دولة الكويت / الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح / فكرة سموه ونشاطه السياسي

منذ مبايعته على تسيير شؤون الدولة في آخر عام 1977 م ، عمل سمو الشيخ جابر الاحمد الصباح أمير الكويت على إثراء وتطوير الممارسة السياسية مستفيدا في ذلك من المناخ السياسي والانفتاح الديمقراطي والنهج المؤسساتي الذي أخذت به الكويت بعد استقلالها في عام 1961 م . وهو في هذا لم يحافظ على التقاليد السياسية في الدولة فحسب بل عزز هذا الاتجاه الذي يجعل دائرة الرأي تتسع جميع الطروحات والأفكار ، وكل هذا في إطار منسق من الوحدة ومراعاة المصلحة الوطنية .

وفي الحقيقة تمثل الكويت نموذجا جيدا للمجتمع المدني في اطار الظروف السائدة في العالم العربي في تاريخ المعاصر ، فمنذ أربعة عقود تشكل في الكويت   مؤسسات تتوزع على مجالات مختلفة سياسية ومهنية وثقافية واجتماعية واقتصادية ، وتمتلك هذه المؤسسات رؤية وأهدافا ليست بالضرورة منسجمة مع رؤى وأهداف الدولة الرسمية ، ولكنها لا تتناقض معها . وهي في غالبها في إطار الدستور وقوانين البلاد .

والواقع أن التجربة الديمقراطية في الكويت تمتد الى عشرينات وثلاثينات القرن الماضي ، وتحديدا ابتداء من تدوين الميثاق وإنشاء أول مجلس شورى في تاريخ الكويت سنة 1921 م ، وتتابعت الحركة السياسية بمختلف ألوانها وتفرعاتها على هذا المناول ، وفهم الواقع السياسي الكويتي اليوم لا يمكن أن يتم إلا على ضوء تلك البدايات وما تبعها من تطورات في الفكر والسلوك السياسي .

وباعتلائه مقاليد الحكم في البلاد حرص سمو الشيخ جابر على تأصيل الديمقراطية وترشيد مفاهيمها الصحيحة ومارستها الراشدة في عقول أبناء الكويت وضمائرهم حرصا على مصلحة الوطن وتماسك أبنائه وتلاحمهم ، واستلهاما لممارسات آبائهم الأوائل التي جسدت الشورى والديمقراطية وأرست دعائمهما على نحوله تميزه وخصوصيته وكما يقول سموه : ( فالديمقراطية اختيار كويتي ، والديمقراطية الكويتية لست مستعارة ، بل هي كويتية الجذور والمنبت ، كويتية النهج والقيم ، ( والديمقراطية في دارنا أن الكويت أولا ونحن جميعا في خدمتها ، نحميها بأجسادنا وأرواحنا ) .

ومن هذا المفهوم الشاسع للوطن وللتنوع الفكري ، يذهب سمو الشيخ جابر في العمل على تكريس ذهنيات منفتحة على الوطن وعلى الآخر قابلة للتعاون مع الجميع من غير إقضاء أو تهميش . فالبعد الديمقراطي كما يحدده سموه ، وليس موضة على الطريقة الغربية أو تقليد غير واع ، وإنما قبل ذلك هو نتيجة طبيعية لموروث كويتي وتفاعل قيم اجتماعية بين المواطنين كانت سائدة بينهم منذ مئات السنين ، وأصبحت بذلك جزءاً من المكون الثقافي والاجتماعي لكل الفئات ، وقد عبر سمو الشيخ جابر على أن هذا التعدد الواعي والمتسامح هو مكسب للكويت أولاً وأخيراً ، قائلا : ( إن الطريق الى معرفة الحقيقة هي النقاش المتسامح والحوار المبدع والكلمة الطيبة ) .

والعمل في تقدير سموه ، هو وحده سيد الوطنية الصادقة وقيمة المواطنة الحقة ، ولا معنى لتلك الوطنية لتلك اذا لم يرافقهـا التزام بالبذل والعطاء ، حيث ( لا أمل بلا عمل ، ولا ثمرة بلا غرس ولا عز بلا جهاد ، ولا رخاء بغير تضحية ، ولقد نعمنا بالحرية فلنتحمل المسؤولية ، ولقد اخترنا طريق الديمقراطية ، فلنتحل بالموضوعية ) ، ولعل سموه في هذا يريد أن يوجه الجهود نحول الفعل البناء الذي يقدس العمل ، وأن يوقظ الهمم التي وهنت وآثرت الأخذ على العطاء ، فالأخذ ايضا بهذا المعنى هو مسؤولية تقع على كل واحد من أفراد المجتمع دون استثناء .

وفي هذا الإطار نجد أن  سموه يؤكد على حقيقة مقاييس الحق والعدل التي تضع موازين الانتماء الوطني الخالص ، حيث يقول ( لا يستوي في مقاييس الحق والعدل : رجل لا يوظف قدراته إلا لخدمة ذاته ورجل يضع الآخرين في اهتماماته ، رجل كل همه أن يستأثر بالثمرة ، ورجل يحرص وهو يجني الثمرة أن يغرس شجرة ، رجل قضى ليله لاهياً أو مسترخيا ، ورجل بات منكبا على البحث والعمل ، رجل لا يحسن سوى ترديد الشعارات ، ورجل يعمل في صمت وإنكار للذات ، رجل سخر بيانه للتمويه والتجريح ، ورجل جعل كلمته أداة للحكمة والموعظة الحسنة ) .

ومن هنا كانت عملية تحرير الطاقات والمبادرات ، وهي الفكرة المهيمنة على توجيهات سمو الشيخ جابر ، لاعتقاده أن مهمة البناء الوطني لا يمكنها أن تتم إلا بسواعد أبناء الوطن ، كل سواعدهم ، وتحفيز عناصر القوة فيهم من أجل الاستمرارية والتطوير ، ويخص الشباب أكثر من غيرهم في هذا الشأن لأنهم كما يقول سموه : ( التيار المتجدد في نهر الحياة للكويت ، ولابد دائما من دعم روافد النهر حتى لا ينقطع نبع القوة ومدد التجديد لجوانب الحياة في أنحاء وطننا ) .

والمقاربة التي يمكن الوقوف عليها هنا ، هي أن سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح تعاطى مع القضايا السياسية من منظور فكري وآخر مؤسساتي ، وكلاهما يصب في نهاية المطاف في تحقيق قاعدة صلبة وتقاليد راسخة في الممارسة السياسية الناضجة ، حيث أنه عندما تولى سموه مقاليد الحكم بادر الى تشكيل مؤسسات فكرية وعلمية تابعة للديوان الأميري ، لتكون عونا فيما يواجه المجتمع من إشكاليات تتطلب الدراسة والقرار ، ومن ضمن هذه المؤسسات نذكر مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وجهاز الدراسات والبحوث الاستشارية ، ومكتب الشهيد ومكتب الإنماء الاجتماعي واللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية .

ولم يقتصر سموه على المؤسسات الرسمية لرسم صورة المجتمع القائم وترشيد سياسة الدولة وفق مخططات استراتيجية ورؤى استشرافية ، وإنما عمد ايضا الى تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني أو ما يعرف بالمؤسسات الشعبية أو الاهلية بكل الاتجاهات الفكرية والسياسية طالما أنها تلتزم بالدستور وترمي الى خدمة المجتمع والدولة .

ولا يمكن إنكار حقيقة أن ظهور مجتمع مبني في الكويت شكل إضافة بارزة التحمت مع الجهود الرسمية في النهوض بالأعباء الاجتماعية والتربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية وغيرها من الأنشطة الأهلية والتطوعية ، ولم يتوان سمو أمير الكويت في مد هذه المؤسسات والهيئات بالمقومات وبالعون المادي والمعنوي اللازم لتواصل رسالتها التي أنشئت من أجلها .

لقد امتلك سموه روحاً طموحة تنشد الأفضل دوما ، ولا يتوقف طموحها عند حد بذاته أو عند منجز بعينه ، فهو يوزع اهتماماته وجهوده وتوجيهاته لكل القطاعات والفئات ، لا يميز في الاولوية بين الواحدة والاخرى ولا يخص بالمتابعة واحدة عن الاخرى ، فالفنان الملهم وحده هو الذي تتحرك أنامله في كل الاتجاهات بدقة وبراعة ليشكل صورة جميلة واضحة المعالم وكاملة التفاصيل ، معبرة عن خيال واسع وحالة وجدانية تربط بالذي يرسم .

وبلا شك أن الكويت بفضل تلك الجهود والتفاعلات الوجدانية والميدانية كانت وما تزال منارة مضيئة في قلب الخليج والعالم العربي ، وما تحقق على أرضها من نهضة عمرانية وحضارية شاملة يشهد ويكشف عن عبقرية سمو أمير البلاد وعن حبه الخالص لوطنه وشعبه وأمته العربية ، فقد عمل سموه على إحداث التغيير والتطوير في الهياكل والإدارات في الدولة ، كما كان شديد الحرص على الالتقاء بالمسؤولين في القطاعات المختلفة المعنية بشؤون التخطيط ، وفي هذا السياق يسجل حرص سموه على تطوير أنظمة الخدمة العامة ، واستحداث التشريعات لمقتضيات خطط التنمية الشاملة ، وتبسيط إجراءات العمل في الجهاز الحكومي ، وإنشاء جهاز للرقابة الإدارية في الدولة .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية