|
في
سياق مسيرة الحياة الشخصية والقيادية لصاحب السمو جابر الأحمد
الصباح أمير دولة الكويت تبرز حقيقة ساطعة ، وهي ارتباط سموه
بأرض الوطن وعشقه أهلها وترابها وتاريخها ، ويستشف هذا الحب
الخالص لأرض الآباء والأجداد من حرص سموه الدائم على تقدمها
وأمنها وسلامتها .
وعندما يتمكن حب كهذا من النفس البشرية يهون الجهد والمال
والعنت ، وتهون الحياة ذاتها ، في سبيل أن يستمر نبض الوطن
خفاقا بين الأوطان وشأنه مرتفعا بين الشعوب والأمم ..
ولا شك أن العلاقة الوجدانية التي ربطت سموه مع الكويت أرضا
وشعبا وتاريخا ، تجلب في تضحية من أجلها أثناء الغزو العراقي
لها في صائفة عام 1990 م ، وعربون وفائه لها كان دفاعه بكل
الإمكانات والوسائل من أجل أن تستبعد حريتها وكرامتها .
وفي تلك المحنة المؤلمة لمس الكويتيون وقعا خاصا لمعنى الوطن
كما ترجمه سموه ، وأيقنوا أن اليد التي ترعى البلد وتحرسه بعد
عناية الله تعالى ، أحرص على الوطن أكثر من حرصها على نفسها ،
وأنها لا تقبل المساومة ولا تخضع للضغوط أو التهديد ، بل وتقدم
النفس والنفيس عندما يتعلق الأمر باستقلال الوطن وسيادة شعبه .
فالوطن في مفهوم سموه يتجاوز في معناه أطر المكان ليمتد الى
سياقات الزمن الماضية واللاحقة ، ونجد سموه يؤكد هذه الحقيقة
في قوله : ( إن الكويت هي المنبت الذي تمتد في أغواره جذورنا
والحصن الذي نأوي إليه ونعتصم به بعد الله سبحانه ، إن الكويت
هي الكيان الذي يمسك علينا وجودنا المتلاحم في معالمه وقسماته
) .
وفي هذه الكلمة الموجزة حدد سموه أن الكويت لبست مجرد وطن
يظلنا وإنما هي قبل ذلك مسألة وجود ، وأن التلاحم الذي أظهره
الكويتيون في محنهم عبر التاريخ وفي محنة الغزو العراقي على
الوجه التحديد ، مصدره الإحساس بعمق الانتماء الى الوطن ، هذا
يربطهم بالحياة ويمدهم بأسباب القوة والأمن ويشعرهم بكيانهم .
وضمن هذا المنظور الذي لا يخلو من مسحة عاطفية صادقة يضيف سموه
في مناسبة أخرى قائلا : ( إن الدروس القريبة والبعيدة قد
علمتنا أن حقيقتنا هي الكويت ، وأن التفافنا حول هذه الحقيقة
هـو الـذي هيأ لنا بفضل الله انتصارنا المبين ) ، وفي هذه
المقاربة تنطبق حقيقة الذات الوطن ليصبحا شيئاً واحداً في
أعماق النفس تحركهما المشاعر والهواجس ذاتها .
بهذا المعنى السامي الذي أعطاه سموه للوطن ، يصبح هذا الأخير
دائم الحضور في القلب ومهيمنا على العقل والمشاعر ، ويشد
التفكير إليه ويدفع بالعمل نحوه ، وتتجلى هذه الحقيقة في قول
سموه بعد أدائه مناسك العمرة ( في طوافي حول البيت العتيق
والسعي بين الصفا والمروة ، وفي صلاتي داخل الكعبة ، وفي ركوعي
وسجودي ، كانت الكويت دعوة يخفق بها قلبي وينطلق بها لساني ،
دعوت الله أن يعصمنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، دعوت
الله أن يحفظ على أبناء الكويت نعمة الحب فلا تدمره الخصومات ،
ونعمة التقدم فلا تعوقه الأهواء ) .
ويمكننا أن نسجل هنا أهم تحركات سموه على الصعيد العربي
والإقليمي والدولي لجلب التأييد والمساندة من الدول الصديقة
والشقيقة من أجل تحرير الكويت ، حيث شارك سموه في مؤتمر القمة
العربي الطارئ في 9 أغسطس 1990م ، وفي الدورة الـ 45 للجمعية
العامة للأمم المتحدة المنعقدة في 27 سبتمبر 1990 م ، وترأس
سموه المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة في الأول من شهر
أكتوبر 1990 م ، ونظم المؤتمر الشعبي الكويتي في جدة في 13
أكتوبر 1990 م ، وشارك في أعمال القمة الحادية عشرة لمجلس
التعاون لدول الخليج العربية .
وإضافة الى هذه المساعي على مستوى التجمعات الدولية ، وقام
سموه بزيارات رسمية الى العديد من الدول الفاعلة لشرح أبعاد
القضية والتأكيد على حقوق الكويت المشروعة في الأرض والأمن ،
فزار الولايات المتحدة الأمريكية في 28 سبتمبر 1990 م ، وفرنسا
في 22 أكتوبر 1990 م ، والمملكة المتحدة البريطانية في 23
أكتوبر 1990 م والصين في 26 ديسمبر 1990 م ، وغيرها .. كما
التقى سموه خلال أشهر الاحتلال مع العديد من رؤساء الدول
ورؤساء الوزارات والوزراء والدبلوماسيين .
والوقع أن دول مجلس التعاون الخليجي قدمت للكويت في أثناء
الاحتلال الدعم السياسي والمادي والمعنوي واستفزت كل جهودها
الدبلوماسية ومؤسساتها المختلفة لإنهاء الاحتلال واستعادة
الكويت كامل حقوقها المشروعة . فقد عقدت دول مجلس التعاون
القمة الحادية عشرة للمجلس في 22 ديسمبر 1990 م تحت شعار (
التحرير والتغيير ) وكانت أهم نتائج المؤتمر :
ـ
تأكيد وقوف دول المجلس مع الكويت وتضامنها معها والتزامها
بتنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن ، وإعلان أن علاقات دول المجلس
مع دول العالم ستتأثر سلبا أو إيجاباً بحسب مواقف تلك الدول في
تنفيذ قرارات مجلس الأمن .
ـ
مواصلة الضغط بكل الوسائل لضمان التنفيذ التام لقرارات مجلس
الأمن مع المحافظة على وحدة الموقف الدولي .
ـ
تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية من أجل تنفيذ قرارات مجلس
الأمن والتأكيد على مواصلة التعبئة العامة وحشد الطاقات
العسكرية لمواجهة الوضع الخطير في المنطقة .
ـ
تأكيد حق الكويت في الحصول على التعويضات الكاملة عما لحق بها
من خسائر ونهب وسرقة ، وفق قرار مجلس الأمن رقم ( 674 )
وقرارات مجلس الجامعة العربية .
ـ
تكليف لجنة من وزراء خارجية دول مجلس للقيام بجولات جماعية الى
الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وبعض الدول العربية
وغيرها من الدول ذات الأهمية وتأكيد موقف دول المجلس من أجل
الحفاظ على وحدة الموقف الدولي .
ـ
دعم الوفود الشعبية من الدول الأعضاء وتشجيعها للقيام بزيارات
جماعية الى عدد من الدول التي لها مواقف معينة لشرح الموقف لها
.
وأمام هذا الموقف الخليجي المتضامن والداعم للكويت أكد سمو
الشيخ جابر في 22 ديسمبر 1991 م في الدورة الثانية عشرة للمجلس
الأعلى لمجلس التعاون الخليجي بالكويت ، أن وقوف الدول
الخليجية مع الكويت أثناء الاجتياح العراقـي (سيظل علامة مضيئة
من علامات الصلات الكريمـة بيـن الشعوب ) موضحا (أن ما قدمته
شعوب دول مجلس التعاون أثناء المحنة أعاد الثقة في نفوس
الأجيال ورسخ الإخاء بين شعوب المنطقة وجعلها حقيقة شعورية ) .
|