|
في
عام 1954م كان لابد من إيجاد هيئة تتولى عملية
التخطيط المدني وصيانة المرافق ومتابعة كافة
الأعمال والأشغال المدنية في دبي ، وبالطبع كانت
تلك مهمة هيئة البلدية التي أمر الشيخ راشد
بإنشائها في ذلك العام ، وكانت مهمة تلك البلدية
هي وضع النظم الأساسية وتطوير خطة للمدينة اليافعة
.
في
ذلك الوقت كانت دبي تشهد تحولات اقتصادية جوهرية
أفرزها الازدهار الاقتصادي والاجتماعي الذي كانت
بوادره قد بدأت تلوح في أفق المدينة ، وكانت أسعار
الأرضي أخذه في الارتفاع بسرعة كبيرة ، كما كانت
هناك أراضي غير محدد المعالم من حيث الملكية
القانونية والحقوق المتعلقة بها ، ومن ثم واجهت
البلدية الناشئة مشكلة التنسيق بين كل تلك الأمور
والعمل على وضع خطة للمدينة تأخذ في الاعتبار
ضرورة تسوية الأوضاع القانونية لكافة الأراضي ،
والعمل على التنسيق بين المشاريع والأعمال العامة
التي تدور في أنحاء المدينة ، وتحديد المشروعات
المستقبلية الضرورية في ضوء المسح الشامل للمدينة
واحتياجاتها .
قد
شهدت البلدية عدة محاولات منذ إنشائها وحتى عام
1965م حيث تم إعداد خطة متكاملة للمدينة أفضل من
الخطط السابقة ن وعدلت بعض جوانب الخطة في عام
1971م ، استجابة لدواعي النمو المتسارع الذي كانت
تشهده المدينة ، وهي خطة أعدت بمعرفة مسؤولين
محليين بالتعاون مع شركة دوكسييدز أسوشييتس
البريطانية ، وبالتنسيق مع مجموعة من خبراء برنامج
الأمم المتحدة الإنمائي .
أما
على الصعيد الأمني فقد كان البريطانيون يسيطرون
على الكثير من شؤون مشيخات الساحل المتصالح ، بما
في ذلك النظام القضائي ، إضافة إلى ذلك لم تكن
هناك قوات مسلحة نظامية بالمعنى المعروف ، ولكن
كان هناك أتباع مسلحون .
كان
هذا الأمر يعكس ثغرة أمنية في مدن الساحل المتصالح
حيث كانت معرضة لأخطار كثيرة نتيجة غياب تلك
الهيئات ، وبصفة خاصة في وقت تزامن فيه ارتفاع
احتمالية اكتشاف النفط في دبي مع ارتفاع أسعار
الأراضي فيها مما حول المنطقة إلى منطقة جذب هامة
على الصعيد الاقتصادي .
في
بداية الخمسينات قام البريطانيون بتمويل قوات
المجندين للساحل المتصالح ، وكانوا يشكلون حامية
صغيرة متمركزة في المدن والأماكن الرئيسية على طول
الساحل ، وكانت مؤلفة من عدد من الضباط العرب وما
يقرب من خمسين رجلاً من الضباط غير المقلدين
والرتب الأخرى يعملون جميعاً تحت إمرة ضابط
بريطاني من الجيش الأردني ، وكانت تلك القوة في
بادئ الأمر متمركزة في الشارقة ، وكلنها استعدت
فيما بعد لتنتشر في الإمارات السبع على طول الساحل
، وتم افتتاح أول معسكر لقوات المجندين في دبي عام
1952م على أرض تبرع بها الحاكم .
عملت تلك القوات على حفظ الأمن ، جنباً إلى جنب مع
ما كان يعرف باسم القوة الشرطية الداخلية التي
كانت الأولى من نوعها على طول الساحل .
في
عام 1956م ، ونتيجة لضغط من الشيخ راشد ، تأسست
شرطة دبي ، بقيادة أحد الضباط الغربيين ، وقد تم
توفير التمويل اللازم لتأسيس شرطة دبي عبر زيادة
ضريبة الاستيراد بمعدل وحدتي (( أنة )) وهي وحدة
هندية نقدية قديمة تعادل واحداً على خمسين من
الروبية ، وكانت ميزانية الشرطة آنذاك 15000 جنيه
إسترليني تقاسمتها حكومة دبي والحكومة البريطانية
، وقد قامت حكومة دبي بتوفير كافة المنشآت اللازمة
لتلك القوة التي أرتفع عددها لاحقاً ، وقد عمل
الشيخ راشد على حث مواطني دبي وتشجيعهم على
الالتحاق بشرطة دبي ن وفي غضون أشهر قليلة أصبحت
دبي تتمتع بقوة شرطة متخصصة حلت محل دوريات
الحراسة الليلية القديمة ، وفي عام 1960 م كان لدى
دبي مائة وستة من رجال الشرطة المؤهلين ذوي
الكفاءة ، وفي منتصف الستينات قام الشيخ راشد
بتوفير أربعة وعشرين سيارة للشرطة ، وفي عام 1967
بلغ عدد أفراد الشرطة في دبي أربعمائة وثلاثين ،
بينما وص في عام 1975 إلى ألف وخمسمائة شخص ن وفي
تلك الفترة عين الشيخ راشد ابنه محمد بن راشد
مسؤولاً عن الأمن الداخلي .
في
تلك الفترة كان الشيخ سعيد تقاعد بالفعل عن الحكم
مفضلاً ترك الأمور للابن الذي أظهر جدارته بتلك
الثقة ، وكان الشيخ راشد يحرص على أخذ رأي أبيه في
كثير من الأمور ، وبخاصة الرئيسية منها ويعمل
بنصيحته فيها وقد ظل الشيخ سعيد في السنوات
الأخيرة من حياته حريصاً على استقبال المواطنين
حيث كان يجلس معهم على مقاعد خشبية خارج بيت
الشندغة ، كما كان يحرص رغم حالة الضعف العام التي
انتابته ، على مزاولة رياضة الصيد التي كان يحبها
كثيراً فكان يذهب إلى غيران مع ابنه الشيخ راشد
لممارسة تلك الرياضة .
يقول الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم :( كان الشيخان
راشد وخليفة مثل أبيهما الشيخ سعيد بارعين في
الرماية وكان الشيخ راشد معروفاً بدقته ، حتى أنه
ذات مرة كانت جماعة الصيادين على الطريق بين سلسلة
من الجبال عندما شوهد قطيع من الغزلان التي كانت
تجري بسرعة خوفاً من صوت المركبات ذات الدفع
الرباعي ، رمى الشيخ راشد بنفسه من المركبة ووقف
بسرعة وأطلق ست طلقات على ستة غزلان فأصابها كلها
، وكان هذا أبلغ دليل على براعته في الرماية على
هدف متحرك ، وبالطبع أصبحت هذه القصة تروى في
معسكرات الصيد بسنوات عديدة بعد تلك الحادثة ) . |