مجلس التعاون الخليجي / دولة قطر /  سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

إن هناك صنفا من القادة والزعماء ارتبط وعيهم ومآثرهم بتاريخ أمتهم وامتزجت تفاصيل حياتهم وأحداثها بتطلعات شعوبهم ، وقبضوا على مساعي النهوض والتطور ومجابهة التحديات ، والتي نسج وجدانهم فيها وشائج مع الوطن ، انسابت في انسجام تام مع تطلعات الشعوب ونبض أحلامها . 

وصاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يجسد في كينونته مثالا حيا تتدفق من جهود العمل الوطني في تاريخ قطر الحديث لأن حياته تمثل امتداد لأسرة عربية عريقة سجلت حضورها على مدى القرنين الماضيين بكل الفخر والاعتزاز وهي أسرة آل ثاني التي يعود لها الفضل في وضع أسس دولة قطر .

وقراءة الحاضر في مثل هذه الحالة المتداخلة العناصر والوشائج والضاربة في عمق تاريخ قطر ومنطقة الخليج العربي ، تستدعي الرجوع إلى الماضي والعودة إلى الجذور لإدراك حجم الإرادة والإصرار اللذين ترافقا على خط الزمن القطري المليء بالأحداث والتحديات . هاتان الخصلتان اللتان حافظت بهما قطر على كيانها ومضت بفضلهما نحو أهدافها المرجوة . وتذكر أغلب المصادر التاريخية أن قطر نشأت في العصر الحديث في منتصف الساحل الغربي من الخليج العربي والتي تواجدت فيها مجموعات من القبائل العربية قادمة من الجزيرة العربية ، لما تتمتع به هذه الرقعة الجغرافية من مميزات وسمات فريدة تتوافر على المقومات التي تضمن الازدهار والرفاه لساكنيها .

وقد كان آل ثاني تجمعاً قبلياً ، استقر في واحة (جبرين) جنوبي نجد ، فترة طويلة من الزمن ،  قبل ارتحاله إلى قطر في أوائل القرن الثامن عشر ، وقد وصلوا إلى شمال البلاد ثم انتقلوا إلى الدوحة في منتصف القرن التاسع عشر بزعامة الشيخ محمد بن ثاني . وتعود أسرة آل ثاني في نسبها إلى قبيلة تميم العربية التي تنتسب إلى مضر بن نزار وكانت ديارها في الجانب الشرقي من شبه الجزيرة العربية . وقد اكتسبت الأسرة اسمها من عميدها ثاني بن محمد والد الشيخ محمد بن ثاني الذي كان أول شيخ مارس سلطته الفعلية في شبه الجزيرة القطرية في أواسط القرن التاسع عشر . 

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر تحولت قطر إلى مركز لجمع اللؤلؤ . وقد استطاع جاسم بن محمد آل ثاني بعد أن تولي الحكم في قطر في عام (1878) ، أن يحكم بقدر كبير من الاستقلالية عن بريطانيا والأتراك ، وحقق بذلك نفوذا لنفسه في المنطقة وتحول إلى واحد من أقوي حكامها في تلك الحقبة  . فقد كان من كبار الساسة ، عمل نائباً لوالده الشيخ محمد مما أكسبه خبرة ودراية سياسية كبيرة . عمل الشيخ قاسم آل ثاني على تكون قطر بلداً موحداً مستقلاً ، مما استدعي تدخل بريطانيا التي ازداد نفوذها في تلك الآونة .

وبزوال الحكم العثماني ، وبعد الحرب العالمية الأولى ، وقعت اتفاقية الحماية مع بريطانيا عام (1916) وفي عام (1939) دخلت قطر عصر النفط وتم تصدير أو شحنة منه عام (1949) . وفي عام (1968) سعت دول المنطقة لإنشاء اتحاد كونفدرالي لدول الخليج التسع ، وعندما تعثر قيام اتحاد الإمارات التسع صدر النظام الأساسي المؤقت لدولة قطر في 2 ابريل عام (1970) . ثم شكل أول مجلس وزراء لدولة قطر في 28 مايو (1970) . وفي الثالث من سبتمبر (1971) انتهت اتفاقية الحماية التي كانت وقعت في بريطانيا .

المولد والنشأة :

ولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مدينة الدوحة عام (1952) م ، وتلقي تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس قطر ، ثم التحق بكلية ساند هيرست العسكرية الملكية بالمملكة المتحدة ، وتخرج منها في شهر يوليو عام (1971) م ، وانضم بعدها إلى القوات المسلحة القطرية برتبة مقدم ، وعين قائداً للكتيبة القطرية الأولى والتي أصبحت تسمى الآن (( كتيبة حمد المتحركة )) . تدرج في المناصب والرتب العسكرية حتى رقي لرتبة لواء وعين قائداً عاماً للقوات المسلحة القطرية ، ويكون بذلك أول قطري يشغل هذا المنصب . وسخر من خلال علومه العسكرية جهوده لتطوير قدرات القوات المسلحة وكفاءتها ، فاستحدث سلاح الجو الأميري وأسس وحدة الصاعقة والهندسة والشرطة العسكرية ووحدة المغاوير وسلاح الحدود ووحدة الدفاع والقيادة ، والاهتمام بتدريب الضباط والأفراد على أحدث الأساليب العسكرية المتطورة . 

بويع ولياً للعهد بتاريخ 31 مايو (1977)م ، وعين وزيراً للدفاع ورئيساً للمجلس الأعلى للتخطيط والذي يعتبر بمثابة الركن الأساس في بناء الدولة العصرية ، فمارس مهام الحكم التنفيذي مبكراً . وتولى سموه مقاليد الحكم في قطر بتاريخ 27 يونيو (1995) .

رعى سموه العديد من المؤتمرات في الميادين المختلفة إلى جانب حضوره العديد من المؤتمرات الخليجية والعربية . وقام سموه بزيارة العديد من الدول العربية والأجنبية وحصل سموه على العديد من الأوسمة من دول عربية وأجنبية تقديراً له على جهوده في تقوية العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون مع تلك الدول .

قيادة التحول السياسي :

تمر الأمم والشعوب بمراحل هامة وحاسمة في تاريخها ، تتطلب الإقدام على خطوات واثقة وجريئة ، منطلقها رؤية متنورة وخلفية فكرية ناضجة ، قادرة على استعمال الأدوات المتاحة للوصول إلى إنجازات ملموسة ، واليوم فإن قطر تعيش مرحلة تاريخية من مراحل مسيرتها نحو التقدم وبناء دولة القانون والمؤسسات في إطار تفعيل المشاركة الشعبية .

وقد ظل هدف وغاية صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة منذ توليه مسؤولية الحكم أن يبذل كل ما يستطيع من جهد لبلوغ هدف بناء دولة مزدهرة مستقرة ، قوامها الدين والأخلاق ، وعمادها العلم والمعرفة ، وأساس حكمها العدل والدستور  والديمقراطية .

وقد مر التطور الدستوري في قطر بمراحل متعاقبة عكست درجات النمو ، فقد صدر أول نظام أساسي مؤقت للحكم في قطر سنة (1970) م قبل أن تنال البلاد استقلالها ثم عدل في سنة (1972) م ، بعد الاستقلال ليتواءم مع متطلبات هذه المرحلة الجديدة ومسؤولياتها وأخذاً بنسبة التطور والتدرج . وقد انقضى منذ ذلك الحين قرابة ربع قرن من الزمان تحددت فيه معالم وأهداف سياسات الدولة وانتماءاتها الخليجية والعربية والإسلامية ، واكتسبت سلطاتها وأجزئها المختلفة الخبرات المستمدة من الممارسة الفعلية على المستويين الداخلي والخارجي .

وقد انتصر سموه في مجال الفعل السياسي للنهج الديمقراطي والمتدرج ولخيار توسيع مجال المشاركة السياسية في الهيئات والمؤسسات الرسمية لمختلف القوى الحية والفاعلة داخل المجتمع القطري ، فنجاح العملية الديمقراطية عند سموه يعتبر أمرا حيويا وضروريا للانطلاق نحول مرحلة جديدة من النهضة الشاملة تدخل معها قطر القرن الواحد والعشرين بقوة وثقة في مستقبل واعد ، وبخطى ثابتة نحو نهضة شاملة تستند إلى دعائم من الأمن والأمان والاستقرار .

ونظر سموه إلى التحول الديمقراطي على أنه بقدر ما هو ضروري لتطوير قاعدة الحكم وتحسين الأداء على جميع المستويات ، فإنه وبالمقابل يتطلب الإعداد اللازم والرؤية الكافية لإنجاح التجربة وإنضاج المشروع ضمن ملحمة العمل الوطني ، من منطلق ان الديمقراطية وتطبيقاتها السياسية لا يمكن ان تتم بنجاح دون أن تكون مترافقة مع عملية إصلاح منهجي وتحديث وانفتاح اقتصادي مدروس ، بشكل يؤمن حرية المواطن وشعوره بالمسؤولية ، وإقناعه بأنه جزء مساهم وفعال في العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتكاملة التي تكرس حقوقه وتحدد مسؤولياته وواجباته ، باعتبار أن الديمقراطية قبل كل شيء هي سلوك شخصي لكل مواطن يتعين عليه أن يثبت جدارته وأهليته للديمقراطية . وفي هذا  الموضوع يقول : وإذ ندرك تماماً أن للانتقال إلى مناخ الحرية تبعاته ومسؤولياته التي يتحملها الجميع فإن مثل هذه التجربة قد يشوبها ، خاصة في بدايتها ، بعض السلبيات والتجاوزات ، إلا أن الإيجابيات التي تتحقق لبلادنا بمجتمع منفتح لا يعرف التفرد بالرأي ، ويعتمد أسلوب الحوار الهادف إلى تحقيق المصلحة العامة ، وتفوق كل السلبيات التي ستتلاشى تدريجياً باشتداد عود المشاركة الشعبية وتأصل جذورها  .

ولا يوجد اختلاف أو تناقض مابين منطلقات الدين والتجربة الديمقراطية في فكر سموه وتطلعاته ، فالديمقراطية التي تسعى دول قطر لتعزيزها وتكريسها كأساس للحكم تستقي أسسها وعناصرها من تعاليم الدين الحنيف وتراث التجارب الديمقراطية العرقية في العالم ، فالدين الإسلامي يأمر بالشورى ومنهاجا لكافة شؤون المسلمين ، ويقول سموه في هذا الشأن : (( إن الشورى هي مبدأ إلزامي في الحكم بمقتضى مبادئ الإسلام وتعاليمه . كما أن الإسلام يؤكد على أهمية حقوق الإنسان والمساواة بين البشر وعدم التمييز بين الشعوب والأعراق ، مثلما يُعلمنا ضرورة التسامح والانفتاح والتفاعل الحضاري بين الأمم ، واحترام النفس البشرية ، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين )) . ويضف سموه (( مبدأ الشورى . كما أكدنا أكثر من مرة هو أحد الثوابت الرئيسية في سياستنا الهادفة لتحقيق مشاركة شعبية مسئولة في عملية صنع القرار ومتابعة تنفيذه . كما أن الشورى هي النهج الصائب والخطوة المبدئية الصحيحة لتحقيق تلك الغاية من خلال المؤسسات الدستورية لإرساء دولة القانون والمؤسسات التي ننشدها )) .

ومن هذا التوجه فإن الالتزام بالشورى ، والتأكيد على حسن تطبيقها كأساس للحكم ، وكضمانة للعلاقة بين الحكم والمجتمع ، إنما هي تكريس للالتزام بمبادئ الحكم الصالح التي دعا إليها الإسلام . فمن خلال هذه المبادئ ،و بفضلها ، تصبح المشاركة الشعبية المسئولة في عملية اتخاذ القرارات وإدارة المجتمعات حقيقة واقعة على طريق بناء الدولة الحديثة القائمة على حكم الدستور والقانون والمؤسسات والعدالة السياسية والاجتماعية ، والقادرة على التعامل والتفاعل بإيجابية مع عالمنا الذي نعيش فيه سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعلمياً وحضارياً .

وقد كان سموه حريصاً على تنمية السلوك الديمقراطي بين القطريين من خلال تطوير مجلس الشورى الذي رافق إنشاء الدولة منذ حصولها على الاستقلال لذلك أولاه صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة اهتماما بالغا من خلال تطوير تجربته مجلس الشورى القطري وتوسيع اختصاصاته ، وتعميق مناقشاته ومشاوراته ويقول سموه في هذا المجال : (إنني لعلى ثقة من ان ما أرساه مجلس الشورى من تقاليد في ممارسة مهامه طوال السنوات الماضية ، وما اكتسبه من خبرات كبيرة متنوعة ، يضع الأساس الصلب لمجلس نيابي منتخب ، لن يبدأ من فراغ ، أو يتلمس طريقه بين أحكام الدستور الدائم ، بل سيجد في تلك التقاليد والمكتسبات العون والسند الذي يجنبه العثرات وينير له الطريق لتحقيق ما نعقده عليه من آمال )) .

وبفضل قيادة سموه ، خطت قطر خطوات واسعة نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي وتمثلت في تجديد دماء حركة العمل الوطني بدفع الكوادر الشابة إلى مواقع متقدمة واستثماره هذه الطاقات في خدمة البلاد . لقد وضعت قطر إيضاءات على مسيرتها الواعدة حيث استهدفت تحديد المسؤوليات وتأكيد دور المؤسسات في الدولة ، فصدرت قرارات أميرية مهمة تقتضي بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي المؤقت للحكم في البلاد لصالح تبنى قطر نهجاً يقوم على توسيع نظام المشاركة الشعبية ، وجرى إلغاء وزارة الإعلام لإعطاء الفرصة لوسائل الإعلام المختلفة الأخرى لأن تقدم الرأي والرأي الآخر . 

وأيماناً من سموه بأن لهذه النهضة أسسا وقواعد تبدأ بترتيب البيت من الداخل وتوفير البيئة التشريعية والسياسية التي تحقق أهدافها الوطنية فقد أجريت تعديلات تشريعية تناولت بعض إحكام النظام الأساسي المؤقت المعدل ، فيما يخص السلطة التنفيذية ، وذلك استكمالاً  للأوضاع الدستورية ، كما كان إصدار قانون السلطة القضائية وغيره من القوانين الأساسية التي تنظم المعاملات المدنية والتجارية ، خطوة على طريق استكمال بناء أجهزة الدولة وإرساء أسس دولة المؤسسات والقانون . وتحقيقاً لهذا الغرض صدر القرار الأميري الخاص بتشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم للبلاد في يوليو من عام (1999) م ليتلاءم مع ما حققته دولة قطر من إنجازات ، وليلبي التطلعات والآمال المعقودة على أبواب القرن الحادي والعشرين . كما أصدر قرار مجلس الوزراء في أواخر يونيو عام (1999) م القاضي بإنشاء لجنة وزارية عليا عهد إليها بدراسة تخطيط النمو الاقتصادي والصناعي للبلاد في المستقبل في ضوء التوجهات العالمية . وفي ديسمبر عام (1999) م ، أصدر سموه قراراً أميرياً بإنشاء اللجنة العليا للتنسيق والمتابعة التي شكلت برئاسة سمو ولي العهد وتختص بدراسة المشروعات التي تقترحها الوزارات المعنية بالمرافق والخدمات العامة ، كما تبحث اللجنة العليا في سبل التنسيق بين هذه الوزارات بما يكفل تحقيق التعاون وتنفيذ المشروعات على أكمل وجه . لقد عبر صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة عن هذه الإنجازات التشريعية ، بالقول إن قطر (( تخوض غمار تجربة ديمقراطية نعمل بكل جهد وتفان لإرساء قواعدها)) . وأضاف أن على قطر أن ((تنتمي بفاعلية إلى العصر الذي نعيش فيه وهذا ما لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ترسيخ دعائم دولة القانون والمؤسسات واحترام الآراء مادامت تنشد المصلحة العليا للوطن .

إن ما يعزز الثقة بالنفس في هذا النهج هو نجاح دولة قطر في إعداد مشروع متكامل لتنظيم المجلس البلدي المركزي ، وما تبعه من إجراء انتخابات بلدية عن طريق الاقتراع الحر المباشر في عام (2001) م لاختيار أعضاء المجلس هي الأولى من نوعها في تاريخ دولة قطر لترسيخ نهجها لتوسيع قواعد الممارسة الديمقراطية بمفهومها المدني . واعتبرت خطوة رائدة شجعت النساء على ترشيح أنفسهن وعلى المشاركة في التصويت وكانت هذه أول فرصة لهن للمشاركة الشعبية في عملية اتخاذ القرار في البلاد ، وتمت دعوة قرابة (35) شخصية برلمانية عربية وأجنبية ، جاءت للاطلاع على سير أول عملية انتخابية تجرى في قطر . ولم يستبعد سموه في هذا الصدد أن تؤدي التجربة في نهاية المطاف إلى ما هو أبعد من ذلك في إطار شامل لتوسيع دوائر المشاركة الديمقراطية . وقد رسخته تلك العملية من قناعة بمدى نضج الإنسان القطري وحرصه على تحمل المسؤولية بكل استحقاق وجدارة .

وفي التاسع والعشرين من شهر ابريل عام (2003) م كان القطريون على موعد للانتقال إلى حقبة جديدة يحلقون فيها في أجواء من الحرية ومعطيات العصر ومناخ وبيئة وثقافة الديمقراطية ، لقد أوجد الدستور الجديد الذي تم لاستفتاء عليه في هذا اليوم مناخا يتواءم مع متطلبات هذه المرحلة الجيد ومسؤولياتها ويتسع لكل أنواع التعبير ويكون فيه الشعب مصدر السلطات والتشريع يتولاه مجلس تشريعي منتخب ، ضمن عالم الحريات والانفتاح الحضاري على عالم الديمقراطية واخذ على عاتقه الاستجابة والتطورات الحاصلة على صعيد قطر داخلياً وعلى مستوى محيطها الإقليمي والدولي بإعطاء مساحة وأسع للتعددية وللفعل الديمقراطي ، وهو الشيء الذي جعله يحظى بإجماع وطني غير مسبق .

إن نظرة التغيير الشامل التي تبنى وترسخ على أرض قطر ، تعني بالأساس التوغل في عمق اهتمام فئات الشعب وتفعيل مكامن الإبداع الخلاق وفق مسعى تجميعي تتكامل فيه وحدات المجتمع وتتفاعل مع بعضها البعض في إطار من الثوابت والضوابط التي تواجه السلوك في مسارات تغني الحركة الإيجابية ولا تبعثر الجهود .

ففي كل هذه المساعي والجهود ظل حرص سموه شديداً وثابتاً للحفاظ على التوازن الدقيق بين الأولويات الاقتصادية ، والمرتكزات الأساسية ، والاختيارات الاجتماعية على أساس الخصوصية الثقافية والهوية الدينية للمجتمع القطري .

لقد أدرك الشعب القطري مصداقية التوجهات الديمقراطية نهجا وفعلا من خلال رؤية وطنية خالصة بفضل جهود وتوجيهات سموه ، الذي أدرك ضرورة النهج الديمقراطي في السياسة الداخلية و الخارجية فباتت الديمقراطية تجسد الخيار الذي لا رجوع عنه للمضي  نحو تحقيق التقدم والعدالة والوئام الاجتماعي . وهو ما يضع الأسس واللبنات المتينة لمستقبل قطر بمشاركة جميع أبنائها نحو تعزيز هذا النهج وتأكيد المشاركة الشعبية وتحمل المسؤولية في قيام دولة المؤسسات والقانون .

لقد أراد سمو الشيخ حمد لقطر أن تساير حركة التاريخ وتحث خطاها مع التقدم الفكري والتكنولوجي المتزايد في هذا الزمن المعولم ، واختار طريق التجديد والتحديث في المجتمع كما في المؤسسات السياسية وفي كل شيء ، وهو في كل هذا ينطلق من ان الحداثة لا تعني إلغاء الذات والهوية وطمر التاريخ ، وإنما يؤكد على أنها سير باتجاه المستقبل وانفتاح على الآخر وثقافته مع التمسك بالموروث الديني والحضاري للشعب القطري وبقيمه الأصلية وبمقومات السيادة الوطنية .

تنمية الاقتصادية عند الشيخ حمد بن خليفة

تعتبر التنمية الاقتصادية في قطر جزء من حياة البلاد السياسة وتاريخها ووجودها فقد كان النشاط الاقتصادي عاملاً محفزاً لارتباط القطري بالبحر والصحراء من أجل عيشه وتجارته وفي الانفتاح على الدول المجاوزة . 

وقد كان الاقتصاد القطري حتى الأربعينيات من القرن الماضي اقتصادا تقليديا يقوم على بعض النشاطات المحدودة كالزراعة والرعي وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ وكان المجتمع بدويا يسعى إلى توفير قوته بوسائله التقليدية وقد دفعت ظروف القحط والجفاف بالإضافة إلى كساد نشاط استخراج اللؤلؤ ببعض السكان إلى الهجرة .  

وتعتبر لحظة تدفق النفط على أرض قطر لحظة فارقة بين زمنين بوابة عبر من خلالها المجتمع القطري من مرحلة الكفاح من أجل العيش إلى مرحلة الكفاح من أجل التقدم والرقي أمام تحديات داخلية وإقليمية ودولية أكبر من المرحلة السابقة فالتحدي الأول لأي دولة هو أن تكون في مستوى المجابهة والمنافسة والتكيف السريع مع أبعاد الثورة التقنية التي تشق طريقها في عالم اليوم . وفي هذه الصورة ، نجد أن الجهود الجبارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ حمد ساهمت بفعالية في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة التي أثمرت تنوعاً إنتاجياً وخدمياً انعكس على مستوى الرفاهية والاجتماعية ودخول الأفراد .

فمسيرة  الاقتصاد القطري كما يرى صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة تستهدف الفرد والإنسان والمواطن أكثر من أي شيء أخر لأنه هو المحرك الحقيقي للاقتصاد المورد الدائم للدولة وهو ما يتجلى في المشهد القطري العام ليس فقط على مستوى   صورة النشاط الاقتصادي وإنما أيضا على الصعيد الاجتماعي حيث لمس المواطنون في واقعهم تحولاً ايجابياً عكس عدالة في الاهتمام وتوزيع الدخل والاستجابة لاحتياجات الشعب فالواقع أن قوة أي اقتصاد وطني تصبح بلا جدوى إذا اكتفت بترقب المؤشرات ومعدلات النمو على حساب الواقع والتنمية الاجتماعية .

وفي الموازاة مع الإصلاحات السياسية كان الاقتصاد يحظى بالأولوية في اهتمامات صاحب السمو الشيخ حمد الذي أكد في العديد من المناسبات أن أي إصلاح سياسي يبقى واهنا وغير مكتمل إذا لم يكن مرفقا بإصلاحات اقتصادية شاملة . وينطلق سموه في هذا الطرح رؤية إستراتيجية ثاقبة تعتبر أن الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية هما توأمان لا ينفصلان بل إنهما الوسيلة التي لا غنى عنها للمضي قدماً في مسيرة التطور والازدهار .

فالتنمية الشاملة تتطلب مناخا اقتصادياً إيجابياً ومستقراً يشارك فيه القطريون في بناء دولتهم . فقد خطت دولة قطر خطوات واسعة نحو التنمية الاقتصادية ، لما فيه الرفاه الاجتماعي والسير في بناء الدولة على ركائز صحيحة ومتينة وفق أحدث ما توصل إليه الفكر الإنساني في المدينة الاقتصاد .

وتتمحور إستراتيجية التنمية في فكر سموه على محاور ثلاثة هي بناء الإنسان القادر على التعامل مع متطلبات عصره وبناء مؤسسات الدولة القادرة على تحقيق التنمية وقيادة التقدم ، وبناء الاقتصاد الوطني الذي أصبح هو العمود الفقري في قوة الدولة الحديثة ورخائها .

وعلى هذا النهج ، شهد الاقتصاد القطري حركة إصلاحات واسعة مست العديد من القطاعات بغية تهيئة مناخ ملائم يتناسب والتطلعات الجديدة وكذلك يستجيب للتحديات العديدة التي باتت تفرضها العولمة وإيقاع التحول والتطور الذي تفرضه ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال ولم تتوقف قطر لتتفرج عن التحولات الجارية حولها أو تنتظر عاملاً خارجياً يقحمها في لجة التغييرات الإقليمية والدولية ، بل تمكنت بفعل برامج التنمية الطموحة التي جرى تنفيذها بحكمة وإصرار من خلق مصادر إنتاجية إضافية ، ووضعت الخطط والدراسات لتوظيف عائدات النفط والغاز الطبيعي في مشروعات ذات مردود اقتصادي لإرساء قاعدة صناعية واقتصادية صلبة تقوم على الصناعات البترولية المتنوعة بهدف تنويع مصادر الدخل .

فقد أصدر صاحب السمو أمير دولة قطر في السادس من يناير سنة (1998) م قراراً أميرياً بإنشاء مجلس التخطيط ، كما تم في 26 أكتوبر سنة (1997) م افتتاح بنك جديد لتمويل المشروعات الصناعية هو بنك قطر للتنمية الصناعية ، وأيضاً إنشاء المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار ، والذي يعكس حرص سموه على تدعيم وتفعيل عملية التنمية الاقتصادية بهدف تنويع القاعدة الإنتاجية مع ضرورة مواكبة المستجدات العالمية والاستفادة من الفرصة المتاحة . 

ويعد استغلال البترول والغاز الطبيعي والصناعات التحويلية والتكميلية المتعلقة بها العماد الرئيسي للاقتصاد القطري فتوظيف عائدات النفط والغاز في مشروعات ذات مردود اقتصادي وقيام قاعدة صناعية صلبة تبني سياسات جديدة في مجال تحرير الاقتصاد والتجارة بغرض تدعيم وتوسيع مشاركة الاستثمارات الأجنبية وتقديم الحوافز التشجيعية للقطاع الخاص وتعزيز مشاركته في المشروعات الصناعية المتوسطة والصغيرة ، إلى جانب تنفيذ سياسات ترشيد الإنفاق العام وزيادة مصادر الإيرادات غير النفطية من أهم أولويات السياسة الاقتصادية عند صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة . 

ويعد برنامج الخصخصة هو البعد الآخر لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني وفي المشاريع الحكومية القائمة . أن الهدف من هذه الإستراتيجية حسب سموه ، هو تنويع مصادر الدخل وإيجاد اقتصاد قوي ومتوازن ، ليكون قادراً على تحويل معدلات النمو الاقتصادي إلى معدلات مستدامة تتأثر بشكل أقل من السابق بتقلبات أسعار النفط العالمية .

وبناء على الإستراتيجية المعتمدة على خطة للاستثمار في الموارد الرئيسية وهي النفط والغاز ، تم تنفيذ عدد كبير من المشاريع الضخمة في مجلات النفط والغاز والبتروكيماويات التي تمكنت منتجاتها من دخول الأسواق العالمية بكل نجاح وأستطاع المخطط الاقتصادي في قطر من زيادة حجم هذه الاستثمارات مع التركيز على الصناعات اللاحقة من أجل زيادة التكامل الاقتصادي المحلي وكذلك على التقنيات الجديدة والتي تعطينا فرصاً متنوعة في استغلال وتصدير الغاز الثروة الطبيعية الأولى .

وتواصل الحكومة جهودها في تنفيذ خططها الرامية لتطوير حقول النفط وتطوير قطاع الغاز ، الذي احتياطاته بحوالي (380) تريليون قدم مكعب ويتجاوز احتياطه الإجمالي (500) تريليون قدم مكعب ويتركز في مكمن واحد ضخم هو حقل غاز الشمال الذي يعتبر أكبر مكمن للغاز غير المصاحب في العلم وتخطط قطر لتكون من أكبر  المصدرين للغاز في العالم ، بعد افتتاح منشآت مشروع  شركة رأس لفان للغاز الطبيعي المحدودة وإنجاز مشروع شركة قطر للغاز المسال ، بالإضافة إلى بناء ميناء رأس لفان الذي يعتبر أكبر ميناء لتصدير الغاز الطبيعي في العالم ، والاستثمار في البنية التحتية وناقلات الغاز العملاقة ، وهي لبنات جديدة أضيفت إلى النهضة الاقتصادية كما تسعى قطر جادة لتسويق منتجات قطاع الغاز ، ونتج عن ذلك إبرام عقود طويلة الأجل يتم بموجبها تصدير كميات كبيرة من تلك المنتجات خاصة نحو منطقة شرق وجنوب شرق آسيا .

ومن أجل مزيد من التكامل الاقتصادي بين دول الخليج العربي في المشروعات الكبرى ، تم التوقيع على اتفاقية مشروع دولفين بين دولة الإمارات وقطر في 23 ديسمبر (2001)م وسيتم توسيع المشروع في وقت لاحق لتزويد سلطنة عمان وباكستان . ويعتبر هذا المشروع من أضخم المشاريع في مجال الطاقة في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط ، ويرتكز بالأساس على إمداد الأسواق في داخل الإمارات وخارجها بالغاز الطبيعي القطري ومشاركة في الإنتاج لمدة (25) عاماً مما يعزز مسيرة التنمية الاقتصادية في البلدين كما يوصف بأنه أكبر مشروع خليجي اقتصادي مشترك تتوصل إليه دولتان من دول مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه وتأتي أهميته في كونه نموذجا يحتذي به لمشاريع الشراكة الكبرى بين دول مجلس التعاون ، وتدشن عهدا جديداً من التكامل الاقتصادي الذي يساهم في استغلال الأكفأ للموارد المتاحة بأقل التكاليف وبأعلى العوائد ، ويشجع على إقامة روابط اقتصادية أوثق بين دول المجلس نحو تبادل المصالح والاستفادة المثلى من الموارد المتاحة .

ويتجاوز البعد الاقتصادي لدى صاحب السمو الشيخ حمد القيمة الوطنية إلى القيمة العربية والإقليمية إيماناً منه بأن قطر جزء طبيعي من نسيجها الجغرافي  والتاريخي ، إن تقدم الدولة رهناً بهذه المنظومة الطبيعية التي حمل سموه على عاتقه المساهمة الفاعلة في تنميتها ، وقدم لذلك المساعدات التنموية والمالية للغاز لإنجاز المشروعات والاستثمارات في الأقطار العربية .

إن هذا يجلي حقيقة تعامل سموه مع موضوع العولمة والنظام الاقتصادي العالمي الذي رأى فيه كثيرون طوفاناً سيجرف الاقتصاديات الوطنية والناشئة ومنطلقه كان وما يزال ينادي بعدالة اقتصادية دولية تحفظ للدول النامية حقوقها ومواردها ومن دون أن يغفل ما للتخطيط والتطوير والانفتاح من دور في تجسيد تنافسية عالية للاقتصاد الوطني ، تجعله ينسجم مع العولمة ويستفيد من خصائصها دون ان يتأثر بمخاطرها . وهو ما يدعو الجميع إلى إدارة العولمة بالطريقة المثلى التي تحقق الغاية التي بدأت أصلاً من أجلها ، كما يراها سموه ، وهي تقريب الشعوب وإزالة الفجوات القائمة بينها . ولن يتأتى ذلك إلا بإعادة الاعتبار للقيم النبيلة والأخلاقيات الإنسانية السامية والاعتراف بدورها الهام في تطوير العلاقات الاقتصادية الدولية ، وبناء نظام اقتصادي عالمي له طابع إنساني تقتنع به الغالبية وترى ان لها مصلحة حقيقية في الانتساب إليه والذود عنه ، هو ما يمكن أن يكون للإسلام مساهمة إيجابية فيه .

وقد نسجت هذه المعاني في أبعاد التنمية الاقتصادية لصاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة ، حيث دعا سموه في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير – فبراير (2002) م إلى أهمية إعادة التوازن في توزيع الدخل في العالم ، حيث مازال يميل بشكل غير مقبول لصالح الأقلية ، وإن على النظام العالمي الجديد والأقطار الصناعية ان تراعي احتياجات وطموحات الدول النامية وأن تعطي مكانة مميزة للتنمية في هذه الدول ، وتفتح أمامها الأسواق ، وترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف في التعامل معها . 

التنمية الاجتماعية والإنسانية:                                                              

لقد شكل العنصر البشري والمورد الأساسي الذي اعتمدت عليه التنمية في قطر وأولته السياسات المختلفة الرعاية والاهتمام في قطاعات التعليم والصحة والإسكان وتأهيله بما تتطلبه الديناميكية الاقتصادية والاجتماعية ، وعلى هذا الشكل المواطن في إستراتيجية صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وسيلة للتنمية وغايتها في ذات الوقت في سبيل الحرص على تأصيل النهضة الحضارية وتطوير جوانبها الاجتماعية الثقافية والاقتصادية .

وكانت من أهم ملامح المرحلة الجديدة التي دخلتها قطر هي الاهتمام بقطاع الشباب بإعداده الإعداد السليم خلال المراحل التعليمية المختلفة عن طريق تطوير الأساليب التربوية والمناهج الدراسية لتتلاءم مع احتياجات المجتمع وتلبي حاجة البلاد للكوادر المؤهلة علمياً وأخلاقياً ومهنياً ثم بتوفير فرص العمل المنتج للخريجين وإزالة كل ما يمكن ان يتعرض حياتهم العملية من عوائق وعقبات ، إلى جانب اعتماد منهج التخطيط العلمي لتطوير اقتصاد البلاد واستثمار مواردها واستغلال ثرواتها وتشجيع القطاع الخاص الاستفادة القصوى من الخبرات الوطنية والأجنبية وتهيئة المناخ الاقتصادي السليم لجذب الاستثمارات الأجنبية ويقول سموه ((كلنا ندرك ان التعليم والنظام التربوي هو الوسيلة الأولى لتحقيق هدف بناء الإنسان ، كما أن تقدم أي مجتمع يقاس بقدرته على تطوير مؤسساته التعليمية من خلال ما فرضته الحكومة من مجانية للتعليم وإلزاميته وتشجيع الآباء وحضهم على التكامل مع الأسرة التعليمية من أجل الإعداد الجيد للأجيال القادمة ))

وتم إنشاء المجلس الأعلى للتعليم ، يكون هو السلطة العليا المختصة بتطوير التعليم بما يكفل تلبية احتياجات الدولة من الموارد والكفاءات البشرية المتميزة في مختلف المجالات ، ومنح المجلس من الصلاحيات ما يتيح له بمعاونة الهيئات المتخصصة التابعة له ، رسم وتطوير سياسة التعليم وربطها برؤى وأهداف وخطط التعليم في إطار السياسة العامة لقطر ، بما لا يتنافى مع تراث الأمة الإسلامية وشخصيتها المحافظة ، وتطوير المكتسبات الثقافية وتنمية الإنتاج الفكري وإثرائه والحفاظ على الموروث القومي من التراث والآثار . وذلك لإطلاق طاقات الإبداع ، وبناء جسور واضحة بين النظم التعليمية والمختلفة واعتماد معايير دولية في تقييم مخرجات منظومتنا التعليمية .

ومن هنا ، سعى سموه جاهداً إلى تكثيف رعاية الشباب وفتح أبواب المعرفة والعلم امامهم ليغترفوا من العلوم ، وتأهيلهم لتحمل أعباء مسؤوليتهم في المستقبل ، وهو يريد لهم في هذا أن يكتسبوا طاقة فاعلة وواعية تتلاحم مع الوعي والحكمة ودقة التقدير .

إن بناء الإنسان باعتباره اللبنة الأولى في المجتمع وركيزة كل تقدم وتنمية ، لا يحقق النتيجة المرجوة بإتاحة أفضل سبل التعليم فحسب ، فالإبداع والتفوق لا بد لهما من مناخ إيجابي يقوم على حرية التعبير المسؤول ، والإحساس بالانتماء الذي لا يتحقق إلا بالمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار ، يرى صاحب السمو الشيخ حمد انه قد أصبح من الضروري اقتحام اهتمامات العصر ووسائله بالاستعانة بالخبرات العالمية التي تقتصر عنها الإمكانيات الذاتية وفي هذا الإطار فقد بدأت قطر باتخاذ الخطوات الضرورية ، لتوطين علوم العصر ومعارفه ومؤسساته .

وفي هذا يقول سموه (( لقد أعطانا التاريخ من العبر والدروس ما يبرهن على ان الشعوب التي تسلحت بالعلم ، وتحصنت بالمعرفة ، كرست الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ، هي التي واجهت التحديات وتخطت الصعاب وشيدت مجتمعاً اتخذ من الحرية المسؤولة منهاجاً في بناء ذاته ودعم مؤسساته .

ويكون الاستثمار في الإنسان بهذا المعنى هو أهم وأصعب أنواع الاستثمار ويحتاج إلى تضافر وجهود وقطاعات وعديدة لبلوغ تحريك قوى الإنسان وطاقته الكامنة ، حيث يشكل كل عنصر بشري في منظومة التنمية الاجتماعية نقطة محورية تصب فيها كل سياسات الدولة إلى الحد الذي يمكنه من المشاركة في عملية التنمية وإنتاج المعرفة وتحمل المسؤولية داخل وطنه وخارجه ، خصوصاً إذا كانت هذه الدولة ذات عدد محدود من السكان ولها طموحات وقدرات متزايدة .

إن أهم الإنجازات التي تحققت لصالح الشعب القطري وأسهمت بدفع مستوياته الثقافية والحضارية يمكن تلمسها على أرض الواقع من خلال التسهيلات الفريدة المقدمة من خدمات التعليم والرعاية الصحية وفي تأمين الضمان الاجتماعي والمسكن الصحي ومرافق الكهرباء والمياه وإتاحتها بصورة مجانية راقية لكافة المواطنين .

وفي إطار رعاية النهضة الرياضية المدنية والعسكرية في قطر انشأ سموه أول اتحاد رياضي عسكري ، حيث حصل على عضوية الاتحاد الرياضي العسكري الدولي .  وقد حرص سموه على دعم قطاع الشباب والرياضة وإيماناً منه بأهمية الدور الذي يسهم به هذا القطاع الحيوي في بناء وتنمية المجتمع من خلال المجلس الأعلى لرعاية الشباب والأندية والأجهزة الرياضية المختلفة من خلال ترؤسه له في الفترة من عام (1979) م وحتى عام (1991) م حين أنشئت الهيئة العامة للشباب والرياضة وتم تعيين رئيس متفرغ لها .

سياسة سموه الخارجية :

تتجلى إسهامات صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واضحة من خلال إدارته الحكيمة والمدركة لملامح العصر ومقومات التعاطي مع المجتمع الدولي حيث تعمل قطر على إنشاء دعائم راسخة في مقدمتها السعي إلى تحقيق الآمن والاستقرار والسلام في العالم والاعتراف بمبادئ الأمم المتحدة الهادفة إلى تدعيم حق الشعوب في تقرير مصيرها . 

وقد اتسقت دبلوماسية قطر ضمن حضورها العربي والإقليمي مع مبادئ التضامن والعدالة والحق ، وهو ما أهلها للعب دور مؤثر بين الدول وفق رؤية سياسية تنتهج الوضوح والواقعية ودقة التقييم والتوازن السياسي وتنتهج قطر مجموعة من المبادئ الأساسية التي تراها مرتكزا لقضايا السلم والأمن الدوليين في منطقة الشرق الأوسط والعالم كله وعلى رأسها الالتزام بحقوق السيادة والدولة ، وعد التدخل في الشؤون الداخلية ، وتجنب سياسة المحاور ، إلى جانب الالتزام بقواعد الشرعية الدولية ، ومواكبة المستجدات والتطورات العالمية أو التكيف معها ، في إطار تبني فلسفة ( الدبلوماسية الوقائية ) مع تقبل تبعات الإسهام في تحقيق السلام ورفض الاحتكام إلى القوة في فض المنازعات والعمل على حلها بالوسائل السليمة كالحوار والتحكيم واللجوء إلى القضاء الدولي .

إن الاحتكام إلى هذه المبادئ في دفع مسار السياسة الخارجية القطرية في مختلف المناحي إنما يؤكد على قيمة التضامن والتلاحم بين قطر ومحيطها الخليجي  والعربي على نحو خاص وبين قطر ودول العالم أجمع بصورة عامة ، بما تتميز به من رؤية إستراتيجية لا تعوزها الجرأة والأصالة والموضوعية والشمولية . وفي هذا يقول سموه (( لقد حرصنا دائما في سياستنا الخارجية على الالتزام بقواعد الشرعية الدولية ، وضرورة حل المنازعات الدولية بالطرق السليمة ، والعمل على توفير سبل الأمن والاستقرار لمنطقتنا لما فيه خير دولنا وشعوبنا كافة )) ويضيف سموه في موضع أخر (( لهذا فإننا في قطر نتمسك بنهج واضح وثابت ففي ظل احترام استقلالنا السياسي وسيادتنا الوطنية ومصالحنا الحيوية نسعى دائما إلى توثيق علاقتنا بالدول كافة وخاصة تلك التي تلتقي معنا على هذه المبادئ وتشاركنا هذه الأسس التي تمثل أولويات سياستنا الخارجية ومرتكزات علاقتنا مع الأشقاء والجيران والأصدقاء .

وهذه الصورة التي تحظى بها قطر في المجتمع الدولي ، إنما تعكس مواقف سموه المنطقة من مبادئ العدالة والحوار بين الثقافات التي تزخر بها الشعوب والأمم بما يلامس إرهاصات ثقافة عالمية كونية تحترم وتقدر تراث البشرية فهذا الاتجاه التعاوني المنفتح أصبغ على قطر دورا نشطا سواء ضمن  المجموعة الدولية او عبر اضطلاعها بمسؤلياتها القومية أو في إطار تشييد التواصل الحر مع مختلف دول العالم وشعوبها وقد جسدت هذه المبادئ في علاقات الأخوة والتعاون مع الدول العربية والإسلامية والتي انطلقت من المصير والمصالح المشتركة لتطور تكاملا اقتصاديا وثقافياً فقد كانت قطر دائماً في قلب أحداث المنطقة وشريكاً كاملاً في قضايا أمتيها العربية والإسلامية ، ولم تكن أبداً بمنأى عن الإحداث والتطورات العالمية .

على صعيد التعاون الخليجي : 

آمنت قطر بمبدأ وحدة دول الخليج العربية ، وعملت على تجسيدها على المستوى العملي ويتأسس تركيز سموه على تطوير العمل الخليجي على حقائق عدة تضمها وحدة العرق والعقيدة واللغة والتاريخ واتحاد الأقاليم وحرمة الجوار والقيم العربية وتشابه الملامح النفسية والاجتماعية والاقتصادية لشعوبها كما أن منطقة الخليج تقع في بقعة مهمة وحساسة تتطلب التعاطي مع المتغيرات والتهديدات بوحدة وصلابة .

وتحرص قطر على المشاركة الفاعلة في القضايا والتحديات التي تواجه المنطقة الخليجية وتولي أهمية كبيرة لدعم مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية والتنسيق في مجالات التعاون السياسي والتنسيق العسكري والدفاعي والتكامل الاقتصادي . وقد كان لقطر دورها البارز والرائد في تأسيس المجلس في الخامس والعشرين من مايو (1981) م ، ومنذ ذلك الحين سعى المجلس بجهود أعضائه لخدمة مصالح دول المنطقة وتحقيق وأهدافها في الاستقرار والنهضة والتنمية الشاملة .

تعتبر قطر أن تعزيز الانتماء العضوي إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتعميق أواصر الأخوة والتكامل مع الأشقاء في هذه الدول والحرص على تحقيق أهداف مسيرته في مقدمة هذه الأولويات والثوابت .

فقد أسهمت قطر في اللجنة الثلاثية الخليجية المكلفة بإيجاد آلية لحل الخلاف بين إيران والإمارات في شأن الجزر الإماراتية وتهيئة الأجواء للدخول في مفاوضات مباشرة بين الأخوة في دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية مما سيحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة ويعزز علاقات الثقة والتعاون بين دولها وشعوبها كما تبلور هذا الدور إبان زيارة أمير قطر لإيران صيف (2000) م حيث كانت قضية الجزر على جدول أعمال القمة القطرية الإيرانية .

مما يؤمن به سموه مثل إخوانه قادة دول مجلس التعاون الخليجي ، بأن هذا المجلس هو الصيغة الملائمة والإطار الصحيح الذي يمكن للدول وللمجتمعات الخليجية أن تعمل من خلاله لتعزيز أمنها واستقرارها وتحقيق طموحات وتطلعات شعوبها . وهو ما يتطلب توحيد الجهود والاتفاق على السياسات المشتركة اللازمة بما يضمن تطور العمل الخليجي المشترك ، وفي هذا يقول سموه (( إننا نرى أن الوقت قد حان لتوسيع مجالات عمل مجلس التعاون الخليجي وتطوير أداء مؤسساته في إطار حوار بناء يهدف إلى الوصول بالمجلس إلى ما نعقده وتعقده عليه شعوبنا من آمال تتمثل في الارتقاء بالتعاون إلى مستوى التكامل ، لا سيما في المجالات الحيوية التي تنعكس آثارها بشكل مباشر على مصالح المواطنين ومعيشتهم ليجني المواطن في كل دولة من دول المجلس ثمار وفوائد التعاون المشترك الذي سيصبح بالنسبة له حقيقة يومية وحياتية لا غنى عنها .

ولعل ما يشغل بال سموه في إطار الزمن الذي طوت زواياه العولمة والثورة الرقمية هو بناء شخصية الإنسان الخليجي كي يتمكن من استيفاء متطلبات العرض الحديث والمساهمة في تطوير قواعده وقيمة وعولمة وتقنياته وهذا يتطلب التركيز على التفوق العلمي والتكنولوجي والقدر على حل المشكلات المعقدة والتعامل بمرونة مع مجريات هذا العصر مع المحافظة على هويتنا العربية والإسلامية والتمسك بقيم العدالة والتسامح والتعاون .

ومن واقع الحرص الشديد على تثبيت الأمن والاستقرار في المنطقة ، وحفاظاً على علاقات الصداقة والتعاون التاريخية التي تربط بين شعوبها ، فإن سموه يكرر دائماً دعوته لحل جميع الخلافات بين دول هذه المنطقة مهما كانت طبيعتها ، عن طريق الحوار ومن خلال التمسك بمنطق العقل والوسائل السياسية والسلمية ، بما في ذلك اللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي إذا ما استدعت الحاجة لذلك وهذا من شأنه أن يكرس الثقة والاحترام المتبادل وحسن الجوار في هذه المنطقة الحيوية من العالم . ولم تكن هذه مجرد معان نظرية عند سموه ، وإنما واقع علمي انتهجه مع مسالة الخلاف الحدودي بين قطر والبحرين والذي عرض للتسوية القضائية في محكمة العدل الدولية ، وهنا سموه شعب البلدين بقرار إنهاء هذا الخلاف في 16 مارس (2001) وقال في هذا الموضوع (( وإنني إذ أتوجه بخالص التهنئة إلى الشعبين القطري والبحريني لانتهاء الخلاف بين الدولتين لأمد إلى سمو أخي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أمير دولة البحرين الشقيقة يدا كما كانت ملؤها الأخوة والمودة لنطوي معا تلك الصفحة ولنبدأ صفحة جديدة يشارك فيها الشعبان الشقيقان في تعميق وتنظيم علاقاتنا المستقبلية والتي يتفاعل فيها البلدان لما فيها مصلحتهما وخيرها المشترك )).

القضايا العربية :

ينص النظام الأساسي المؤقت المعدل للحكم لعام (1972) م على أن قطر دولة عربية مستقلة ذات سيادة وشعبها جزء من الأمة العربية وتؤمن قطر بأن اتحاد الدول العربية في المنطقة هو ضرورة مصيرية ، تحتمها المصالح العربية العليا المشترك ، وتكرس لذلك جهودها لتحقيق هذا الاتحاد .

كما تتوجه عنايتها إلى إرساء الأسس الصالحة لترسيخ دعائم الديمقراطية ويؤكد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بأن مبدأ الأخوة والدم والتاريخ والمصير المشترك ، وما يحتضنه من آمال وطموحات كل ذلك يوجه الانتماء القطري إلى البعد العربي وهي دائرة الانتماء القومي .

وبفضل توجيهات سموه تلعب قطر دورا متميزا داخل إطار انتمائها العربي سواء على صعيد العلاقات الثنائية مع غيرها من الدول العربية ، أو من خلال وقوفها الفعلي الداعم للقضايا العربية المصيرية والرامي إلى بلورة التضامن العربي ، فقد رحبت قطر بالجهود المبذولة عن طريق جامعة الدول العربية لتنقية الأجواء العربية وتحقيق المصالحة وإعادة التضامن العربي على أسس واقعية تتسم بالصراحة والموضوعية وفي هذا يقول سموه (( إن أمتنا العربية تمر اليوم ، وللأسف الشديد ، بمرحلة صعبة تواجه فيها تحديات مصيرية وعوضا عما نشهده من تفرق وتفكك وتشتت في الموارد والطاقات ، فإن الأحرى بناء أن نركز جهودنا من أجل تحقيق التكاتف والتضامن لمواجهة هذه المرحلة ومصاعبها وللتوصل إلى صياغة الأسس والثوابت التي لا بد منها لرسم إستراتيجية عربية شاملة وموحدة تقوم على ركيزة المصالح والأهداف المشترك التي تفرضها وتتطلبها مهمة التصدي لتلك التحديات إن هذا المسعى النبيل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال جهد دؤوب وصادق نساهم به جميعاً وعلى أساس من المصارحة والمكاشفة المطلوبة والضرورية )) .

وفي هذا السياق يقدم سموه توليفة علاجية للخروج من هذه الحالة العربية الوقتية وإعادة التضامن للصف العربي ومعالجة الأزمات والصعوبات التي تواجهها وإعدادها لدخول القرن الجديد بثقة وفاعلية وهذه المتطلبات التي باتت الحاجة العربية ملحة إليها ، يأتي على رأسها ، تحقيق التطور والتقدم للمجتمعات العربية ودراسة الأوضاع الاقتصادية وسبل تنميتها وتطوير خطط التربية والتعليم للجيل الناشئ وتعزيز دور المؤسسات  الدستورية التي تتم من خلالها المشاركة الشعبية البناءة والمسؤولة بحيث تصبح هذه المشاركة أساس بناء القرار وصناعته والإشراف على حسن تنفيذه بما يمكننا من الوصول إلى ما نصبو إليه من تطور اقتصادي واجتماعي للعالم العربي ورخاء وازدهار للشعوب العربية .

وقد حرص سموه على تقوية علاقات قطر وروابطها السياسية والاقتصادية مع الدول العربية وفي إطار ذلك قام بالعديد من الزيارات الرسمية لمختلف الدول العربية ، كما استقبل رؤساء الدول العربية وكبار المسؤولين فيها وكان تأكيد سموه في ذلك بأن قطر جزء من أمتها العربية ترتبط ارتباطا عضويا ومصيريا بقضايا الوطن العربي وتعد سندا حقيقيا لمطالبة العادلة ، ومن هذا المنطلق تضع التضامن العربي في مقدمة أهدافها .

وقد آزرت قطر ووقفت إلى جانب أشقائها في الدول العربية في جميع قضاياهم ووضعت كافة إمكانياتها في سبيل التضامن وخدمة قضية العرب الأولى حتى يتم إيجاد حل لها واستعادة الحقوق العربية فمن الواضح ان القضية الفلسطينية كان لها حضور مستمر في فكر سموه ولم يفته في أي مناسبة قومية أو دينية تمسها إلا كان في صدارة قادة الدول العربية مطالباً بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ورد العدوان الإسرائيلي بكل الوسائل الممكنة ويقول سموه (( إن أي حديث عن الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة لا يتم إلا بالتوصل إلى تسوية سليمة عادلة ودائمة أساسها تنفيذ قرارات مجلس الأمن ، ذات الصلة والتي تقر جميعها للشعب الفلسطيني استعادة حقوقه الوطنية المشروعة ، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ، على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف وكذلك الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة عام (1967) م فإسرائيل لا يمكنها أن تكون دائماً بمنأى عن قرارات الشرعية الدولية ، وقواعد القانون الدولي )) .

تؤكد قطر على أهمية إنجاح المفاوضات على المسارين السوري واللبناني وصولاً إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة ، إلا أن احتلال الأراضي العربية يجعل السلام الذي تتطلع إليه دول المنطقة وشعوبها بعيد المنال وعلى المجتمع الدولي ان يتحمل مسئولياته في هذا الصدد في إطار ما أصدرته الأمم المتحدة من قرارات .

وفي يونيو (1997) م أخذ صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على عاتقه تحمل نفقات مؤتمر المصالحة بين الفئات والفصائل الصومالية ويعد هذا المؤتمر الأول الذي يعقد داخل الصومال وفي العاشر من نوفمبر (1998) نجحت المبادرة القطرية في تحقيق مصالحة بين كل من السودان وإريتريا اللتين وقعتا على مذكرة التفاهم الأولية لتحسين العلاقات السودانية الإريترية وذلك في ختام اجتماعات كل من وزير العلاقات الخارجية السودانية ووزير الخارجية الإريتري التي استضافتها الدوحة آنذاك .

إن المرحلة الراهنة تستدعي استلهام المستقبل وامتلاك القدرة للتأثير فيه ، دون الالتفات لعثرات الماضي وذكرياته المريرة لبناء عالم جديد يسوده السلام والاستقرار والحرية والمساواة . ولتعميم الاستقرار في المنطقة لذلك دعا سموه إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط وحث المنظومة الدولية على ضرورة التزام إسرائيل بإخضاع كافة منشاتها النووية للوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث إن ذلك أمر أساسي لإقامة سلام شامل وعادل بالمنطقة .

القضايا الإسلامية :

تعمل دولة قطر على تعميق روابط التعاون بينها وبين الشعوب والدول الإسلامية وعلى تقديم كافة أشكال المساعدة والدعم المادي والمعنوي لخدمة القضايا المشتركة للأمة العربية والإسلامية ويري سموه أن الانتماء الحقيقي يكون في العمل من اجل امن وتنمية الدول الإسلامية والسعي من اجل حل مشكلاتها المختلفة باعتبار أن الانتماء إلى العالم الإسلامي هو امتداد طبيعي لدائرة بشرية ومنظومة عقدية كبيرة ومن المنطلق إيمانه بالقيم الإنسانية النبيلة التي يدعو إليها الدين الحنيف وبضرورة العمل من أجل دعمها وترسيخها في المجتمع القطري بادر سمو إلى إنشاء المؤسسات الخيرية الكفيلة بالقيام بما أمكن لتثبيتها في وسط القطريين وجعلها جزء من الحياة اليومية لهم .

وألقى سموه خطاباً جامعاً شاملاً إمام الدورة الخامسة والعشرين لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي في الفترة من 15- 19 مارس عام (1998) م ، ركز فيه على البعد الاقتصادي للتضامن الإسلامي الذي يرى سموه ان على المنظمة أن توليه الأهمية القصوى وان تضعه ضمن نشاطها المتواصل كما حض سموه الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي على الانفتاح نحو ميادين التعاون الاقتصادي والتجاري وتطوير البنى الاقتصادية وتنمية التجارة البينية باعتبار ذلك كله من أقوى العوامل المساهمة في خلق التقارب والترابط وإرساء المصالح المشتركة بين دول المنظمة لما فيه رقيها ورفاهية شعوبها فليس هناك من شك في أن تحقيق الأمن وإحلال السلام وترسيخ الاستقرار في العلاقات بين أقطار الأمة الإسلامية هي الركائز الأساسية التي من شانها أن تفتح أفاق التعاون والتضامن وان تسهم في تعزيز إمكانات التقدم ومجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من جوانب التطور في الألفية الثالثة .

وفي هذا الجانب حظي المسجد الأقصى ومدينة القدس والأرضي الفلسطينية المحتلة باهتمام سموه فاختصها بكثير من الدعم والتأييد . فقد أعربت دولة قطر عن أسفها الشديد لقرار مجلس النواب الأمريكي في يونيو عام (1997) م بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل لما يمثله ذلك من استفزاز لمشاعر الأمتين الإسلامية والعربية وتهديد لعملية السلام في الشرق الأوسط وأنه يتعارض مع قرارات الشرعية الدولية وسياسة الإدارة الأمريكية المعلنة في الشرق الأوسط لأن الموقف الواقعي يكون في الالتزام بمرجعية المفاوضات وفق قرارات الشرعية الدولية والتمسك بالسيادة الإسلامية والفلسطينية على المسجد الأقصى ، وعلى الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة .

وكان قد تم الاتفاق في ابريل عام (1996) م على تشكيل اللجنة القطرية لإنقاذ القدس وتضم في عضويتها شخصيات دينية وثقافية واقتصادية من الجانبين القطري والفلسطيني وتسعى اللجنة إلى تفعيل الأنشطة المختلفة المتعلقة بمدينة القدس لا سيما الجوانب السياسية والاحتياجات المادية وتطوير الاستثمار العربي بالإضافة إلى حماية المقدسات الإسلامية وأعمار المدينة المقدسة كما شاركت قطر بموفدها في مؤتمر الدول المانحة لعملية إقرار السلام في البوسنة في اجتماعات أنقرة في مارس عام (1996) م . وتبذل قطر جهوداً سياسية ومادية بحسب إمكاناتها المتاحة لدعم عملية السلام في هذه المنطقة .

ويؤكد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أهمية تفعيل ومساندة منظمة المؤتمر الإسلامي  ، والعمل من خلالها ، للمساهمة في تنشيط مسيرة التعاون بين الدول الإسلامية وتحقيق المنفعة المشتركة لشعوبها وتعمل قطر على ذلك من خلال اختيارها مقراً لانعقاد الدورة التاسعة لمؤتمر القمة الإسلامية تحت شعار (قمة الدوحة قمة السلام والتنمية ) وهو ما يدل على مكانة قطر في العالم الإسلامي وتفهم الكثيرين لقدرتها على تنظيم هذا التجمع الكبير النابعة من اهتمامها بتعميق روابط التعاون بينها وبين الشعوب والدول الإسلامية وعلى تقديم صنوف المساعدة والدعم المادي والمعنوي لخدمة القضايا المشتركة للأمة الإسلامية خاصة وان المنطقة تشهد تغيرات وتحديات كبيرة تفرضها المتغيرات الدولية حيث تسود مفاهيم العولمة وحركة التبادل التجاري وانفتاح السوق جنباً إلى جنب مع مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير فقد تقرر إرسال وفد من وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي برئاسة سعادة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجية القطري لإجراء ما يلزم من اتصالات مباشرة مع معالي الأمين العام للأمم المتحدة والدول الأعضاء في مجلس الأمن في مقر الأمم المتحدة في نيويورك 27/11/2000م ، وتم خلال الاجتماع التأكيد على ضرورة وقف كافة أشكال العنف والمبادرة بإرسال قوات حماية دولية بشكل فوري والتعجيل بإرسال لجنة تقضي الحقائق التي نص على إنشائها قرار مجلس الأمن رقم (1322) لعام (2000) م لتحديد هوية المسؤولين عن ارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين .

كما دعا سموه إلى تطبيق إستراتيجية ثقافية للعالم الإسلامي تؤكد على الإدارة الجماعية للأمة وسعيها للنهوض من جديد لاستئناف دورها الحضاري والثقافي للتواصل والحوار مع الحضارات الأخرى لأنه بغير ذلك الحوار لن تنعم الإنسانية بالأمن والسلام ، في وقت ظهرت فيه أفكار خاطئة ترى بحتمية الصراع بين الحضارات ونبذ الآخر وعزله ن وذلك للعمل على تصحيح الصور المشوهة والمغلوطة عن الإسلام والمسلمين والثقافة الإسلامية وإنشاء قناة فضائية إسلامية ضمن أولويات العمل الثقافي الإسلامي المشترك باعتبارها أداة ضرورية للمخاطبة والحوار مع الحضارات الأخرى وبحيث تكون متاحة لمختلف الاجتهادات الفكرية والثقافية في الإسلام . بما يساعد على فك الرباط البغيض الذي ينسجه المغرضون بين الإسلام والإرهاب والتعريف السليم بمبادئ الثقافة الإسلامية .

في المجال الدولي :

والمراقب لطبيعة العلاقات التي نسجتها قطر مع الأسرة الدولية يتبين ان سموه حرص على أن تمد جسور المحبة والتعاون مع دول العام جميعها . وأن ترتقي بعلاقاتها هذه إلى ما يخدم المصالح المشتركة ضمن تبادل المنافع الاقتصادية وتقريب وجهات النظر السياسية حول عدد من القضايا الدولية وقد عمل سموه على تجسيد هذه المعاني من خلال الزيارات التي قام بها إلى دول العالم ، إلى جانب تقديم المعونات والمساعدات المالية للعديد من الدول النامية في قارتي آسيا وأفريقيا ، إضافة إلى إسهامها في صناديق التنمية الإقليمية والدولية المختلفة بما يخدم التعاون الدولي على أوسع نطاق .

وتقف قطر دائماً إلى جانب حركات التحرر وتدين كافة أشكال التمييز العنصري في العالم وقد احتضنت أعمال اللجنة العامة للأمن الإقليمي والحد من التسلح في أوائل مايو (1994) م ، وتقديراً لدورها ومساهمتها الإيجابية في جهود السلام فقد قررت مجموعة العمل الخاصة بالأمن الإقليمي وضبط التسلح في الشرق الأوسط  في ديسمبر  عام (1994) م إنشاء مركز أمن إقليمي في قطر لمنع المنازعات .

وقد جرى في مارس عام (1995) م ، انتخاب قطر نائباً لرئيس مؤتمر القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن ، وذلك في إطار تمثيل المجموعات الإقليمية في الأمم المتحدة ، تعبيراً عن تقدير المجتمع الدولي للسياسة التي تنتهجها قطر على الأصعدة الإقليمية والعربية والدولية وفي هذا يقول سموه (( عندما يتم إرساء العلاقات الدولية على أسس العدالة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ، يصبح في مقدورنا تصور قيام مجتمع عالمي جديد ، في إطار متوازن يجمع ولا يفرق ، تسود فيه قيم العدالة والحرية والديمقراطية ويحترم فيه تنوع الحضارات والثقافات وتكافؤ الفرص ، ويشعر الجميع فيه بالمساواة في الحقوق والواجبات ، تحت مظلة القوانين الدولية والقيم الإنسانية )).

إن عالم اليوم كما يراه سموه يقف على مفترق طرق ، يتعين على الجميع أن يتجه إلى بناء عالم جديد يقوم على التكامل والتفاعل ، في زمن العولمه ، وعصر المعلومات والاتصالات والتداخل والتفاعل بين الأمم والشعوب والحضارات ، وعالم كهذا لا يتحمل بل ولا يقبل الإ إن يكون المجتمع مؤهلاً ومزودا بالعلم والمعرفة ، مسلحا بالثقة بالنفس وبالاعتزاز بالحضارة والتراث ، وبالتمسك بالقيم السامية والمثل العليا والخصوصية .

وترفض قطر كافة أشكال ومظاهر والإرهاب مهما كانت دوافعه وأهدافه وصوره ووسائله ، مؤكدة على التفريق بينه وبين كفاح الشعوب وحقها المشروع في الحرية وتقرير المصير وفقاً لقواعد القانون الدولي . كما تعبر قطر في كل المناسبات الإقليمية والدولية عن قلقها البالغ من تصعيد الصراعات والتصفيات العرقية وهضم حقوق الأقليات في بعض دول آسيا وأوروبا الشرقية والبلقان وأفريقيا وغيرها . ترحب بكل الاتفاقيات التي تم التواصل إليها لحل هذه المشاكل ، تساند بدورها الجهود التي تبذلها المنظمات الإقليمية والدولية لإحلال السلام في العديد من الدول والمناطق بما يحقق أمن الشعوب واستقرارها في العالم أجمع ، وامتد خيط دبلوماسيتها مع كل الأطراف والدول المتناقضة ، كما لعبت دور وساطات مهمة وناجحة إلى حد كبير .                    

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية