آل مكتوم / التعمير

في عام 1958 م ن وفي شهر أكتوبر بعد وفاة أبيه الشيخ سعيد أعلن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكماً رسمياً لدبي وكان هو الحاكم الفعلي لها منذ أكثر من عقدين من الزمان ، وقد تم انتقال السلطة إلى الشيخ راشد بسلاسة وهدوء لما كان هناك من إجماع على أحقية الشيخ راشد في خلافة أبيه ، ثم بدأ الشيخ راشد على الفور في خطوات جديه وفاصلة للعمل على تطوير دبي ، حيث قام بعد أشهر من تسلمه الحكم بإصدار مرسوم بتأسيس شركة كهرباء دبي ، كما أصدر أوامره للبدء في العمل في إنشاء مطار دبي ، وكانت مشكلة التمويل هي المشكلة الرئيسية التي قابلت الشيخ راشد ، ولكنه نجح في إقناع مكتب الأمم المتحدة للمساعدات الفنية بتمويل وإدارة عملية مسح شاملة لمصادر المياه ، فقد كان عدد سكان دبي في تلك الآونة عام 1959م قد بلغ حوالي ثلاثين ألف نسمة معظمهم من الوافدين ، ولم تكن مصادر المياه العذبة متوفرة ، وأمر الشيخ راشد بالقضاء على تلك المشكلة في غضون خمس سنوات ، حيث يقول حمد بن سوقات :( كان الشيخ راشد يدرك ضرورة استقدام عمالة وافدة وخاصة على المستويات العليا للمساهمة في تطوير المدينة في المستقبل وكان يعرف أنه لابد أن يوفر المياه والكهرباء إذا ما كان يريد تحقيق ذلك ، وكانت الحكومة لا تزال تواجه مصاعب مالية ، فحاول الشيخ راشد أن يحصل على التمويل بكل الوسائل ، وقد قال لي ذات مرة إن دبي تحتاج إلى بنية أساسية للمحافظة على موقعها كعاصمة تجارية للمنطقة ، وهو أمر أصبح أكثر صعوبة خاصة  مع دخول بعض دول المنطقة عصر النفط ، وكان على ثقة بأنه في وجود البنية التحتية الأساسية يمكن لدبي أن تستفيد من اكتشاف الرواسب النفطية القابلة للاستغلال التجاري خلال فترة زمنية أقل ) .

وقد كانت الحياة البدائية مازالت منتشرة في دبي تقلق الشيخ راشد ، فقد كان المصدر الأساسي للمياه هو بركة كانت تتكون في فترة الشتاء في منطقة الكرامة ، وتجف في الصيف ، وكانت هناك أبار أخرى للمياه العذبة في دبي كبئر قريب من حصن الفهيدي ، وأخر في ديره ، فضلاً عن بئر بالقرب من مستشفى دبي الحالي وآبار أخرى في الجميرة ، وكان السكان يقفون صفوفاً طويلة ولساعات للحصول على نصيب من المياه العذبة ، وكانت الكوليرا والأمراض المتعلقة بالتلوث تظهر في بعض شهور السنة ، وفي عام 1959م تم التوصل إلى اتفاق مع حكومة قطر على أن تقوم بالتمويل وتزويد حكومة دبي بعدد من الخبراء للأشراف على مشروع كبير للحفر حيث كان من المعلوم أن هناك آبار للمياه العذبة في دبي تحتاج إلى من يكشف عنها ، وعلى سبيل المثال فقد كان هناك بئر في منطقة العوير ، وبدأت عملية المسح الجيولوجي ، لدى وصول كبير المهندسين إريك تلوك ، حيث تم فحص مياه بئر العوير عن طريق إرسال العينات إلى قطر والبحرين لفحصها والتأكد من صلاحيتها ، ونتيجة لذلك مرت ثمانية عشر شهراً من الانتظار ، جاءت بعدها النتائج لتؤكد أن البئر يكفي مدينة دبي بأكملها ، وأن مياهه تحتوي على الكثير من المعادن المفيدة للجسم ، وتلا ذلك اكتشاف بئرين في مناطق البدو بالوحوش والهباب ، ومدت الأنابيب الأسمنتية على الفور لتوصيل المياه العذبة إلى كافة أنحاء دبي ، يقول حمد بن سوقات :( كانت المناطق الآهلة بالسكان في دبي تحتاج إلى وقت أطول بتوفير مياه الشرب ، فركز الشيخ راشد على المناطق الأقل تطوراً على أطراف المدينة وتشاور على المترددين على المجلس فيما يتعلق بالمناطق التي يفضل تطويرها مباشرة ، وقد كنا بحاجة إن ذاك إلي المزيد من البيوت والمرافق لأعمال التجارية لكي نواكب التطور ) .

بعد عامين تقريباً كانت إنجازات العقارات في دبي قد بدأت ترتفع بمعدل يفوق معدل ارتفاع الرواتب كثراً ن وبدأ الأمر يشكل ضغطاً على السكان ، ولم يكن الشيخ راشد على استعداد على للضغط على أصحاب العقارات لتخفيض الإيجارات لأنه كان يؤمن بحرية السوق ، فحاول أن يضغط عليهم قليلاً ، ولكنه بدا خطوات عملية لإيجاد حل جزي للمشكلة ، حيث أتجه نظره إلى المناطق الموجودة على أطراف دبي كالسطوه والكرامة ، وبدأ خطة لتعميرها عن طريق تمويلها من إمكانياته الذاتية ، أو عن طرق إهداء أراضي لأشخاص قادرين على البناء مع إعطاء أولوية للإسكان ذي الإيجار المنخفض ، وقد أشترط على من أهداهم الأرض أن يقوموا بالبناء فوراً ، وكان يتابع بنفسه أعمال البناء والتشييد ، يقول زكريا الدولة :( عندما أتخذ القرار ببدء التشييد في منطقتي السطوه والكرامة قرر الشيخ راشد إعطاء الأولوية للمساكن ذات الإيجار المنخفض وتابع ذلك الأمر عن كثب ، فكان يعطي مساحات الأراضي لمن يعبر عن رغبته في البناء ولكنه كان يصر على بدء البناء فوراً ، فإذا تعهد شخص ما بالقيام بالبناء ، كان عليه أن يفي بوعده وكان الشيخ راشد يتابع سير الأعمال على موقع كل  أرض قام بإهدائها ، وكان هناك بعض الناس الذين تقاعسوا عن البناء ، وبالرغم من ان الشيخ راشد لم يكن شخصا يسترد ما أهداه من قبل ، إلا انه كان يقرر عدم التعامل بمثل هذا الكرم مع كل من خذله ، وكنتيجة للعمل المتواصل في التشييد والبناء في منطقتي السطوة والكرامة ، والقصيص ، بدأت مواد البناء تشح في الأسواق وارتفع سعرها كثيرا وخاصة الاسمنت ، وتوقف العمل في كثير من المواقع ، فأرسل الشيخ راشد إلى بومباي عددا من مساعديه لشراء ثلاثة آلاف طن من الاسمنت التي بمجرد وصولها إلى دبي إلى اعتدال الأسعار وعودة العمل مرة أخرى ، وأصبحت ضواحي المدينة تتمتع بالمياه الجارية والكهرباء دون باقي المدينة التي كانت تعيش على الكيروسين والشموع ، وتمتعت الضواحي بالمكيفات والثلاجات ، وأنشئت شركة كهرباء دبي في ديرة في عام 1959م ، برأس مال أولى قدره ثلاثة ملايين روبية ، وتم تشييد أول محطة كهرباء بطاقة تبلغ ثلاثمائة وستين كيلو واط . كما تم شراء مهماز بقوة 6ر6 كيلو واط لتغذية مطار دبي الدولي ، وتم إنشاء أول مولد تابع لشركة كهرباء دبي في ديرة وبدأ إنتاجه عام 1961م ، ونجحت شركة كهرباء دبي في توصيل الكهرباء الى عدد من المستهلكين في غضون ستة أشهر ووصل العدد إلى حوالي 2500 مستهلك عام 1962م ، وهكذا مع تواصل عملية التطوير لمنطقتي السطوة والكرامة تم استكمال بناء أول مشروع لتزويد دبي بالمياه في يوليو 1961م ، وتم مد خد أنابيب رئيسي من العوير إلى رأس الخور  ، وقد استخدم فيما بعد لربط المناطق المختلفة بالمركز الرئيسي لإمداد المياه ، وبعد بضع سنوات كان قد تم تزويد كافة منازل دبي بالمياه الجارية مجانا ، ووصلت قوة الضخ إلى مليون جالون يوميا . 

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية