلسلة حكام الكويت من آل صباح وفترة حكم كل واحد منهم في الفترة التي سبقت حكم أمير الكويت الحالي سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح ، وهم على التوالي :

ـ  الشيخ صباح بن جابر (صباح الأول) متوفى 1776 م .

ـ  الشيخ عبدالله بن صباح (1776-1814) .

ـ  الشيخ جابر بن عبدالله (1814-1859) .         

ـ   الشيخ صباح بن جابر بن عبدالله (1859-1866) .

ـ  الشيخ عبدالله بن صباح (1866-1892) .

ـ  الشيخ محمد بن صباح (1892-1896) .

ـ  الشيخ مبارك الصباح (مبارك الكبير) (1896-1915) .

ـ  الشيخ جابر المبارك الصباح (1915-1917) .

ـ  الشيخ سالم المبارك الصباح (1917-1921) .

ـ  الشيخ أحمد الجابر الصباح (1921-1950) .

ـ  الشيخ عبدالله السالم الصباح (1950-1965) .

ـ  الشيخ صباح السالم الصباح (1965-1977) .

وكما يتضح ، فإنه من هذا النسل العريق المتعانق مع تاريخ الكويت والموغل في تحولاتها وتطوراتها ينحدر سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح ، وهو الرجل الثالث للمغفـور له الشيـخ أحمد الجابر الصباح حاكم دولة الكويت الأسبق ، والحاكم الثالث عشر من أسرة آل صباح ، وثالث أمير لدولة الكويت منذ استقلالها في عام 1961 م .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية