|
تتمحور الفكرة الرئيسية لدى سمو الشيخ جابر الاحمد الصباح بشأن
النهضة الوطنية حول مبدأ أنه لا نهضة ولاتنمية من غير معرفة أو
ثقافة ، ولا يمكن أن تعني الهياكل والمنشآت العمرانية شيئاً ، اذا لم تكن بداخل المجتمع الذي يحتضنها روحا ثقافية واسعة
مدركة لمحيطها ومتفاعلة مع واقعها ، ومسايرة لحركة التطور
الفكري والثقافي التي تطبع عالمنا المعاصر وتؤثر في اتجاهاته .
فقد كان سمو الشيخ جابر يدرك مبكرا ، أن الكويت تاقت الى
المعرفة منذ بدايات القرن على يد الرواد الأوائل ونواة النخبة
المثقفة الذذين أنشأوا ( الجمعية الخيرية ) ومن ثم ( المكتبة
الأهلية ) وما تبعها من نشاط أهلي . وأدرك أن الثقافة بقدر ما
هي حاجة لا تقل عن أي حاجة بيولوجية أخرى ، هي ايضا ركيزة في
بناء الشخصية الكويتية والحفاظ على الهوية والقيم والعادات
والتقاليد ، إضافة الى كونها جسراً يوصل الكويت بثقافة أكبر
وحاضرة أشمل هما الثقافة والحضارة العربيتان .
فحتى قبل الاكتشافات النفطية كان الإقبال الأهلي على التعلم
والتثقيف ظاهرة تدخل ضمن المكونات الاجتماعية للحياة الكويتية
آنئذ ، يعبر عنها المجتمع من خلال مجالس الديوانية التي كانت
تعقد في البيوتات وتتناقل فيها المعارف والخبرات مشافهة . ولا
غرو بعد ذلك أن يتحول هذا السلوك الى الى فعل مؤسساتي ترعاه
الدولة متمده بالوسائل اللازمة .
ولقد خصصت الكويت جزءاً من ثروتها للثقافة ، وأصبحت مكاناً
لانتعاش النشاط الفكري والثقافي والصحفي ، ومجالا خصبا لعقد
المؤتمرات والندوات العلمية والثقافية ، كما صدر فيها منذ
الاستقلال عدد كبير من الدوريات العلمية والثقافية سواء عن
جامعة الكويت أو وزارة الإعلام أو المجلس الوطني للثقافة
والفنون والآداب .
وكما يقول المفكر مالك بن نبي : ( إن جوهر الثقافة يتحدد بما
نحركه من قوى قي الفرد والمجتمع ) ، وهذه الحركة تحتاج الى
إرادة خلاقة قادرة على التأليف بين العناصر الثقافية ووضعها في
سياسة عامة وأطر مؤسساتية وتشريعية ، لتنطلق هذه الحركة نحو
أهدافها وغاياتها .
وما قام به سمو الشيخ جابر هو انه أطر للفعل الثقافي الكويتي
مع حفاظه على خصوصيته الأهلية ودون أن يؤثر على محتوياته
المنسجمه أو المختلفة مع رواه الشخصية طالما أنها تصب في خدمة
المجتمع وتعبر عن اتجاهاته الفكرية والأدبية والفنية .
والتطلع الى ترقية الثقافة ورفدها حدا بسمو الشيخ جابر حين كان
وليا للعهد ورئيساً للوزراء في عام 1972م أن يصدر أوامره
بتشكيل لجنة مكونة من نخبة الفكر والثقافة بالكويت بهدف بحث
سبل النهوض بالحركة الفنية والثقافية ، وتم اختيار اللجنة
لتمثل مختلف القطاعات من فن ومسرح وفنون تشكيلة وغيرها من
الألوان الثقافية الأخرى .
وأجرت اللجان الفرعية المنبثقة عن هذه اللجنة تقويما ومسحا
شاملا للواقع الثقافي والفني في الكويت ، واتصلت بالعديد من
المهتمين بالحركة الثقافية سواء من الكويتيين أو من أساتذة
الجامعات والكفاءات الثقافية الموجودة بها .
وقامت هذه اللجنة بترجمة العديد من الدراسات التي أصدرتها
منظمة اليونسكو حول السياسات الثقافية في أقطار مختلفة ، وهي
سلسلة دراسات بعنوان ( السياسة الثقافية في فرنسا ) و (
السياسـة الثقافية فـي بريطانيا العظمـى ) و ( السياسة
الثقافية في اليابان ) و ( السياسة الثقافية في تونس ) إضافة
الى وثيقة بعنوان ( الحقوق الثقافية كحقوق إنسانية ) .
ثم
تولت اللجنة تمحيص وفحص كل هذه الحصيلة من السياسات الثقافية
المتبعة في عدد من الدول الضليعة في مجال الثقافة ، وعلى ضوء
هذا الجهد الفكري المستطلع لحركة الثقافة العالمية واتجاهاتها
وأساليبها ، خلصت اللجنة الى جملة توصيات تتلاءم وواقع الكويتي
وتطلعاته الثقافية .
وفي 29 نوفمبر 1972م اجتمع سمو الشيخ جابر بصفته ولياً للعهد
واستمع الى التقرير المفصل الذي قدمته اللجنة ، واشتمل التقرير
على نوعين من التوصيات : أولا خطة عاجلة لإصلاح ما هو قائم ،
وثانياً خطة آجلة تنفذ على سنوات ومن أهم التوصيات الآجلة :
ـ
إنشاء مجلس وطني للثقافة والفنون والآداب .
ـ
الاهتمام بجعل الكويت مركزاً ثقافيا مبدعاً .
ـ
إعطاء الترجمة أولوية خاصة .
ـ
إحداث جائزة باسم الكويت .
وغيرها من التوصيات التي يمكن القول عنها أنها أصبحت اليوم
واقعاً قائماً بذاته في الكويت .
وقطعا أن العودة الى تلك اللجنة وتوصياتها بالتفصيل يكشف عن
طبيعة الأساس الذي أقام عليه سمو الشيخ جابر الهيكل الثقافي
الكويتي الراهن وقوة الدفع التي زود بها سموه الحركة الثقافية
خلال العقود الثلاثة الماضية ، وفق منظور شامل ومتكامل يسير
على أحداث النظريات الثقافية في العالم ، ومن دون أن تفقد
الخصوصية الثقافية الكويتية روحها ، بل على العكس وظف سموه
المشروع الثقافي بكامله من أجل الهوية الأصلية للكويت ،
موروثاً وفكرا وفنا وإبداعا .
وبفضل سياسة سموه الحكيمة ومشاعره القومية ، لم يتوقف نبض عطاء
الثقافة الكويتية على أهل الكويت وحدهم ، وانما امتد دفق هذه
الثقافة لتشمل باقي الأقطار العربية من خلال إصداراتها القيمة
كـ ( عالم المعرفة ) و ( الثقافة العالمية ) ، و ( العلوم )
فضلاً عن ( العربي ) وأخواتها من الدوريات الثقافية
والأكاديمية التي أغنت المكتبة العربية والفكر .
وإننا عندما نمعن النظر في الرصيد الثقافي الذي قدمته الكويت
الى العالم العربي ، أن حجم ما تنتجه وتصنعه الككويت من فنون
ثقافية وعلمية شتى ، قد جعل منها رغم مساحتها مركز إشعاع معرفي
حقيقي في المنطقة العربية ، تضاهي بما تقدمه في هذا المجال
أكبر الدول العربية وأغزرها إنتاجا .
|