دولة الكويت / الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح / مهام ومسؤوليات

رسميا بدأ الشيخ جابر في تولي المناصب الإدارية منذ أن بلغ الحادية والعشرين من العمر ، أي عام 1949 ، عندما عين سموه رئيسا للأمن العام في منطقة الأحمدية النفطية ، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1955 م ، حيث تولى سموه رئاسة دائرة المالية ، ثم تم تعيينه في أول تشكيل وزاري بعد الاستقلال ، وبالتحديد في 17 يناير 1962 م ، عندما اختير سموه أول وزير للمالية والاقتصاد ، وبالإضافة إلى ذلك كان يشغل مهام نائب رئيس مجلس الوزراء ، الشيخ صباح السالم الصباح ، في أثناء غيابهما في الخارج .

وفي الفترة التي تولى فيها سمو الشيخ جابر حقيبة الجهاز المالي أعطى لهذا الجهاز الخطير في مرحلة بناء الدولة المعاصرة دفعا قويا ما تزال آثاره وحيويته تسري إلى اليوم ، وحقق على هذا الصعيد عدة إنجازات نورد أهمها :

ـ   إنشاء بنك الائتمان  لتسيير الائتمان العقاري والزراعي والصناعي وذلك من أجل زيادة دخل الدولة و المواطنين , من حصيلة قيام الأفراد بإنشاء صناعات و مشروعات زراعية وعقارية وتأسيس الشركات المختلفة والمساهمة في رأسمالها.

ـ  إصدار نقد كويتي لاستخدامه في التداول , بدلا من النقد الهندي بغية عدم الارتباط بعملة دولة أخرى,مما قد يؤثر عليها سلبا كيان الدولة.

ـ  إنشاء مؤسسة (مجلس النقد الكويتي) الذي أشرف على إصدار الأوراق النقدية والمكسوكات في الكويت.

ـ  اعداد النظام الخاص بالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصاد العربية ، والذي باركه سمو أمير البلاد آنذاك الشيخ عبدالله السالم الصباح برأسمال قدره 50 مليون دينار كويتي ، ليكون دعامة من دعائم التنمية الاقتصاد في الدول العربية .

وفي 31 ديسمبر 1977 م بويع سمو الشيخ جابر الاحمد الصباح أميرا للكويت بعد وفاة الشيخ صباح السالم الصباح ، وفقا لما هو متعارف عليه لدى الكويتيين ، فالبيعة للحاكم مبدأ من نظام الشورى في الكويت ، وتعني ان يحظى الحاكم بتأييد الشعب والأسرة الحاكمة معا .

ومن ذلك اليوم باشر سموه رحلة عمل جديدة جادة ومثمرة ، فتحت للكويت صفحة جديدة في طريق تقدمها ورقيها ، واستطاع ان يضيف الى منجزها السياسي والاقتصادي والثقافي والدولي نفسا جديدا يعزز الصرح الحضاري للدولة ويعلي من شأنها إقليميا ودوليا ..

ومنذ تلك اللحظة الحاسمة التي مثلت منعطفا في حياة الكويت أعطى سموه زخما للفعل البنائي المكثف وسعى الى شحذ الطاقات وتوحيدها حول العمل الوطني وكان سموه مستوعبا لحجم التحولات التي وقعت في الكويت بعد الطفرة النفطية اقتصاديا واجتماعيا وقدوم العديد من الجاليات الوافدة العربية والأجنبية , ومن غير شك ان كل هذا كان يتطلب تعاطيا إيجابيا مع المتغيرات وتوجيهها لخدمة البلاد والمواطنين دون التأثر بإفرازات الواقع الجديد المتدفق في كل شؤون الحياة .

وللحفاظ على التوازن الاجتماعي والثقافي كل الموروث الكويتي في جيل الشباب آثر سموه الشيخ جابر أن يكون قريبا من الشعب واهتماماته وتطلعاته مراقبا عن كثب كل ما يطرأ في نسيج المجتمع معززا ما هو إيجابي ومتفق مع القيم العربية والإسلامية الأصيلة ومصححا للمسارات حين اللزوم .

وهذا لان سموه يؤمن بأن القرارات الفوقية أو المؤسسات الرسمية لوحدها ودون تواصلها مع المجتمع وإدراكها لطبيعة النمو فيه ، تبقى عاجزة عن أن تفي بالانتقال المطلوب الذي يواكب التحديث والتقدم ولا يصطدم مع القيم والغايات .

إن النهضة بالمفهوم الذي رآه سمو الشيخ جابر هي كل يشمل الجوانب الاقتصادية والحياة الاجتماعية والممارسة السياسية والإبداع الثقافي ، ولم يفاضل سموه بين أي من هذه المحددات . فبالموازاة مع الإنجازات العمرانية والصناعية كانت الإنجازات في مجال التعليم والصحة والسكن ورفاه المواطن في قلب اهتمامات الدولة ، ومتماشية مع التطورات السياسية والإقليمية والدولية الحاصلة .

وقد واكب سموه هذه الحركة الداخلية الشاملة بحركة دبلوماسية وخارجية نشطة تعبر عن قناعات ومواقف وانتماءات الكويت ، حيث نجح سمو في الارتباط بعلاقات وثيقة مع مختلف الدول العربية وسعى عبر مسيرة حكمه أن يترجم الحس القومي الى عمل عربي مشترك يبدأ بالتضامن وينتهي الى الوحدة الطبيعية .

ومن هنا كرست الكويت إمكاناتها المادية في تجسير عرى الاخوة العربية وتأكيد معنى التضامن عبر صناديقها الإنمائية ومشاريعها الخيرية . ولئن كان الاجتياح العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 م ، قد ترك آثارا سلبية ليس على مستوى البلدين وعلاقاتها فحسب ، بل على مستوى المنظومة العربية ككل ، فإن الكويت استطاعت ان تتجاوز تلك الآثار نفسيا وميدانيا ، وتنساق كما سابق عهدها في نهجها القومي العربي مؤثرة التطلع الى المستقبل وتأكيد حضورها الفاعل عربيا وإقليميا .

وعلى صعيد التعاون الخليجي عمل سموه مع قادة دول مجلس التعاون على تطوير التكامل الخليجي في مختلف مجالاته ، منطلقا في ذلك مجالاته ، منطلقا في ذلك من حقيقة ما تفرضه تحديات العولمة والتكتلات الإقليمية على دول الجوار إضافة إلى إيمانه بالتاريخ والمصير المشترك لأهل المنطقة .

إما دور سموه في العالم الإسلامي فتعكسه سياسة الكويت المتضامنة مع القضايا الإسلامية والمساندة للشعوب الفقيرة ، وقد استضاف سموه قادة دول العالم الإسلامي في يناير عام 1987 م ، في قمة مؤتمر الإسلامي الخامس ، وشدد على أن الكويت لن تبخل بتقديم العون والمساندة لقضايا الأمة الإسلامية المشروعة ودعمها في المجالات الاقتصادية والتنموية والإنسانية ..

إن البعد الإنساني عند سمو الشيخ جابر الاحمد الصباح أمير الكويت يشكل جانبا أصيلا من شخصية سموه ، وهذا البعد لا يبرز فقط إزاء العالم العربي أو الاسلامي ، وانما في كل مناطق الأرض التي تعاني الفقر والجوع والحرمان ، فأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها ال 43 المنعقدة في سبتمبر 1988 م ، ألقى سموه خطابا تاريخيا طالب فيه المجتمع الدولي ومؤسساته بتخفيف معاناة الدول النامية المثقلة بالديون الخارجية التي تستغلها دول الشمال المتقدمة كوسيلة ضغط على دول الجنوب الفقيرة .

وقد اختير سموه في عام 1995 م ، شخصية العام الخيرية العالمية بالإجماع في المنطقة على إثر استطلاع شارك فيه خمسة ملايين مواطن عربي أجرته مؤسسة إعلامية دولية مسجلة في لندن ، وأشارت المؤسسة الى أن هذا الاختيار جاء نتيجة لما قدمه سموه من دعم مالي للكثير من المنظمات العالمية التي ترعى الفقراء .

وفي ساحة العمل الدولي تمكنت الكويت من نسج علاقات دولية متميزة مبنية على اساس الاحترام المتبادل والتعاون الدولي واحترام المواثيق والمعاهدات الدولية ، وسجلت حضورها الفاعل عبر دبلوماسية ديناميكية ونشطة ، وتعبر عن قناعات الكويت ورؤاها من مختلف القضايا المطروحة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وغيرها مما يشغل بال المنظومة الدولية المعاصرة .

وكان سمو الشيخ جابر واحدا من الذي سبقوا منذ سبعينات القرن الماضي في الدعوة الى إقامة نظام اقتصادي و إنساني جديد والى مقاومة الارهاب ، ( مع ضرورة التفريق بين الإرهاب الظالم فرديا كان أو جماعيا أو حكوميا وبين الحق المشروع في الدفاع عن النفس والوطن ) كما يرى سموه .

وفي القضية الفلسطينية سوف يحفظ التاريخ لسمو الشيخ جابر وقفته ودعمه المطلق واللامحدود لهذه القضية التي يعتبرها قضية العرب والمسلمين الأولى ، التي يحتم واجب الانتماء والأخوة ، الوقوف الى جانبها بكل الوسائل من اجل انتزاع الحقوق المشروعة للفلسطينيين وحق العرب والمسلمين في مقدساتهم .

إن هذه الوقفات السريعة على مسيرة ومواقف الشيخ جابر تضئ جانبا من حياة وفكر سموه التي امتزجت فيها الأبعاد الوطنية بالأبعاد العربية والإسلامية في منظور شامل يضع الكويت في صلب انتمائها الجغرافي والتاريخي والقومي ، بل إنه على ضوء هذه النقاط التي ستتناولها الدراسة بتفصيل أكثر ، يمكن أن نفسر كيف استطاعت دولة الكويت ذات المساحة الجغرافية الصغيرة ، أن تصبح ذات وزن مشهود ودور بارز على مسرح السياسة الدولية .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية