مقدمة
( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة
وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ).
خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز شخصية تاريخية
، جمعت كل خصال الزعامة ، والقيادة المتمكنة ، حكمة واعتدالا ،
إرادة وشجاعة ، ومواقف صامدة ، في أصعب الضر وف والمحن ، حياة
حافلة بالإنجازات والعطاء ، ووزن وتأثير ، وتجربة ثرية وخصبة
في مجالات العمل الوطني ، والإقليمي ، والدولي ، خدمة لوطنه ،
وأمته العربية والإسلامية ، والإنسانية جمعاء.
خادم الحرمين الشريفين الملك فهد هو أحد أبرز القادة والزعماء
العرب ، الذين يحظون بالاحترام الكبير والاهتمام البالغ
والحضور القوي المميز على الساحة العربية والإسلامية والدولية
، نظرا لما يتمتع به من سياسة حكيمة ومصداقية ومواقف أهلته
لهذه المكانة المرموقة بين ملوك وزعماء العالم .
فالإنجازات الضخمة والتحولات الكبرى التي شهدتها المملكة ، في
الجوانب الاقتصادية ، والزراعية ، والصناعية ، والثقافية ،
والاجتماعية ،تقف من ورائها شخصية الملك فهد فهو باني نهضة
ومجد المملكة قي عصرها الحاضر ، وواضع أسس الدولة الحديثة ،
وصانع المعجزات التعليمية ، وقائد ملاحم التنمية والأعمار ،
وصاحب معجزة استزراع الصحراء ، ورائد أكبر توسعة للحرمين
الشريفين في التاريخ ، فمن صحراء يغيب فيها النظر ، تحولت
المملكة بفضل الله تعالى ثم بحنكة الملك فهد إلى واحدة من أكبر
الدول الاقتصادية في العالم .
وجاءت إنجازات خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ترسيخا للتطور
والبناء، ومواكبة لروح العصر ، من دون أي إخلال للقيم ،
والمبادئ الإسلامية المتأصلة في المجتمع السعودي .
وعلى الصعيد الخليجي ، هو صاحب رؤية استراتيجية في استمرار
مسيرة مجلس التعاون الخليجي ،فهو يؤكد أنه السبيل لمواجهة
التحديات إلا بحشد الطاقات البشرية ، والاقتصادية والسياسية ،
والعسكرية ، لتتألف من مجموعها قوة واحدة ، ذات وزن وتأثير،
تستطيع التصدي لما يحاك ضدها من اعتداءات ، تستهدف زعزعة
استقرار شعوبها .
وفي ساعات محنة احتلال الكويت كان خادم الحرمين الشريفين الملك
فهد صامدا وشامخا كالعهد به ، فهو بطل تحرير الكويت الأول ،
وقد أكد بقراراته الشجاعة التي قادت إلى تحرير الكويت ، أن
المملكة العربية السعودية تعطي كل يوم دليلا جديدا وساطعا ،على
أنها صاحبة الكفة والقرار الراجح ، في السلم والحرب في المنطقة
، وأن أحدا اليوم لا يمكنه أن يضع المنطقة في أجواء التوتر.
وعربيا ما فتئ الملك فهد يبذل الجهد لإنهاء الصراعات العربية ،
فهو رمز إنقاذ وحدة وتضامن العرب ، وقطب السلام ، والمتصدي
الأول لحمل عبء قضية العرب المحورية في فلسطين ، ورجل
المبادرات السلمية ، واسترجاع أراضي وحقوق العرب ، والداعية
للنهوض من الكبوات واستشراف الضوء في آخر النفق في ظل الأزمات
، وهو مهندس اتفاق الطائف ، ومعيد وحدة لبنان ، ومبلسم جراح
العرب .
وعلى الصعيد الإسلامي له دوره ومكانته ، كقيادة مؤثر وفاعلة في
حركة العالم الإسلامي , تأمينا لمصالح الأمة الإسلامية ’ في
وسط تضارب المصالح الدولية , ولولاه لما صمد الشعب البوسني في
وجه حملات التطهير العرقي الصربية , وأصبحت المملكة في عهده من
أكبر المناصرين لقضايا المسلمين , والأقليات المسلمة في العالم
, بتقديم المساعدات الإنسانية , ومساندة المجاهدين في فلسطين ,
وأفغانستان , والصومال , وكان تأكيده كبيرا على تضامن العالم
الإسلامي , وحدة ومصيرا .
وعالميا أضحى للمملكة وزنها وتأثيرها في الأوساط الدولية ,
وغدت المملكة شريكا كاملا في البحث عن السلام, حيث يجري قادة
العالم التشاور معه باستمرار , حول قضايا المنطقة , والقضايا
التي تمس العالم العربي , وظلت المملكة في عهده تتمسك بمبدأ
عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة , ورفض التدخل في
شؤونها , وظل يسعى لأمن واستقرار المنطقة والعالم , ونبذ القوة
في حل النزاعات الدولية .
وبفضل السياسات الاقتصادية للمملكة بقيادة خادم الحرمين
الشريفين الملك فهد , ومؤسسات الإقراض بدون فوائد , وتسهيلات
الاستثمار , والانفتاح الاقتصادي , وحرية تحرك رؤوس الأموال ,
وحسن استغلال الثروات المادية والبشرية , حققت المملكة هذا
الرصيد الضخم الهائل من الإنجازات , وتحققت تطلعات المواطن
السعودي من أمن واستقرار , وعدالة اجتماعية وصحية وتقدم صناعي
وزراعي , ورخاء مستمر , في ظل شريعة إسلامية , تكفل جميع
الحقوق , وتوفر كامل العدالة , هذه وقفات مع قائد مسيرة
التنمية ورجل السلام العالمي الملك فهد بن عبد العزيز .
تمهيد
الكتابة عن سيرة العظماء تبدو ـ في أحسن حالها ـ عصية وعسيرة ,
سيما إن كانت سيرة عظيم مثل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد
بن عبد العزيز . ومن يقف أو يحاول الوقوف على سير العظماء
ينتابه إحساس بالخوف والوجل والرهبة , وذلك رغم لهجة التطلع
إلى إنجازاتهم , ورغم المتعة التي تحدثها مشقة البحث داخل
زواياها وجنباتها للإحاطة بخباياها , أو لاستكناه أسرارها .
وإذا أردنا أن تناول سيرة خادم الحرمين الشرفين الملك فهد
علينا أن نرتاد آفاقها بوعي , وأن نوغل في رحابها برفق حتى
لاييستأثر بنا أفق دون أفق , أو يأسرنا عطاء دون آخر , وسياحة
لطيفة تكسب النفس بهجة وإشراقا , ومهما أوغلنا في هذه السيرة
فلن نسبر غورها , ولن نستشرف مداها , ولا نملك إلا أن نقف
إزاءها بشيء من الإعجاب والمهابة والإجلال .
وما نحاول تقديمه هنا لايعدو أن يكون غضيا من فيض , رشفة من
بحر , نثطة من وابل مطر , قطف من وافر ثمر , بل سطر في موسوعة
ضخمة . ونأمل أن يكون هذا اليسير إضافة جليلة تغري كتاب السير
بمطالعة هذا السجل لعلهم يوفقوا في استكناه جل جوانبه واستنباط
معان جديدة لأسرار عظمة الإنجاز , وذلك من أجل أن يبرزوا
ويقدموا سيرة يستمتع بها الناس على اختلاف أوطانهم ويستهدي بها
الساسة والزعماء والقادة الذين يتطلعون إلى صناعة مجد شعوبهم ,
وإلى إقامة حكم الله وعدالته عي الأرض ليعم الأمن والرخاء
والرفاهية .
إنها سيرة عظيمة لرجل الإنجازات وباني الدولة الحديثة
بإقتصادياتها وتقنياتها المعاصرة وصناعاتها الاستراتيجية , وفق
ذلك بقيمتها السامية وصفاتها الراقية , لاسيما وهي دولة الحق
ومنبع النور الذي عمر أنحاء الدنيا .
الملك فهد بن عبدالعزيز
هو بحق رجل الإنجازات الكبرى , وهو ـ وفق كل المعايير الدولية
ـ شخصية عالمية فذة , إذ استطاع خلال فترة وجيزة ـ لا تتعدى
العقد ونصف العثد من الزمان ـ أن يحدث تحولات اقتصادية
واجتماعية هائلة في بلاده، صحبتها نقلة اعجازية في وسائل
الانتاج وفي أنماط الحياة وأساليب المعيشة، وفي بنية وهيكل
الاتصلات والمواصلات وبجانب ذلك فللملك فهد تأثير نافذ في
النظام السياسي الاسلامي المعاصر، ساهم في ارساء دعائمة،
بمشاركته في صياغة تصوراته والتخطيط لمستقبله.
وتمكن الملك فهد بحنكته ومهارته في القيادة من انتزاع
الاعتراف بالدور السعودي في الشأن الاقليمي، وفي خارطة
التفكير العالمي سياسيا واقصاديا وتجاريا، أصبح للمملكة
وبذلك أصبح للمملكة العربية السعودية وجود أعمق في
المحافل الدولية وفي صناعة القرار العالمي، أو- على الآقل_
يجري التشاور معها في مسائل كبرى وذات ولها تداعياتها في
نسيج العلاقات والمصالح الدولية. وشكلت المملكة بالاضافة الى
هذا عنصر فدع قوي للصوت الاسلامي تمخض في الحضور العربي
الاسلامي في دوائر الحوار العالمي على اختلاف منظماته
وهيئاته ومؤسساته.
لقد اتفق السياسيون والمراقبون والمحللون ومؤسسات استطلاع
أي العام في كثير من دول العالم على أن الملك فهد صاحب
عبقرية الادارة والقيادة، وهو رجل سلم صاغته الحكمة، وصقلته
السياسة، وضبطت قراراته موازين الاعتدال، وتحكمت في
طموحاته قوة الارادة والتصميم والقدرة على التحدي، فما
ااتخذ قرارا إلا بعد اناة وروية، وما مضى في تنقيذه الا بعد
قناعة واستقراء للنتائج ، فهو ـ كما عرف عنه ـ يدرس الواقع
ويستقرئ المتوقع، يناقش المعطيات وينظر في المستقبل برؤية
وصادق فراسة، وبعد أن يخضع الأمر برمته للشورى يرسل قراره
مستلهما العون والتفيق من الله تعالى، سيما وأنه اعتاد أن يزن
جميع أموره، صغرت أو كبرت، بميزان الشرع، ويرفض بشدة لا تعرف
المجاملة او اللين كل ما يصادم العقيدة أو يسيء الى الأعراف
التقاليد والعادات والقيم.
كيف تعلم الملك فهد فنون القياد ة ؟ من أين اكتسب مواهب
الادارة ؟
تقول السجلات الرسمية ان الملك فهد خبر أساليب الادارة وتشرب
فلسفة الحكم، وبرع في حل كثير من المشكلات المعقدة لأنه
اقترب ـ وهو صبي يافع ـ من مجلس والده القائد اللمهم، فاحتلط
بوجهاء القبائل وبالفقهاء والعلماء والساسة والصحافيون من
الداخل والخارج ، وساعدته حواسه النشطة ورغبته في التعلم في
اختزان ركام من المعلومات والتخبرات، وتكون لديه رصيد هائل
من المعرفة أعانه في التعرف على خبايا السياسة وتعقيداتها
وملابساتها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة. وفوق ذلك كانت
هناك توجيهات الأب وحرصه على استنهاض عزائم ابنائه،وصياغتهم
خلقا وفكرا وسلوكا من أجل خدمة الوطن والمواطن، وخدمة العقيدة
والدين الاسلامي.
تتبع الابن خطو أبيه، وأخذ صفاته فشب حكيماذاموهبة في القيادة
الادارة، خبير أفي شؤون السياسة، مخلصا لوطنه ومواطنه، أحيهم
قأحبوه، وكرس وقته وجهده لخدمتهم ورفاهيتهم قأطاعوه.
استلهم الملك فهد من تاريخ هذه الأمة وتراثها نبل الهدف وصدق
الوسيلة، قوة الارادة وحكمة الادارة، ثم درس الواقع ونهض به
واستشرف افاق المستقبل بانتهاج العلم والحراسة والتخطيطن
وبالاعتماد على الله أولا ثم على الخبراء والمخلصين
والأوفياء الذين يضعون هذا الوطن على حدقات عيونهم ، قلا غرور
إذن لرجل بهذه الصفات أن ينتقل با لمملكة العربية السعودية،
هذا البلد المترامي الأطراف، بطبوغرافيته الصعبة وديمو
غرافيته المتباينة إلى دولة ناهضة، قوية وذات ثقل اقتصادي
وسياسي وحضاري هائل.
الأمير فهد بن عبد العزيز
في عام 1343 هـ ( 1924م ) وهب الله الملك عبد العزيز مولودا
بهيّ الطلعة نضر الوجه , فشكر الواهب ونعم بالهبة وأكثر الثناء
لربه, كان ذلك هو فهد بن عبد العزيز .ففي عام مولده حقق الوالد
انتصارات عدة في مواقع شتى . نشأ الطفل في كنف أبيه يعلمه
ويدربه ويغرس في نفسه طيب الخصال وكريمها , ورغم طفولته
ويفاعته فقد شب ناضجا شامخ القامة . التحق بمدرسة الأمراء
بالرياض يدفعه شغف بالعلم وتحدوه طموحات برحابة الأفق , تخطي
مرحلة الطفولة , فانتقل إلى المعهد العلمي بمكة المكرمة يطلب
العلم عند كبار العلماء فتيسر له الإلمام بكثير من المعارف .
ولأنه كان حريصا على مجلس والده , وندر أن يتغيب عنه , فقد شب
عن الطوق ويكاد يتفوق على سنه وعقله ميزته ـ منذ صغر ـ نباهة
وحصافة وحكمة , وما اختلجت في وجدانه مشاعر بعض أ و كراهية
لأحد. أحب الله وأخلص له فأسبغ كثيرا من نعمه , صدق مع ربه
فيسر له حكما عادلا وشعبا محبا . ولأن الفتى حمل ذهنا متوقدا
فقد أفاد كثيرا من مجلس والده , هذا المجلس الذي كان جامعة
قائمة بذاتها تدرس كل فروع المعرفة , ففي هذا المجلس وضعت
أنظمة الدولة , وأطر إدارة البلاد, ومنه خرجت استراتيجيات
عسكرية وحربية وسياسية , وفيه نوقشت خطط وبرامج اقتصادية
وديبلوماسية , فلا مشاحة إذن أن تصوغه تراكمات المعرفة وتصقله
التجربة فينشأ متشربا لكل هذه الفنون , مما أهله في فترة مبكرة
إلى أن يختار ـ في حياة والده ـ ليكون عضوا في وفد المملكة
الذي مثلها برئاشة الملك فيصل في افتتاح هيئة الأمم المتحدة
بنيويورك .
وحين بلغ الثلاثين من عمره عين وزيرا للمعارف ثم وهو في السن
أي في عام 1373هـ , ترأس وفد بلاده الذي شارك في الاحتفال
بتتويج ملكة بريطانيا الملكة اليزابيث, وفي عام 1379هـ رأس وفد
بلاده الذي مثلها في اجتماعات الدورة الثانية والثلاثين لمجلس
الدول العربية الذي عقد بالدار البيضاء بالمملكة المغربية ,
ورأس في العام الذي يليه وفد المملكة في اجتماع المجلس نفسه
لدورة الاستثنائية الثالثة التي عقد بلبنان . وبحلول عام
1382هـ أصبح وزيرا للداخلية وبعد ذلك بخمسة أعوام عين نائبا
ثانيا لرئيس مجلس الوزراء . وفي عام 1386هـ مثل بلاده في
الدورة الثانية لرؤساء الحكومة العربية الذي عقد في العاصمة
المصرية القاهرة , وبعد ذلك بعام واحد زار فرنسا وهو نائب ثان
لرئس مجلس الوزراء والتقى برئيسها شارل ديجول ثم ترأس في عام
1394هـ وفد المملكة الذي سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية
وعقد إتفاقية للتعاون بين البلدين . وقي عام 1394هـ شارك نيابة
عن الملك فيصل في مؤتمر قمة الدول المصدرة للبترول الذي عقد
بالجزائر . وفي العام نفسه زار فرنسا للمرة الثانية وكانت
زيارة فاعلة أثبتت قدراته في التفاوض والحوار والإقناع, وكان
من أهم نتائج هذه الزيارة إعلان فرنسا ولأول مرة وجوب انسحاب
إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها في عام 1967م مع ضمان
اعترافها بحقوق الشعب الفلسطيني . وفي الثالث من شهر ربيع
الأول عام 1395هـ ـ وبعد وفاة الملك فيصل ـ تقلد ولاية العهد,
وأنابه الملك خالد قي القمة العربية التي عقدت ببغداد عام
1398هـ . ومع إطلالة القرن الحالي ـ أي في عام 1401هـ رأس وفد
المملكة الذي شارك في المؤتمر الاقتصادي بالمكسيك حيث نوقشت
مشكلات العالم الاقتصادية , واقترح المشاركون في المؤتمر حلولا
لها وللعلاقات الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة .
وقبل أن يتقلد عرش البلاد ويصبح عاهلا للمملكة السعودية تولى
أعباء كثيرة تتعلق بشؤون اقتصادية وعلمية وتعليمية وأخرى تتعلق
بشؤون الحج وشؤون الشباب وما إلى ذلك إذ تولى رئاسة المجلس
الأعلى للبترول والمعادن , المجلس الأعلى للجامعات , المجلس
الأعلى لرعاية الشباب , اللجنة العليا لسياسة التعلم العليا
لشؤون الحج .
رائد النهضة التعليمية
صدر في عام 1373هـ مرسوم ملكي كريم بتعيين الأمير فهد وزير
للمعارف , وهو أول وزير يتقلد هذه الوزارة , وكان في الثلاثين
من عمره . كانت الأعباء جسيمة وليست بحجم عقود عمره الثلاثة,
لقد كانت أكبر من ذلك بكثير , والبدايات دائما صعبة وعسيرة
وتتطلب إرادة وعزيمة وقوة في الاحتمال . خطا أولى خطواته داخل
الوزارة وقلبه على أبناء بلده, فما عرف جلّهم إلى التعليم
طريقا , وما وجدوا إليه وسيلة , وكان يعلم يقينا ً أن أمة بلا
علم لاوجود لها, وشعب غير متعلم لن يحافظ على مكتسبات السلف
الذين أعدوا توحيد البلاد مع إعادة هوية أبنائها , وكان يدرك
أن العالم من حوله ينمو باطراد , ولابد من للحاق بركب المعرفة
باختزال الزمن وتجاوز العقبات . المهمة صعبة والرحلة طويلة
وشاقة , ولكن من يملك قوة الإرادة وصدق العزيمة تهون أمامه كل
المعوقات والعقبات . كان يؤمن إيماناً قاطعاً بأن بناء الرجل
من أصعب المهمات وأقساها , ولكن نتيجته- في النهاية –نهضة
حقيقية قي كل المجالات , فالحضارات يصنعها الرجال , والحفاظ
عليها منوط بأهلها, كما أن التاريخ , تاريخ أي أمة يكتبه
أبناؤها, وبقاؤه نقياً لا تصل إليه يد التحريف هو مهمة الأبناء
, ولذا كان لابد من أن يتعلم الشعب ليبني بلده , ويشارك في
نمائها , وليصل إلى رفاهيته بنفسه , فالعلم إذن هو مفتاح
التقدم والتطور , أدرك الأمير فهد في دراساته المبكرة أن
الإسلام دين علم , أمر به وحض عليه وحفز السعي في طلبه , وأن
أول وحي بالتنزيل كان أمراً بالقراءة , كما أن للرسول الكريم
صلوات الله عليه أحاديث كثيرة تحث على طلب العلم. ووزير بهذا
الوعي وهذه المعرفة لابد من أن يكون في مستوى المسؤولية بل
وأكبر منها , ولذلك بدأ متوكلاً على الله وبتوفيق منه مهمته في
بناء وتنمية القطاع التعليمي على المستويين الأفقي والرأسي .
شحذ قواه واستنفر طاقات المسؤولين وجهود العارفين المدركين
لقيمة العلم وأهمية , ثم أنطلق في مشواره بعزيمة لا تلين ,
وأسرع في خطوة وكأنه يسابق الزمن , ويعلو على ما كان متاحاً من
إمكانات – ومعروف في تاريخ الأمم أن العظماء لا يفترون,
وعزائمهم لاتعرف الخور , وإرادتهم لا يشوبها وهن أو ضعف , وهم
في كل الأحوال أعداء اليأس والقنوط . وكم من عظيم قفز ببلاده
قفزات هائلة فاختزل المسافة وأوجز الزمان .
ولأنه يؤمن أن الإنسان هو رأسمال التنمية , فالاهتمام به
ورعايته فكراً وجسداً وروحاً وعقلاً يعد نقطة الارتكاز في أي
خطط من خطط التنمية , قال ذات مرة :<< إن صناعة الإنسان هي
الأساس , فالمال يذهب , والرجال وحدهم هم الذين يصنعون المال .
وإن كل أهدافنا في البناء والتطور وتحقيق المجتمع المتقدم لن
تتم أبداً إذا لم يتم القضاء على الجهل , إننا لنعتبرها مهمة
من أقدس مسؤوليات الحكم .
وبدأ أمير التعليم , وجسد لنا هذه البداية بعد عقود من بالزمان
حين استعاد البدايات فقال : في عام74/1375هـ كانت هناك إمكانية
بداية , وإن كانت في مراحل بدائية , غير أن المجهود كان جباراّ
من أولئك الذين قاموا بإدارة التعليم , وكانت الإمكانيات
محدودة , وكانت مديرية ثم أصبحت وزارة سنة 73/1374هـ كان عدد
الطلبة لا يتجاوز 35 ألف طالب أو أقل من ذلك , وعدد المدارس
الثانوية التي كان تهي الطالب للالتحاق بالجامعات العربية أو
خلافها قد لا يتجاوز ثلاث أو أربع مدارس ـ بذلت الجهود من
العاملين في مديرية المعارف ومن الدولة التي أنفقت بسخاء على
الوزارة بعد إنشائها , ولنا أن نقارن بين ما كان وما نراه الآن
... لقد زرت بعض المدارس بالرياض بعدما شرفني رب العزة والجلال
بخدمة التعليم , فوجدت بعض مدارس تعد على أصابع اليد والآن
جامعات سبع وكليات ومعاهد عليا وعشرات الآلاف من المدارس في كل
مرحلة من المراحل . في فترة قصيرة بعمر الزمن شهد التعليم
نهضة إعجازية , تفوقت كثيراً على التخطيط المتدرج , وقفزت فوق
حاجز الممكن , وخلال بضع أعوام ركز الأمير فهد على وضع نظام
تربوي وتعليمي غداً محكماً وراسخاً , فظهرت آثاره مباشرة في
تنامي الوعي العام , والإقبال على التعليم أكاديمياً كان أو
صناعيا ً أو زراعياً أو مهنياً . وأتيح التعليم لكل قطاعات
المجتمع وفئاته منشآت معاهد النور ومراكز المعوقين ودور
الأيتام ومراكز محو الأمية , وحظيت الفتاة بنصيب وافر من
التعليم من مراحله الأولى وحتى الجامعة , ويوضح تاريخ الحركة
التعليمية المعاصرة في المملكة العربية السعودية أن عدد
الطالبات في جامعة الملك سعود ـ أول جامعة سعودية ـ كان أربع
طالبات فقط في عام 81/1982هـ , ولنا أن نتصور الآن المرأة
أستاذة جامعة وطبيبة وفي المختبر والمدرسة بل اصبح في إمكانها
التخصص في الكيمياء والفيزياء والرياضيات والحاسبات والزراعة
وطب الأسنان والصيدلة وفي كل العلوم الإنسانية , وأصبحت هناك
إدارة خاصة بتعليم البنات تشرف وتدير عشرات الآلاف من مدارسهن
وتعنى بجميع شؤونهن , ولم يقتصر تعليم الفتاة على المستوى
الجامعي على المدن الكبرى , إذ أنشئت فروع للجامعات وكليات
ومعاهد عليا في الأرياف تناسب طبيعتها , وتتوافق مع محيطها
البيئي , وأصبح الآن للمرأة دور فاعل ومشهود في المناسبات
والمؤتمرات العلمية , وسائل الإعلام , وفي ساحات الأدب الفكر
والثقافة والمعرفة .
لا يستطيع أحد أن يكابر في أن الملك فهد هو الذي وضع الأساس
الحقيقي والراكز لهذا التحول الهائل الذي شهدته المملكة في
نظامها التعليمي , وهو واضح المنهج التربوي المستمد من النهج
الإسلامي القويم ومن سير السلف الصالح.
فهد نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء
للملك فيصل يرحمه الله بصيرة نافذة , وفراسة لا تخيب أورثها
إياه والده الملك عبد العزيز طيب الله ثراه ولذلك أدرك
بملاحظته ومعايشته لأخيه فهد أنه رجل مسؤولية , ورأى بنافذ
بصيرته أن أخاه يملك كل صفات القيادة منذ صغره , ولذا فهو أهل
لتحمل أي أعباء توكل إليه لخدمة دينه ووطنه , وقد نجح في مهمات
كثيرة سياسية وديبلوماسية داخل البلاد وخارجها . فلم يكن من
الغريب إذن أن يعينه بعد أن جاءته بيعة الملك عام 1384هـ
نائباً ثانيا ً لرئيس مجلس الوزراء على الرغم من مسؤولياته
الجسيمة في وزارة الداخلية , وبالفعل عزز الأخ تصور أخيه ونهض
بمسؤولياته المزدوجة بعزم الشباب وحكمة الشيوخ . ناب عن الملك
كثيراً في تصريف شؤون الدولة , ودعم أخاه الملك خالد حين كان
نائبا أول لرئيس مجلس الوزراء , وآزره بكل طاقة وحنكة وجلد في
تحمل المسؤوليات مهما كان ثقلها , وتولى كثيراً رئاسة الوزراء
في غياب الملك أو ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء , وكان عند
حسن الظن فأثبت جدارة في الإدارة , وحصافة وحكمة في معالجة
الأمور , وكان يقفز فوق مستجدات الأحداث , ويتعامل معها بأناة
وروية , ولم يعرف عنه أنه تعجل قرار في ذات يوم . وكان الملك
وهو في نيابة الملك يحس بأخيه فهد دائماً بجانبه يشد من عضده ,
ويخفف عنه ما يتراكم عليه من أعباء , وقد قال عنه ذات مرة..,,
أخي فهد لديه ميل فطري عظيم للإدارة ,,, وبالطبع فإن هذا الميل
بجانب الاطلاع والخبرات والتجارب هي التي قادت جميعها إلى
إحكام أسلوبه في الإدارة, وصياغة فلسفته في الحكم . وقد كانت
تجربته كنائب ثان لرئيس مجلس الوزراء ثرية بالحركة وبالحيوية
السياسية والنشاط الديبلوماسي في الداخل والخارج , ولعبت دوراً
في بناء نهجه السياسي والإداري المتوازن الذي لا يعرف الغلو
ولا الشدة , ولذلك لم تعرف عنه أية اخفاقات في مناصبه المبكرة
التي تقلدها.
وفي موقعه نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء كانت له جهود كبيرة
في تنفيذ برامج خطة التنمية الأولى التي كانت بحق نقطة التحول
التي شهدتها المملكة في بنيتها الاقتصادية , والنقلة الهائلة
التي حدثت في الاتجاه نحو النمو والنهضة والتطور . وكانت جهوده
مركزة بصفة أساسية على التعليم , وذلك لإيمانه العميق بأن
التعليم هو الذي يضع الأمة في منطقة الضوء , وهو مفتاح النمو
والتقدم , وحيثما أنتشر الوعي كانت هناك نهضة يصاحبها أمن
واستقرار .وفي ذات المنحى كانت للأمير فهد ـ وهو في هذا الواقع
ـ وقفات تاريخية , وهذه المواقف جسدت بجلاء فلسفة المملكة
وسياستها التي لا تحيد في دعم المجهود العربي والإسلامي , وبما
أن تلك الفترة شهدت أحداثاً جساماً وجروحاً بالغة الغور في جسد
الأمة العربية فقد انحازت المملكة بكل ثقلها إلى أشقائها ,
وكانت لا تتوانى عن الحضور والدعم إذا تعلق الأمر بالهوية
العربية الإسلامية , لقد كانت حاضرة في موقع الحدث سياسياً كان
أم عسكريا ً . فحينما هاجمت الدولة الصهيونية الدول العربية
عام 1967م أعلنت المملكة دعمها الكامل , وتسخير كل إمكاناتها
لدعم المجهود الحربي , وأرسلت قوات للمشاركة الحقيقية في
فعاليات المعركة . ومنذ إعلان الحرب أصدر الملك فيصل يرحمه
الله نداءاً إلى شعبه في هذا الخصوص لمجابهة القوى التي تستهدف
الإسلام والمسلمين ومقدسا تهم , وتهدد كيان الأمة العربية
بالإزالة من الوجود . وتجاوبا مع نداء الملك فيصل أعلن وزير
الداخلية الأمير فهد بن عبد العزيز التعبئة العامة في صفوف
قوات الأمن السعودي على اختلافها, وأعلن كذلك رفع الاستعداد
والطوارئ إلى الدرجة القصوى , ونادى بأن يكون كل فرد على مستوى
المسؤولية ومستعدا للفداء والتضحية من أجل أمته ومصيرها ,
وللدفاع عن عقيدة الأمة ومقدساتها . ووجه أيضا أمراء المناطق
بالعمل على تجنيد الأجهزة العاملة لديهم للوقوف مع جميع أفراد
الشعب والأمة العربية دفاعا عن الحق المشرك والمصير الواحد.
ولقد عرف عن الأمير فهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء
ووزير الداخلية اهتمامه بالقضايا العربية والإسلامية, وعدم
التقاعس أو التهاون في الحفاظ على الهوية الإسلامية , وعلى
سيادة شرع الله في الأرض .
فهد وليا للعهد
في الثالث عشر من شهر ربيع الأول عام 1395هـ , روعت الأمة
الإسلامية بفقد قائد من قوادها . لقد توقفت جميع الإذاعات
العربية والإسلامية وأعلنت استشهاد الملك فيصل , صدع كبير حدث
في قلوب أبناء الشعب السعودي , وشرخ كبير وعميق في صف الأمة
العربية وجسد الأمة الإسلامية . وفي هذا اليوم كبت أخوته
أدمعهم وجسوها داخل المحاجر أمام الناس , ضغطوا على أحزانهم
وتجاوزوا المحنة بإعلان بيعتهم للملك خالد عاهلاً للمملكة
العربية السعودية , وبيعة الأمير فهد وليا للعهد . حمل الملك
خالد الراية وولي عهده قريب منه يشد من أزره , وانسجم الاثنان
انسجاما كاملا ًفي إدارة شؤون البلاد وواصلا خطى التنمية بثبات
وقوة إدارة , أوضحت أعينهما ساهرة على مقدسات البلاد وأمنها
ومكتسباتها . فعملا معاً على بسط الشريعة الإسلامية , مع المضي
قدما في تنفيذ الخطة الخمسية التي عملت على تنويع القاعدة
الاقتصادية وعدم الاعتماد على عائدات البترول وحدها , وبالفعل
فقد أثمرت جهودهما نمواً في القاعدة الاقتصادية إذ ارتفعت
معدلات الإنتاج النفطي والزراعي والصناعي . وركزا كذلك على
تنمية الحياة الاجتماعية في مختلف جوانبها , صحبتها نقلات
كبيرة في حياة المواطنين على اختلاف شرائحهم ومستويات تعليمهم
. كما توسعت بصورة ملحوظة القاعدة التعليمية والصحية والصناعية
والثقافية والمعمارية والرياضية والشبابية وغيرها . ولم يخلو
مرفق أو موقع داخل البلاد من ملمح واضح من ملامح التحديث
والتطور والتقدم , وانتشرت المدارس والمستشفيات والمراكز
والوحدات الصحية , ودخل التيار الكهربائي إلى جميع المدن
والقرى ووصل إلى البوادي والهجر, وتبعته إمدادات المياه العذبة
وتوصيلات خطوط الهاتف والإرسال التلفزيوني الذي وصل إلى معظم
المناطق . كما أقيمت أضخم شبكة للطرق الحديث البرية منها التي
تربط بين المدن أو داخلها , وشهدت البلاد في عهد المليك وولي
عهده تطوراً في وسائل الاتصالات والمواصلات , وطورت كذلك
الخطوط السعودية والمطارات والموانئ البحرية , علاوة على
النهضة العمرانية والنمو الزراعي المكثف الذي حقق مع التنمية
الثالثة معدلات تبشر بإمكانية الاكتفاء الذاتي في كثير من
السلع الاستراتيجية, وبجانب ذلك اتسعت قاعدة الصناعات في مجال
مشتقات البترول وقطع الغيار لكثير من المعدات والآليات, وصناعة
الأدوية والأغذية ومنتجات الألبان وزيوت الطعام , وأنشئت مطاحن
الدقيق وقامت صوامع الغلال شامخة تعلن عن نفشها وعن مخزونها من
منتجات الحبوب والقمح وغيره.
لقد صنعنا معاً وحدة في الشعور والفكر , ووحدة في العادات
والتقاليد ونمط الحياة المعيشية والسكنية , فتناغمت مشاعر
الناس وتوحدت أهدافهم وتطلعاتهم , وظلت مرتبطة بالعقيدة
وبمصلحة الدين والوطن .وهكذا تكاملت ملامح التطور والنهضة ,
وأصبح عهدهما رخاءاً ورفاهية ـ وعلى المستوى العربي والإسلامي
استضاف الملك خالد مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في مدينتي
الطائف ومكة المكرمة في عام 1401هـ , ورتب ولي العهد ونسق شؤون
المؤتمر منذ لحظاته الأولى وكان مؤتمرا ناجحا .
وهكذا استطاع الاثنان أن يشكلا فريق عمل متجانس ومتوافق ,
وأنيطت بولي العهد الشؤون الإدارية فكان موفقا واتسعت خطواته
بالحكمة والاتزان , وفوق ذلك بالاعتماد على الله .
الملك فهد بن عبد العزيز
يقولون أن المجد والعظمة لا يورثان , بل يصنعهما الفرد,
وتبنيهما الأمم الجادة , ولكن من صلب عظيم قد يخرج عظيم يرث
بعض صفات أبيه , ويطور المكتسب من خصاله بالعلم والمعرفة ,
وببناء رصيد من الخبرات والتجارب . والعلم والمعرقة لا يكتسبان
بالوراثة وإنما بالتعلم والاطلاع , وبالملاحظة والفراسة وحضور
مجالس العلم , ولن يكون العارف عظيما إلا إذا كان صاحب غاية
وهدف عظيم ومليئا بالحيوية والطموح وذا إرادة وعزم لآيلين ,
وفوق ذلك قادر على تطويع حصيلته من المعرفة وركام خبرته من أجل
مبادئه ومعتقداته , ومن أجل وطنه وأمته . وطموح العظماء لا
يخبو وأنفسهم تبقى كبيرة وهممهم عالية مهما تكالبت الظروف
وتضخمت العقبات ، فإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها
الأجسام . فمن صلب الملك عبد العزيز ذلك أعاد مجد آبائه ووحد
أجزاء دولة التوحيد ولم شتاتها , خرج فهد العظيم ليحافظ على
أبيه وأسرته وليصون إنجازاتهم ويتابع مسيرة طموحاتهم وتطلعاتهم
وليضيف إبداعا على إبداع وإنجاز. ولد في عام 1343هـ , أن بلغ
العاشرة من عمره حتى أعلن ميلاد هذه الدولة الفتية , وكرس وقته
للدراسة والإطلاع وحضور مجالس أبيه تساعده فطرة وسرعة في
البداهة وقوة في البداهة وقوة في الملاحظة , وهيأ له بيت أبيه
كل وسائل المعرفة , وصاغته الأحداث وربت في داخله ميلا إلى
الإدارة , فنشأ وكأنه على موعد مع العظمة والمجد , مجبول على
عشق العلم والعلماء فكان والده يرى في ابنه امتدادا لطموحاته
في بناء هذا الوطن وإرساء دعائمه على التوحيد واتباع سنة
المصطفى صلوات الله وسلامه عليه .
ورث الابن عن أبيه إيمانا صافيا بالله لا يتزعزع ولا يضعف,
وجرى حب الوطن والعروبة والإسلام والمسلمين في دمائه , صقلته
التجارب فترعرع حيوية وطموحا مع رصانة في الفكر واتزان في
معالجة الأمور صغيرها وكبيرها , واعتقاد راسخ ويقين خالص
بتوفيق الله في تحقيق الغايات والأهداف , ولا غرو فصدق العزيمة
والإيمان بالهدف جبلة , وعشق العلم فطرة , والشجاعة والشهامة
والفراسة صفات موروثة , وفن الإدارة وفلسفة الحكم ثمار غرس
كريم . وكان لاجتماع هذه الصفات فيه دور في تحديد مساره , ولها
الفضل في صناعة مجده ومجد أمته , وكانت بالفعل مثار إعجاب كل
من عرفه أو عاصره . لقد حبه أخوه الملك فيصل بعد أن قرأ في
وجهه علامات النباهة, ورأى فيه ميل إلى القيادة يثريه فهم
ومعرفة بوقائع حياة أهل البلاد , ويخصبه استقراء للتاريخ
وأحداثه وأبطاله , وأسند إليه الكثير من المهمات التي تتطلب
معالجة رصينة وواعية وحكيمة , فكان المكلف في مستوى التكليف
وحسن الظن . تسلم الملك فعد عرش المملكة في يوم 21 شعبان من
عام 1402هـ بعد أن غيب الموت أخاه خالدا يرحمه الله فقال في
أول خطاب له مجسدا فلسفته في الحكم وانحيازه في كل الأوقات
لأمن الوطن والمواطن واستقرارهما : إنني أشعر بعظم المسؤولية ,
وبثقل الأمانة التي شاء الله أن أحملها , راجيا منه جل وعلا أن
يعينني عليها . وإنني أعاهد الله ثم أعاهدكم , بأن أكرس كل
جهدي ووقتي من اجل العمل على راحتكم , وعلى توفير الأمن
والاستقرار لهذا البلد العزيز , وأن أكون أبا لصغيركم , وأخا
بكبيركم , فنا أنا إلاواحد منكم يؤلمني ما يؤلمكم , وسرني ما
يسركم . بهذه الكلمات رسم الملك فهد منهج حكمه , هذا المنهج
الذي يهتم بقضايا المواطنين وحاجاتهم , ويسعى إلى تحقيق أمنهم
واستقرارهم , وإلى قيادتهم إلى الرخاء والرفاهية .
ولم يحد الملك فهد عما رسمه في هذه الكلمات السهلة البسيطة ,
فقد أحدث خلال عقد ونصف العقد من الزمان تحولا إعجازيا في بنية
الاقتصاد السعودي , وفي أطر الحياة الاجتماعية وأنماط المعيشة
. كاد التحول أن يكون خرافيا إذ أخضع للمعايير الدولية , فليس
من تاريخ الشعوب قديمها وحديثها أن حدثت نقلة بهذا الإيقاع
المتسارع والمدهش . ولاشك أن برامج الملك وخططه الإنمائية قد
وحدت تجاوبا من كل قطاعات الدولة , وحظيت بتأييد ودعم الشعب
السعودي بأكمله , فالتخطيط العلمي والتأييد الشعبي يفسران سر
هذا النمو الذي حول الأرياف إلى حضر , والبداوة إلى محبة ,
والنزاعات إلى تعاون , في فترة قصيرة جدا بعمر الزمن نشطت
التجارة , وارتبطت المناطق ببعضها جوا وبرا , وأمنت الطرق ,
وخلا الشارع من الجريمة,حتى المشاجرات الخفيفة بين الأفراد لم
يعد لها وجود يذكر , ولم تسجل دوائر الأمن والشرطة أية حوادث
يؤبه لها , أو تشكل خطرا على الاستقرار إلا في حالات و ربما
أفرزتها سرعة التحول والانتقال من الشظف إلى الوفرة , ومن
الفقر إلى الرخاء , ومن المعاناة إلى الرفاهية . أحب الشعب
مليكه لأنه وجده قريبا منه , منحه التأييد المطلق لأنه تيقن
صدق مسعاه من أجل امنه ورخائه , منح الشعب قائدة ثقته بعد أن
تبين حنكته وحكمته في معالجة أي طارئ على المستوى الإقليمي أو
العربي , علموا أن سياسته تنحى نحو الاعتدال , وإدارته لشؤون
البلاد تضع مصلحة المواطن في المقدمة وتفاعله مع القضايا
العربية والإسلامية واجب تمليه الأخوة في العقيدة والإيمان ,
والوحدة في اللسان والهدف والمصير . نجح الملك فهد داخليا
وخارجيا , ونأى ببلده عن مطامع الأعداء , وحاف عليها من كيد
الكائدين وحسد الحاسدين , فبقيت كما قبله للمسلمين ورمزا لقوة
الدين والعقيدة , وأنموذجا للاقتصاديات النامية . لقد أعطى
البلد ثقلها الاقتصادي والسياسي , وصنع لها وقارا وهيبة ,
وأجبر صناع القرار العالمي على عدم تجاهلها .. أفلا يحق للشعب
السعودي بعدئذ أن يحب ملكيه , ويقف وراءه بكل حزم وقوة لا تعرف
هوادة ولا لينا ؟ وهكذا فإن الملك للشعب , والشعب للملك ,
وكلاهما لله جلّ وعلا.
وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز
توفى خادم
الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله صباح
اليوم الاثنين الموافق 1/8/2005 عن عمر يناهز 84 عاما إثر
معاناة مع المرض ، كما أعلن مبايعة ولي العهد الأمير عبد الله
بن عبد العزيز ملكا
جديدا للبلاد . وأعلن وزير الإعلام السيد إياد مدني في بيان
وفاة الملك فهد بن عبد
العزيز في مستشفى الملك خالد بالرياض .