|
وفاة الشيخ سعيد بن مكتوم وجنازته سنه 1958
سري
الامارات المتصالحة
دبي
29
سبتمبر 1958
رسالة رقم 4
(
1016/58
)
وزير الخارجية
وزارة الخارجية اس . دبليو . 1
1.
تحية واحتراما وبعد , أبلغتكم في برقيتي رقم 64
وتاريخ 10 سبتمبر بوفاة الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم
دبي وحامل وسام الامبراطورية البريطانية ومنذ ذلك
الحين جرت مراسلات بين وزارتكم وبين دار المقيم
السياسي في البحرين ودار الاعتماد هذه حول
الاعتراف بخليفتة ويشرفني الان أن اصف لمعاليكم
جنازة الحاكم الراحل .
2.
بعيد الساعة السابعة صباحا من نهار العاشر من
سبتمبر حضر الى منزل المقدم دي . جي ماكولي حامل
وسام أو . بي . إي . وأي . إم . أس ( متقاعد )
وهو كبير المسؤولين الطبيين في الامارت المتصالحة
, حضر بجثته الضخمة ةأبلغني أنه قضى الليل بجانب
الحاكم الذي بلغ السادسة والسبعين من العمر والذي
كانت صحته قد تدهورت منذ عدة ايام لكن لم يستطيع
المقدم أن يفعل له الكثير وأعرب عن أسفه لان
الحاكم العجوز قد توفى قبل بضع دقائق وسرعان ما
جاء بعده زائران : مساعدي العربي علي البستاني الى
ذهب بسرعة للإطلاع على ترتيبات الجنازة ونائب
العريف المسؤول عن حرس دار الاعتماد الذي أمرته
بتنكيس العلم .
3.
ولم يمض وقت طويل حتى عاد على البستاني ليقول لي
إن الجنازة ستقام خلال بضع دقائق . فالسرعة التي
يتم فيها دفن الميت في الدول الاسلامية وفي
الامارات التصالحة تبعث على الدهشة , فكلما كانت
سرعة دفن الميت أكبر كان التكريم أعظم . وبما أنه
لم يكن لدينا متسع من الوقت لإحضار السيارة
الصالون من الجانب الاخر من خور دبي , فقد
استقبليت مع المعتمد السياسي السماعد السيد أتش .
بي . ووكر وعلي البستاني وغيره من الموظفين العرب
في دار الاعتماد سيارة اللاندروفور الرمادية
وانطلقت بنا , فوجدنا خارج دار الشيخ سعيد حشودا
من الناس يرتدون ملابس وينتظرون بصمت وقد جلسوا
حيث أمكنهم ي ظلال الجدران , وكانت توجد بضعة
مقاعد خشبية قاسية في الظلال ايضا , وكان وجهاء
القوم من الموطنين يجليون هناك. وعندما وصلنا
نهضوا وأفسحوا لنا مكانا في الحال. وبعد أن قدمنا
التعازي التي تليق بالمناسبة – تعتبر وفاة الحاكم
في الإمارات المتصالحة خسارة شخصية وقد جرت العادة
على استخدام عبارة " ألهمكم الله الصبر والسلوان"
التي تقال عادة للأقرباء او الأصدقاء الحميمين جدا
لدى السلام على أي من المواطنين – جلسنا بصمت
نراقب المراكب التي كانت تتمايل برفق امام ناظرين
تحت حرارة شمس الخور ورطوبته. وفي الخارج كان
معظم الناس ينتظرون ويتأملون دون شك في وفاة رجل
مسن كان على العموم خيًرا وعطوفا ومحبوبا جدا .
4.
بعد برهة نهض الجمع , اذ تناهي الى مسامعهم انه
سيتم تواً اخراج جثمان الفقيد من الدار ثم اخرج
عدد من الرجال الذين يرتدون ملابس بيضاء النعش
الخشبي القاسي المغطى بقماش ذي مربعات حمراء .
وانطلق كل الحضور على اقدامهم لمرافقة الحاكم
الراحل الى مثواه الاخير. ولم يكن الموكب منظم ,
فحتى نائبه الشيخ راشد بن سعيد وشقيقه مشيا بين
الحشود وهما يرتديان ملابس بيضاء بسيطة , وقد
تخليا عن عباءتيهما السوداتين المعتادتين ذات
الاطراف الموشاة بالقصب . وفضلا عن السيد ووكر كان
هناك شخصان بريطانيان فقط , مديرا البنك البريطاني
للشرق الاوسط وشركة غراي ماكينزي وشركاه . وكان
النعش – وهو النقطة المحورية لاهتمامنا – يتمايل
ويهتز امامنا في سديم الغبار الحار . فيما كان
الشبان يتدافعون بصخب لنيل شرف حمل بساط الرحمه –
محدثين جلبة حقيقية اثناء كلامهم ولم يكن ثائر
الناس الذين يسيرون في موكب الجنازة كلهم صامتين .
5.
عند بعض الزوايا على الطريق , توقف الركب وتلي
الشيخ محمد نور , وهو قاض من رعايا دبي ., ايات من
القرأن وسار على الدرب الترا بصحبة رجلين على جنبه
, يحمل كل منهما مظلة سوداء لوقايته من اشعة الشمس
, وكان هناك القاض العدني سيد محمد جعفر الصقاف .
6.
بعد السير حوالي ميل ونصف , وصلنا الى المدفن
القريب من دار الاعتماد وزشققنا طريقنا عبر القبور
القديمة المعلمة بشواهد صغيرة مميزة بحزم صفيرة من
الاغصان وعند الطرف القاضي , اصطف جميع المسلمون
الذين كانوا طاهرين ( على وضوء ) في صف مستقيم جدا
جنبا الى جنب كأنهم كتيبة من الجند وشرعوا في
الصلاة . وهنا ايضا حاول الشضيخ محمد نور تقرير
الاجراء الواجب اتباعه لكن لم يأبه به أحد وفي
الواقع أم الصلاة سخص أخر .
7.
في هذه المرحلة استطعت أن ألمح نائب الحاكم الذي
كان يجلس القرفصاء في حيز صغير من الظل وأن نقدم
له التعازي . ثم انتظر المعزون وهم يستمتعون , قدر
المستطاع بظلال السيارات التي وقفت عشوائيا بين
القبور القديمة الى ان دفن الجثمان وانتهمت مراسم
الدفن , بعيد الساعة العاشرة صباحاً . عندئذ ودعنا
الشيخ راشد , وكان السكان المحليون يقبلونه على
أنه , وقفاً لعادتهم وكان نائب الحاكم أشعث الشعر
مرهق العينين بعد أن عانى من الارق والحزن على مدى
اليومين السابقين .
8. كانت مراسم الجنازة مؤثرة من نواحي عديدة ,
فالتدافع حول النعش وجموع الناس المغبرة التثي مشت
بالتثاقل خلفه والصفوف المنتظمة للراجل الذين صلوا
على الجثمان والتحيات المتبادلة بين اسرة الفقيد
الحاكمة والناس , كل ذلك ساهم في جعل المشهد مؤثر
, لكن الانطباع الرئيسي الذي تكون لدب هو الغياب
الكامل لأية أبهة وفخامة , برغم جلال المناسبة
وطابعها الفريد .
9.
سأبعث بنسخة من هذه الرسالة الى المقيم السياسي في
البحرين .
(
دي . أف . هاولي )
المعتد السياسي
سري
|