دولة الكويت / الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح / التنمية الاقتصادية في منظور الشيخ جابر

التنمية الاقتصادية في الكويت ظاهرة تنساق في إطار زمني طويل وهي جزء من حياة البلاد السياسية وتاريخها ووجودها أيضا ، تستمد صيرورتها من بيئة المكان في الماضي والحاضر . فقد كان النشاط الاقتصادي عاملاً محفزاً لارتباط الكويتي بالبحر والصحراء من أجل عيشه وتجارته وجواز سفره في الانفتاح على الدول المجاورة .

والمجتمع الكويتي قبل البترول كان مجتمعا بدويا بحريا يشده الى الصحراء نسب والى البحر سبب ، فكان للبحر والصحراء أثر واضح في تشكيل طبيعته على الصورة التي كان عليها قبل التطور الذي أحدثه النفط .

وإذا كانت هذه حال الكويتيين في الظروف الصعبة التي سبقت اكتشاف النفط فكيف وقد أفاء الله عليهم اليوم بمورد طبيعي يعتبر هو الأول طلبا في العالم ، وهو محرك دواليب الصناعة والاقتصاد والتنمية ، فهذا الاكتشاف لم يضاعف أمل الكويتيين في تحسين مستويات معيشتهم فحسب بل وسع في طموحهم الى مستويات عالمية في التقدم والمنافسة الاقتصادية .

ويؤكد سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت هذه الحقيقة في قوله : (إن بلدي ليس مجرد آبار نفط تفجرت في بيئة صحراوية ، وبلدي ليس شعبا هبطت عليه الثروة من السماء فأخذ يبددها في المتع ومظاهر الترف ، فالحقيقة الماثلة في إنجازات نصف قرن تبين الى أي مدى جاهد هذا الشعب بالعلم والصبر والمحاولات التي لا تعرف اليأس ، كي ينتقل بوطنه الى المعاصرة بكل ما تعنيه وتتطلبه من علوم وقيم ومؤسسات .. ) .

إن الماضي الذي كان يشد دائما نظرة صاحب السمو الشيخ جابر الاحمد الصباح ليتذكر منطلق المسيرة التنموية وظروف بداياتها ، هو ذات الماضي الذي يدفعه نحو مضاعفة الجهود في بناء الحاضر واستشراف المستقبل ، فسموه يدرك كم كافح الآباء والأجداد من أجل الحياة بإمكاناتهم المحدودة وعزيمتهم الصلبة وبإرادة في العمل لا تقل .

وقد نقل الأديب اللبناني الكبير ( أمين الريحاني ) صورة المجتمع الكويتي في عشرينيات القرن الماضي وهو يشع حيوية ونشاطا ، بعد زيارة قادته الى الكويت وباقي أجزاء شبه الجزيرة العربية ، ووصف في كتابه (ملوك العرب ) مشهدا رائعا من ذلك النشاط الاقتصادي في ذلك الوقت قائلا (في رواق القصر نشرف على مشهد من مشاهد العمل في الكويت ، فإن في ساحته الفسيحة المزدانة بالعلم الأحمر وقد كتب علي ) الكويت (تجد دائما عددا من الناس جالسين على الأرض حول راع مبسوط وغالبا تجد ثلاثة أو أربعه أشرعه كبيرة الى جانب كل منها بضعة عشرة من النوتية يشتغلون فيها ، يخيطون جديدا أو يصلحون قديما منها ، هو ذات معمل الشراع الذي يعيش في ظله أكثر أبناء الكويت ) .

فبناء السفن الشراعية والملاحة والغوص كانت ركن التجارة والحياة الاقتصادية في الكويت ، كما كانت سفن الصحراء ممثلة في الجمال محورا آخر في العمل التجاري والتواصل الاقتصادي مع باقي دول المنطقة والعالم العربي ، والحركة سواء كانت في البحر أو في الصحراء ، كانت هي عصب النشاط الاقتصادي آنذاك رغم تواضعه .

وتعتبر لحظة تدفق النفط على أرض الكويت لحظة فارقة بين زمنين وبوابة عبرت من خلالها الكويت من مرحله الكفاح من أجل العيش الى مرحلـة الكفاح من أجل التقدم والرقي ، أمام تحديات داخليـة وإقليمية دولية أكبر من المرحلة السابقة .

وفي أول شحنة تم تصديرها في 30 يونيو 1946 م قال سمو الشيخ احمد الجابر أمير الكويت في ذلك الوقت ( والد الأمير الحالي ) وهو يدير الصمام الفضي على أنبوبة التحميل ليبدأ تدفق النفط الكويتي الـى العالـم لأول مـرة : (اليوم يوم سعيد جدا ، اذ نحتفل بأول شحنه ، وتصدير نفط من الكويت ، ولا شك أن جميع أفراد شعبي وأصدقائي سوف يبتهجون معي لهذا الحدث ، الذي سيكون بإذن الله فاتحة خير لرفاهيتنا في المستقبل .. ) .

فقط طفح النفط في معادلة التنمية الاقتصادية في الكويت في وقت شديد الأهمية بالنسبة للكويت ولدول منطقة الخليج العربي ، وهي التي بدأت تفقد موردها الطبيعي الأول المتمثل في اللؤلؤ الذي كان أهلها يعولون عليه كثيراً في مداخلهم بعد أن نجح اليابانيون في تربية اللؤلؤ صناعيا ، لكن الله عوضهم عن اللؤلؤ بمورد آخر هو النفط الذي يعتبر أكبر أهمية بالنسبة للاقتصاد والصناعة الحديثة .

ولا شك أن التعاطي المبكر لسمو الشيخ جابر مع ثروة النفط المتدفقة حديثا في الكويت في عام 1949 م ، بصفته رئيسا للأمن العام في مدينة الأحمدي -  وهي المدينة التي جسدت انتقال المجتمع الكويتي الى العصر الجديد ، وهو في سن الواحدة والعشرين من العمر ، عززت استراتيجية سموه في الاستغلال الأمثل لثروة النفط ليس من أجل الرفاه الاجتماعي فقط و إنما للسير في بناء الدولة على ركائز صحيحة ومتينة وفق أحدث ما توصل إليه الفكر الإنساني في المدينة والاقتصاد . 

لكن هناك شئ يقف دون كل الأحلام التي كان يرسمها سموه وهو الشركات النفطية التي كانت تستأثر بكامل العملية البترولية من التنقيب الى الاستخراج والإنتاج والتسويق ، وهذا لا يفيد الكويت بقدر ما يفيد هذه الشركات ، وكانت هذه الشركات كما هو عهدها في ذلك الوقت مع باقي الدول النفطية العربية والعالمية الأخرى ، ولا تسعى سوى الى الحصول على امتيازات كبيرة وإبرام اتفاقات مجحفة في حق هذه الدول ، وهو ما كان يحصل فعلا في الكويت .

وبعد فترة من العمل المتواصل استطاع سمو الشيخ جابر الأحمد الصباح أن يضبط علاقة جديدة مع هذه الشركات لصالح الكويت ، حينما قرر أن يستثمر بترول الكويت بأيدي أبنائها ، وقال في هذا : (تقوم العلاقة الآن بين الدولة والشركات البترولية الأجنبية في أرضنا على أسس جديدة تم وضعها ، وفي إطارها تجري الممارسات المباشرة الفعالة لاستثمار ثرواتنا البترولية بأيدي أبناء البلاد بما يحقق السيادة الفعلية على مقدرات ثروتنا الوطنية ) .

ويعبر تعامل سموه مع النفط كثروة أو كعامل سياسي للجذب والاستقطاب بين المنتجين والمستهلكين ، عن حكمة واضحة أسهمت في وضع الكويت في موقع الاحترام والتقدير الدولي وجعلت منها دولة شأنها في المفاوضات الدولية بخصوص التسعير للنفط ولتحديد حصص الإنتاج ، لأنه كان ينظر الى الموضوع من زاوية التوازن في السوق البترولية من جهة ، ومن جهة أخرى يضع في الاعتبار حقوق الدول والشعوب التي وهبها الله أن تستفيد من هذه الثروة في تنمية قدراتها الاقتصادية وتحسين أوضاعها الاجتماعية ، ويقول سمـوه فـي هـذا : ( ان على الدول النفطية داخل الأوبك أو خارجها كما على الدول المستهلكة تنسيق سياستها في الإنتاج والاستهلاك النفطي والتواصل الى اتفاق يحدد مستوى الإنتاج ومستوى الأسعار لما فيه مصلحة الأسرة الدولية جمعاء ) .

وكل ما تشهده الكويت اليوم من عوامل النهضة والنشاط الصناعي والتجاري ، يؤكد أن سمو الشيخ جابر الاحمد الصباح هو مهندس الاقتصاد الكويتي منذ انطلاقته الأولى . فمن مجال النفط الذي خبر تفاصيله وإقتادياته حين كان رئيسا للأمن مناطق النفط ، انتقل سموه الى المجال المالي ، وتحديدا في عام 1959 م عندما تولى منصب رئيس دائرة المالية ، ثم وزير للمالية في أول وزارة تشكلت بعد الاستقلال ، وبالتحديد في يناير عام 1962 م وكان بذلك أول وزير للمالية والاقتصاد واستمر سموه على رأس هذا الجهاز الحساس الى غاية 1965 م .

ويمكن أن نلاحظ مثلا أن عام 1962 م الذي ين فيه سموه وزيرا للمالية والاقتصاد حفل بمشاريع وإنجازات عديدة وضعت القاعدة الضخمة التي ارتفع فرقها بناء الكويت الاقتصادي والمالي الحالي ، وكانت فترة توليه الوزارة نقله نوعية في الاقتصاد الكويتي قفزت به من الممارسة البدائية الى الطرق الحديثة التي تعزز استقلال البلاد وترضى طموحها نحو الرقي . وفي هذه الفترة صدر لأول مرة نقد كويتي خالص بدلا من النقد الهندي الذي كان متداولا ، وأنشئ مجلس النقد الكويتي ، وأعد النظام الخاص بالصندوق الكويتي للتنمية العربية .

ومن خلال استعراض للمشاريع التي تم بعثها في تلك الفترة على المستوى الصناعي ، يتضح أن سمو الشيخ جابر كان يركز في تلك البدايات على إقامة وإنشاء الصناعات الكبيرة الضخمة ، وهذا كان يستدعيه طبيعة النشاط النفطي الذي يتطلب سلسلة من الصناعات الثقيلة المترابطة .

وخارج قطاع النفط استأثر باقي قطاعات الإنتاج الصناعي التحويلي والغذائي على اهتمام خاص ، ذلك أن سموه كان يرمي مه هذه السياسة التصنيعية تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني والتخفيف من حدة التبعية للشركات الأجنبية من جهة ، والاستجابة الى الاحتياجات الاجتماعية المتنامية بصورة مذهلة من جهة أخرى .

والبعد الاقتصادي لدى سمو الشيخ جابر يتجاوز القيمة الوطنية الى القيمة الإقليمية والعربية إيمانا بأن الكويت جزء طبيعي من نسيجها الجغرافي والتاريخي ، وأن تقدم الدولة رهنا بهذه المنظومة الطبيعية التي حمل سموه على عاتقه المساهمة الفاعلة في تنميتها ، وأسس لذلك الصندوق الكويتي للتنمية العربية الذي يعد في الحد ذاته انجازا ذا بعد قومي من خلال ما قدمه للتنمية الاقتصادية في الأقطار العربية عن طريق القروض الصغيرة والمتوسطة والطويلة الأجل أو عن طريق المشاركة المباشرة في المشروعات أو عن طريق الكفالات وتمويل البحوث والدراسات التي تتطلبها بعض المشاريع .

وتتكامل خطوات سموه نحو التنمية العربية في سياق منظور شامل للاقتصاد الدولي ، حيث يؤكد سموه هذه الرؤية في قوله : ( نرحب بالدخـول في السوق العربية المشتركـة ، وإن الدخـول في المؤسسات الدوليـة هو إعطاء مجال للدول المحتاجـة وغيرها للمساهمة قدر طاقتها لرفع مستوى البلد الاقتصادي ) . إن هذا يجلي حقيقة تعامل سموه مع موضوع العولمة الذي رأى فيه كثيرون طوفاناً سيجرف الاقتصاديات الوطنية والناشئة .  ومنطلقة كان ـ وما زال ـ ينادي بعدالة اقتصادية دولية تحفظ للدول النامية حقوقها ومواردها . ومن دون أن يغفل سموه ما للتخطيط والتطوير والانفتاح من دور في تجسيد تنافسية عالية للاقتصاد الوطني ، تجعله ينسجم مع العولمة ويستفيد من خصائصها دون أن يتأثر من مخاطرها .

فالتحدي الأول لأي دولة هو أن تكون مستوى المجاهلة والمنافسى والتكيف السريع مع إيقاع التحول والتطور الذي تفرضه ثورة المعلومات وتكنولجيا الاتصال ، ومن هذه الزاوية كان دور سموه في التأهيل المستمر للقطاعات المصرفية والإنتاجية و الخدماتيه ، وتحرير المبادرات الإبداعية وتشجيع القطاع الخاص وإتاحة الفرص للاستثمار المحلي والعربي والأجنبي ، وتنسيق الجهود خليجيا وعربيا وإقليميا ، ومع هذا كله اقتضى الأمر من سموه متابعة مستمرة للمشروعات والتشريعات التي أطلقها دولة الكويت لإعادة أعمارها وإنعاش مختلف مرافقها الاقتصادية . 

إن ثمار هذا الزرع والحرص في ربوع الكويت يتجلى اليوم في المشهد الكويتي العام ليس فقط على مستوى أشغال الورشة الكبرى التي طبعت صورة النشاط الكويتي ، وإنما أيضا على الصعيد الاجتماعي ، حيث لمس المواطنون في واقعهم تحولا إيجابيا عكس عدالة في الاهتمام وتوزيع الدخل . فالواقع أن قوة أي اقتصاد وطني تصبح بلا جدوى إذا اكتفت بترقب المؤشرات ومعدلات النمو على حساب الواقع والتنمية الاجتماعية .

لقد حرص سموه على أن تكون هناك عدالة في توزيع الدخل والاستجابة لاحتياجات الشعب ، وهذا شئ ما فتئ يعبر عنه سموه في المناسبات مختلفو ويقول بشأنه : ( إن كون الكويت بلداً غنياً فهو من فضل الله أفاء به على هذه البقعة من العالم .. والغني نسبي والمهم فيه أن تستفيد منه جميع طبقات الشعب وفئاته ، والحمد لله فقد تمكنا من توزيع هذه الثروة بحيث أصابت جميع أفراد شعبنا بلا استثناء ، وبحيث أصبحت الفوارق المادية بين الشعب في الكويت ضئيلة ومحدودة ) . 

فمسيرة الاقتصاد الكويتي كما يرى سمو الشيخ جابر الاحمد الصباح كانت تستهدف الفرد الإنسان والمواطن أكثر من أي شئ آخر ، لأنه هو المحرك الحقيقي للاقتصاد والمورد الدائم للدولة ونجده في هذا يقول : ( إن مسيرة اقتصادنا الوطني ليست لمصالح ذاتية أو مكاسب شخصية وإنما ، هي مسيرة وطن باق بأرضه وأجياله ، واثق من غده ومستقبله ، فمن حق هذا الوطن الذي أفاء بخيراته علينا أن يكون هو أول مستفيد من هذه الخيرات باستثمارها على أرضه لخير أبنائه .. ) .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية