آل مكتوم / دبي قديما

يقول المؤرخون إن الشواهد تدل على أن خور دبي قد تم استيطانه منذ أكثر من ألف عام تقريا ، وكانت دبي فيما مضى قرية صغيرة تعتمد في عيشها على صيد الاسماك واللؤلؤ وظلت ضئيلة الأهمية لعدة قرون ، حتى ان الاسكندر الأكبر بعد أن قام بارسال عدد من كبار ضباطه إلى المنطقة لمسحها وعمل خرائط لها خلال القرن الرابع قبل الميلاد ، لم يجد في المنطقة ما يثير اهتمامه فآثر استبعادها من مخططاته.

بينما يؤكد بعض المؤرخين والباحثين أن دبي شهدت كثافة سكانية منذ بداية الألف السابق على الميلاد ، وتثبت شواهد التاريخ أن دبي لعبت منذ نحو ما يزيد على الخمسة الآف عام دورها التقليدي كحلقة وصل بين الحضارات التي عفتها المنطقة والمعروفة بحضارات ، سومر وأكد وبابل وعيلام في رأس الخليج ، كما لعبت دبي نفس الدور الهام بالنسبة لتلك الحضارات التي ظهرت على شواطئ الخليج كحضارات دلمون في البحرين وأم النار في الإمارات والتي ربطت بلاد الرافدين بحضارة ماجان في عمان ووادي السند في بلاد الهند.

تعتبر منطقة القصيص من أكبر وأهم التجمعات البشرية على شاطئ الخليج والتي كانت مأهولة خلال الألفين الثاني والاول قبل الميلاد (1800 ـ 400 ق.م ) ، وتم  الكشف عن آثار تاريخها من 1900 ـ 1600 قبل الميلاد وذلك بمنطقة المدافن الصغيرة على جانبي الشارع المتفرع من الطريق الرئيسي بين منطقتي القصيص ومدينة بدر ، وكانت القصيص منطقة سكنية قديمة ملحقا بها مكان للعبادة والطقوس الدينية ومقبرة كاملة ، وتضم مجموعة الآثار المعروضة حاليا في متحف دبي مقتنيات من الذهب والفخار والحديد والصخور والمرمر والقدور والأصداف والعظام الآدمية والحلى تم اكتشافها في القصيص ، وهي تعكس نماذج مختلفة لما كان يستعله سكان المنطقة في تلك الفترة حيث توجد مجموعة جيدة من الحلى والاحجار الكريمة ورؤوس السهام والبلط والخناجر وأقداح الشرب المصنوعة من الفخار ويدل وجود الأدوات الشخصية والأدوات المستخدمة في الحياة اليومية الى جوار المتوفي داخل قبره على إيمان هؤلاء الناس بالحياة بعد الموت . كما أن اشتراك الزوجين في مدفن واحد يشير الى أن الحضارة التي تنسب لها هذه الاثار كانت تقدس العلاقات الزوجية والعائلية.

كما تدل اثار الاسلحة على قيم البطولة والفروسية السائدة في تلك الفترة وتقديسها للقوة والرجولة ، كما يدل اسلوب الدفن والهياكل العظمية المقطعة والمربوطة بعظام القفص الصدري وغرس الرماح في بعضها على وضع سياسي قلق والى الحروب أو الغزوات التي شهدتها المنطقة ، وتشير كثرة الادوات البرونزية الى مدى توفر مادة النحاس بخاماته الاصيلة في المنطقة والى الاهتمام بتصنيعة.

إن المكتشفات الأثرية في دبي بصفة عامة لتدل بشكل قاطع على أن الحضارة التي قامت في هذه المنطقة كانت على مستوى كاف من التطور والتقدم. كما أظهرت أنه كان القدامى في هذه المناطق كانوا على علاقة وتفاعل مع الحضارات المجاورة وأنهم اعتمدوا في حاتهم اليومية والاقتصادية علىممارسة الصيد البري والبحري واستخراج اللؤلؤ بدلالة العثور على الاصداف وعدد من حبات اللؤلؤ وصنانير صيد الاسماك داخل القبور.

فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية لسكان دبي القدماء لوحظ ان للرجال زيهم الخاص اضافة الى اهتمامهم بتعليق الخناجر في وسط الجسم كدليل على الفروسية والاقدام ولا يزال هذا التقليد سائدا حتى الآن عند البدو .. كما كان زيهن الخاص وكن يبدين اهتماما اهتماما بالحلي والمصنوعات المحلاة بالاحجار المختلفة . والمعروف ان اسم دبي ورد في بعض المراجع التاريخية بوصفها محطة هامة للقوافل بين البصرة وعمان قبل ألفين سنة.

وقد أظهرت آثار جميرا وحتا أن أسواق دبي النشطة حاليا تستعيد دورا لعبته قبل خمسة الآف سنة عندما شهدت المدينة كثافة سكانية ملحوظة ، وأحرز البشر تقدما بميادين الفن والزراعة والصناعة ، كما شهدت المدينة في تلك الفترات انتعاشا تجاريا مع المراكز الحضارية المجاورة. وعادة ما تقام الاسواق حيثما توجد التجارة .. ومنذ الأزل تقع دبي على الخليج العربي وهو ممر مائي توسط تاريخيا حضارات متعاقبة وأهل بذلك مواقع كثيرة على شواطئه لاجتذاب السفن الشراعية فتأسست تجارة العبور ( ترانزيت) ، واستغل سكان دبي القدماء ميزة الموقع الجغرافي للاتصال بالحضارات القديمة .. ومن المؤكد أن آثار جميرا بددت الاعتقاد الذي كان سائدا بأن الإمارات عاشت الفترة الزمنية ما بين 2000 الى 1300 ق ز م ، وهي تعاني رطودا اقتصاديا اثر سقوط سلالة بابل الأولى وغياب الحكم المركزي في بلاد الرافدين إضافة الى تعرض الهند للغزو فيما عرف بالعصور المظلمة .. وكشفت الاثار عن وجود مستوطنات لها أسس أقتصادية تتجه نحو البحر وتحوي الفخار والبرونز والاحجار المتقنة.

أما في خلال الفترة الإسلامية فقد عرفت المنطقة ميناء تجاريا هو ( الصبيخة ) والتى يعتقد أنها بين دبي والشارقة وأم القيوين وتم عبر ذلك الميناء استيراد الحديد والنحاس والبرونز والجرار الفخارية والحجرية وبعض المصنوعات المختلفة.

ومن الجدير بالذكر بالذكر أنه في عام 1830 تمكن قس انجليزي زار الخليج من الحصول على خريطة يونانية قديمة لمنطقة الخليج والجزيرة العربية ، أظهرت معالمها بوضوح . وتدل هذه الخريطة على وجود امتداد بحري الى مناطق داخل الصحراء يصل مداه الى ما يسمى الان بمنطقة الربع الخالي ، وهذا الامتداد هو من العرض بحي يستوعب السفن الكبيرة ، وقد اطلق لايونانيين القدماء عليه اسم ( نهر زارا ) . واللافت للنظر أن موقع هذا النهر هو ذاته الموقع لاذي يشغله خور دبي هذه الايام.

لذا يذهب بعض المؤرخين والباحثين الى التخمين بأن خور دبي كان في وقت مضى ممتد الى مناطق شاسعة داخل الصحراء ، حيث تجمعت فيه مياه الامطار والافلاج المنتشرة في رأس الخيمة وعمان والعين بعد ان انحدرت مياهها والتقت بهذا الشكل أو ذاك . في ذلك اللسان المائي الممتد . على أية حال ، صح هذا التخمين أم لم يصح فان خور دبي وان لم يعد ( نهر زارا ) القديم الذي يظهر في الخارطة المذكورة .

فانه يمثل لدبي اليوم كما بالأمس ، شريانا حيويا منذ أصبح مرفأ هاما للسفن الشراعية والخشبية التي تؤمه قادمة من الموانئ المجاورة والبعيدة ، أما مسمى دبي فيرجعه المؤرخون الى أحد رأيين : الأول هو أن دبي اشتقت من كلمة ( ضب ) الاسم العربي للسحلية ذات الذيل الفقري والتي عرفها علماء الطبيعة باسم ( ماستيجور ) ، وكانت شائعة في صحراء الجزء الادني من الخليج . والرأي الثاني يقول ان كلمة دبي مشتقة من كلمة عربية تعني ( الارض التي خربها الجراد ) ، وهو رأي مرجوح نظرا لكون المنطقة من غير المناطق الجاذبة للجراد لعدم وجود محاصيل زراعية بها ، وخلال فترة تواجدهم بالخليج ، أهمل البرتغاليون دبي ، بل ان الساحل في تلك المنطقة باكملة لم يشكل لهم مطمعا على أي صعيد ، فانسحبوا منه في نهاية القرن السابع عشر بعد ان قاموا ببناء قلعة جلفار في عام 1631م .

وبعد مائتي عام من رحيل البرتغاليين جاء البريطانيون في اواخر القرن الثامن عشر لتأمين ممر للتجارة الى الهند فيما سمي ( طريق الخليج ) ، في تلك الاثناء كان الحال قد بدأ يتغير قليلا حيث بدأ نمو التجارة يعمل على جذب مزيد من السكان الذي طالما اعتمدوا على الرعي حيث جاءوا الى الساحل سعيا وراء أسلوب حياة أكثر استقرارا وديمومة.

وكانت دبي ـ على العكس من الشارقة ـ مدينة صغيرة غير منظمة بالشكل الكافي على الرغم من توافر مصادر المياه فيها ووجود المزارع بالاضافة الى وجود أعداد كبيرة من سفن الغوص ، ولكنها أخذت تزداد نموا ، وبعد 12 عاما فقط من وفاة الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة في ذلك الوقت ، وصف المقيم السياسي البريطاني روس ، دبي عام 1878 بأنها ( ميناء مهم على الساحل العربي ) .

وفي تلك الفترة بدأ عدد سكان دبي يزداد ليصل في عام 1881م الى ما يقارب اثنا عشر ألف نسمة لتفوق بقية الإمارات من حيث عدد سكانها . كما ازدادت سفن الغوص التابعة لدبي ليصبح عددها الى 450 سفينة تحمل على ظهورها 8000 بحار.

كان هم البريطانيين الأكبر هو فرض السيطرة وتأمين طرق التجارة في منطقة الخليج والهند ، وقد كانت السفن التجارية البريطانية وسفن صيد اللؤلؤ المحلي معرضة للخطر بسبب القلاقل السياسية والتوتر الذي ساد المنطقة عقب انهيار الدولة الصفوية في فارس من ناحية ، ومن ناحية أخرى بسبب قيام حرب أهلية في عمان.

وقد لجأ البريطانييون الى الحزم ، بل والقسوة في التعامل مع تلك المشكلة ، كما كان لتدخلهم نتيجة ايجابية تمثلت في فرض شيء من الاستقرار السياسي الذي عاد بالفائدة الكبيرة على المدن الساحلية على الصعيد التجاري حيث أصبحت الفرص التجارية أفضل كثيرا في ظل الحماية التي فرضت على ممر التجارة الذي عرفناه سابقا باسم ( طريق الخليج ) . ففي تلك الفترة قامت سفن الأسطول الملكي البريطاني بمنع الهجمات على العامليين في صيد اللؤلؤ والأسماك ، وبالتالي أصبح الوجود البريطاني ذا جانب ايجابي بعض الشيء.

وفي العقد الثاني من القرن التاسع عشر أرسل البريطانييون مفوضين الى حكام مدن الخليج للتشاور حيث عرض المفوضون البريطانيون اتفاقية ذات شقين تهدف الى مساعدة حكام تلك المدن على انهاء الهجمات على السفن التجارية والسعي الى نزع سلاح المدن الساحلية ما أمكن ذلك ، على أن يقوم البريطانيون في المقابل بتأمين وحماية أساطيل صيد اللؤلؤ والأسماك التي ترفع علم كل مشيخة في الخليج.

ويشير المؤرخون إلى أن توقيع اتفاقية شهر يناير عام 1820م كان سببا رئيسيا في إفساح المجال أمام الاستقرار والازدهار لامارات الساحل ، وكانت تلك الاتفاقية اتفاقية سلام عامة وقعت في رأس الخيمة التي كانت تمثل الموقع البري الرئيسي للبريطانيين في المنطقة ، ولم يحضرها حاكم دبي في ذلك الوقت " محمد بن هزاع " حيث ناب عنه أحد أعمامه في التوقيع . وقد تضمنت الاتفاقية الموافقة على وجود قوة بحرية بريطانية صغيرة ولكنها فعالة تتمركز في الخليج بشكل دائم.

وأدت المعاهدة العامة للسلام الى نشوء حالة من الهدوء والاستقرار الذين ساعدا الى حد كبير على ازدهار الصناعات المرتبطة بالحياة البحرية وبصفة خاصة صيد اللؤلؤ الذي شهد أكثر فترات ازدهاره في تلك الفترة . وتزايدت الثقة في استقرار المنطقة وتوافد كبار التجار الهنود لشراء اللؤلؤ ، وهؤلاء كتنوا يتمتعون بشبكة واسعة من الاتصالات مهدت الطريق أمام فتح أسواق أوسع أمام تجار المنطقة من صائدي اللؤلؤ.

وكانت محصلة هذا الازدهار وارتفاع العوائد التجارية ظهور أسلوب حياة أفضل لقاطني المدن الساحلية الكبرى ، الأمر الذي حدا ببدو الداخل الى الانتقال والنزوح الجماعي نحو تلك المدن تاركين اسلوب الحياة المعتمد على الرعي ليتعلموا صيد اللؤلؤ والتجارة ومن ثم لينعموا بحياة أكثر استقرار . وبالتالي صارت إمارات الساحل مناطق جذب للسكان لما اصبحت تتمتع به من عوامل الاستقرار والازدهار.

تقع امارة دبي في الجزء الشمالي الشرقي لدولة الإمارات عند مدخل الخليج العربي بسواحل على امتداد 72 ميلا ( 115 كيلومترا ) على خط طول 16ر55 درجة شرقا وخط عرض 16ر25 درجة شمالا ، وتبلغ المساحة الكلية للإمارة حوالي 2428 ميلا مربعا ( 3885 كيلومتر مربع ) وتتميز دبي بأنها أحد أهم المراكز التجارية لمنطقة الخليج العربي.

ولقد اكتسبت هذه المكانة لعدة عوامل يمكن ايجازها في التالي:

أولا: تحتل موقعا استراتيجيا منافسا في موقع يتوسط ساحل دولة الإمارات العربية المتحدة الممتد لمسافة 400 ميل ، ويأتي موقعها المتميز في الجزء الجنوبي الغربي من الخليج العربي ليؤهلها للقيام بدورها التجاري الفعال في ربط الخطوط الملاحية من جهة ، وسهولة نقل البضائع بين الشرق والغرب من جهة أخرى.

ثانيا: عززت دبي موقعها الاستراتيجي المميز بانتهاج سياسة اقتصادية حرة ومتوازنة اكسبتها سمعة طيبة في الاوساط التجارية والاقتصادية في الدولة ، مما شجع رؤوس الاموال الوطنية والاجنبية على الدخول في مبادرات استثمارية ناجحة شملت القطاعات التجارية والصناعية والخدمية.

ثالثا: رفعت دبي أهمية موقعها الاستراتيجي ونشطت فعالية سياستها الاقتصادية الحرة بانشاء بنية اساسية اقتصادية وتجارية متكاملة ، فضلا عن اهتمامها بالنواحي الخدمية والمرفقية التي تخدم الأغراض التجارية والمدنية بشكل عام.

وعملت دبي على تشغيل تلك المرافق وادارة البنية الاساسية بكفاءة عالية كان لها انعكاسات ايجابية في العقود الثلاثة الأخيرة بالتحديد على معدلات النمو في القطاعات الاقتصادية والتجارية وعلى التكور الاجتماعي ، فضلا عن اسهامها غير المباشر في رفع المستوى المعيشي للفرد.

ويرتكز اقتصاد امارة دبي على نشاطين رئيسين هما التجارة غير النفطية وقطاع استخراج النفط وتصديره ، وقد شهدت دبي خلال العقود الثلاثة الماضية تطورا كبيرا في معدلات نمو حركتها التجارية والصناعية مستغلة مميزاتها المتعددة بما فيها الموقع الاستراتيجي المطل على الخليج العربي واستكمال تحسين بنيتها الاساسية وادارتها بأحدث الاساليب ، مما أهلها لتصبح من أكبر مراكز الاستيراد والتصدير واعادة التصدير بالمنطقة ، وخلال العقدين الماضيين اتجهت دبي نحو تدعيم قاعدتها الصناعية بهدف تنويع مصادر الدخل فانشأت المشروعات الصناعية الثقيلة في منطقة جبل علي ، كما ساهم القطاع الحاص النشط في انشاء الصناعات التحويلية المتوسطة والصغيرة محققا نوعا من الاكتفاء الذاتي من بعض السلع الاستهلاكية وربما تجاوزت ذلك الى التصدير للاسواق الخارجية.

اللغة الرسمية للبلاد هي اللغة العربية وفقا لما نص عليه دستور الدولة ، ولكن تستخدم بجوارها اللغة الانجليزية بشكل واسع وخصوصا في مجال الأعمال والتجارة ، كما يستخدم الوافدون لغاتهم المختلفة للتخاطب بحسب جنسياتهم الأصلية دون الاستخدام على نطاق رسمي.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية