|
كان
الشيخ راشد في منتصف الخمسينات يعتبر أن هناك فرصة
ضاعت على دبي حينما استجاب والده الشيخ سعيد قبل
عشرين سنة إلى آراء من عارضوا بناء مطار دولي في
دبي التي كانت حتى ذلك الحين تعتمد على الطائرات
البرمائية منذ الثلاثينات ، وكان يسعى إلى تعويض
تلك الفرصة ، وكان الشيخ سعيد قد استطاع إقناع
شركة إمبريال آيرويز التي عرفت فيما بعد بالخطوط
الجوية البريطانية بجدوى توقف طائراتها في دبي
خلال رحلتها إلى بومباي وتعهد بان يملأ بعض
المقاعد من دبي ولو اضطر إلى دفع الأجرة من جيبه
الخاص ، وكانت بريطانيا في بداية الثلاثينات قد
عرضت على عدد من الساحل المتصالح إنشاء مطار بها
لتستخدمها القوات الجوية الملكية ، وكان الشيخ
سعيد ونجله الشيخ راشد مرحبين بالأمر ولكنهما لقيا
معارضة رافضة للفكرة ، وانتهز الشيخ سلطان بن صقر
القاسمي حاكم الشارقة الفرصة وأقام المطار في
مشيخته ، سعياً لإنعاش الشارقة التي كانت تعاني من
الركود الاقتصادي ، وبناء على ذلك استطاع الشيخ
سلطان إقناع البريطانيين بتحويل خط سير السفينة
التي كانت تقل البريد والتي تصل ساحل دبي مرة كل
أسبوعين إلى الشارقة بدلا من دبي .
وفي
عام 1937م، وافق الشيخ سعيد على قيام شركة امبريال
ايرويز لدبي كقاعدة تتوقف فيها طائراته البرمائية
في رحلتها من بغداد إلى بومباي. وكان هذا محاولة
للحاق بالفرصة الضائعة التي اغتنمتها الشارقة،
يقول محيي الدين بن هندي مدير عام دائرة الطيران
المدني بدبي سابقا: (كانت فكرة إنشاء مطار في دبي
تراود الشيخ راشد لمدة طويلة، فقد كان يرى أن
المطار سيسهم في جعل دبي مركزا إقليميا، خاصة وأنه
أصبح من الواضح منذ منتصف الخمسينات أن التجارة
كانت آخذة في استخدام النقل الجوي أكثر فأكثر،
وكان الشيخ راشد على اطلاع وكان يدرك تأثير المطار
على دبي، كما كان يعرف أن سياسة السماء المفتوحة
ستجعل من دبي مركزا إقليميا لحركة الطيران).
كان
عدم وجود مطار في دبي يشكل حرجا لحكومة دبي فضلا
عما كانت تخسره دبي على الصعيد التجاري جراء ذلك،
فقد كانت هناك حصص من المقاعد المحدودة المخصصة
لركاب دبي على متن رحلات طيران الخليج التي كانت
تشغل رحلاته من مطار البحرين وتمر بمطار الشارقة،
وفي الخمسينات ازداد عدد الركاب، ووصل الأمر إلى
أن حد الشيخ راشد استبقى ضيوفا بريطانيين في دبي
بعد انتهاء زيارتهم لعدم وجود مقاعد على الطائرة،
وفي مساء أحد الأيام وبعد توليه الحكم عام 1958م
أعلن الشيخ راشد في مجلسه عن رغبته في بناء مطار
بدبي، وتم الاختيار بين قطعتي أرض إحداهما في
القصيص والأخرى في جبل علي، ووقع الاختيار على
القصيص لقربها من دبي، وخاصة بعدما وجدت تربتها
مناسبة لبناء المطار، وبدأ العمل خلال شهور، من
أجل بناء المدرج البالغ طوله ستة آلاف قدم كمرحلة
أولى للتشييد.
وأنجز المدرج في التاسع عشر من مايو عام 1959م
وتمت تجربة المدرج باستخدام إحدى طائرات شركة
طيران الشرق الأوسط من طراز دوفز، وأجريت التجربة
عدة مرات، وشارك في إحداها الشيخ راشد، وأعلن عن
صلاحية المدرج للاستخدام، وعن بدء تسيير خط جوي
للشرطة إلى دبي فور افتتاح المطار بشكل رسمي، وبعد
مناقشات مطولة، طرح اقتراح بقيام الشارقة ودبي
بإنشاء مطار مشترك بينهما، وأبلغ الشيخ راشد
المفوض السياسي البريطاني عن رفضه للمقترح، وعن
عزمه إنشاء مطار خاص بدبي، وعن ترحيبه بطائرات
القوات الجوية الملكية في المطار، ووافقت بريطانيا
على تول مسؤولية الطيران المدني وفقا لاتفاقية
شيكاغو العالمية للطيران المدني.
كان
مشروع تشييد المطار مشروعا ضخما استوعب عددا كبيرا
من العمالة الحرفية التي كانت في دبي والتي عملت
سابقا في تجارة اللؤلؤ المنهارة من نجارين وأصحاب
حرف، ونتيجة لتزامن المشروع مع مشاريع إنشائية
أخرى عملاقة، تم جلب عدد من العمالة الوافدة من
الهند وباكستان، حتى أنه تم الاستعانة بسجناء من
سجن نايف لإنجاز السياج المحيط بالمطار، ويقول
المهندس عبد الغفار الميمني أحد أقرب أعوان الشيخ
راشد : (كان الشيخ راشد يصافح العمال ويتحدث معهم
خلال تفقده لمواقف العمل، وكان يوزع الهدايا على
العمال ويحرص على توصيل الطعام لمواقع العمل
البعيدة، كما كان يشرف بنفسه على الأعمال المتعلقة
بسلامة وصحة العمال، فإذا أصيب عامل أثناء العمل
كان يحرص على نقله إلى المستشفى، وحدث في عدة مرات
أن نقل العامل المصاب إلى المستشفى بسيارته
الخاصة) .
وعن
متابعته للعمل بنفسه عن كثب يقول سيف بن أحمد
الغرير: (بالرغم من أن عددا من الرجال الذين كان
يثق بهم الشيخ راشد كانوا يتابعون العمل في مواقع
البناء، إلا أنه كان يقوم باتخاذ القرار النهائي،
وكان هو يفضل هذا الأسلوب، فبعد أسابيع قليلة من
بدء المشروع وجد الشيخ راشد نفسه ممزقا بين
مسؤولية حضور المجلس في المساء وبين متابعة أعمال
إنشاء المطار وضرورة تواجده من أجل توقيعه على
عقود مختلفة متعلقة بالعمل، وكان من الواضح أن
مشروع إنشاء المطار كان أقرب المشاريع إلى قلبه)،
والمثير للدهشة هو البساطة التي كان الشيخ راشد
يتعامل بها، حتى أنه اتخذ من كوخ أقامه أحد
المقاولين بجوار المدرج مقرا للتشاور في العمل،
وفي الثلاثين من سبتمبر عام 1960م افتتح الشيخ
راشد رسميا مطار دبي الذي كان عبارة عن مبنى صغير
وبرج مراقبة مع أول سوقين حرتين في منطقة الساحل
المتصالح، وضم المطار لأول مرة في الساحل أيضا
موقفا للسيارات يكفي خمسمائة مركبة، ولم يكن هذا
الموقف يستخدم آنذاك، ولكن بعد مرور حوالي عشر
سنوات، احتاج الموقف إلى التوسعه.
بافتتاح مطار دبي وضعت قواعد البيئة الأساسية
للإمارة، وفي أواخر عام 1961م كانت هناك 12 رحلة
جوية تصل إلى دبي أسبوعيا، فيما تصل إلى الشارقة
رحلتان وأبوظبي رحلتان.واتخذت العديد من شركات
الطيران دبي محطة لها مثل طيران الخليج والخطوط
الإيرانية والسعودية. كما بدأت شركة طيران الشرق
الأوسط اللبنانية تخطط للنزول في دبي، ومع توسع
حركة الطيران قرر الشيخ راشد في عام 1961م إجراء
المزيد من التوسعة للمطار لكي يستقبل الطائرات
النفاثة.
ومثلما كان هناك اهتمام بالمطار، اهتمت دبي أيضا
بمينائها الذي يعتبر عصب اقتصادها، وكان مشروع
تحسين الميناء قد أنجز فعليا بنهاية عام 1960م،
وأصبحت القناة العميقة التي أنشئت جاهزة
للاستعمال، كما أحرز العمل في توسعة رصيف الجمارك
تقدما جيدا، وكانت تجري عمليات ردم للبحر واستصلاح
المزيد من الأراضي لتوسعة أماكن تفريغ البضائع،
وخلال أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر رسا ما مجموعه
79 سفينة في ميناء دبي، 51 منها بريطانية، وتم
تفريغ أكثر من 25 ألف طن من الحمولة، وفي الوقت
الذي كانت تجري فيه عملية توسعة وتعميق الميناء
كانت تجري في الوقت نفسه عملية تعميق الخور الذي
يعتبر الرئة التي تتنفس منها المدينة، فالخور
الممتد داخل اليابسة عدة كيلومترات يعتبر مرسى
أساسيا للسفن الصغيرة التي تأتي محملة بالبضائع من
كل مكان.
أما
خدمة الهاتف التي بدأت عام 1960م فقد شهدت إقبالا
من السكان حيث وصلت الأعداد إلى أكثر من 500 مشترك
بنهاية عام 1961م، وفي عام 1962م كان عدد
المشتركين قد وصل إلى 700 وأخذت الشركة تفكر بمد
خدماتها إلى الشارقة.
ولم
يكد عام 1964م ينتهي حتى كانت دبي قد استكملت جزءا
كبيرا من المرافق بعد أن أقيم جسر يربط بين قسمي
المدينة وتم إنجاز 49 كيلومترا من الطرق المعبدة،
وردم واستصلاح أراض تقدر مساحتها بسبعة ملايين قدم
مربع أخذت من الخور لتوسيع الرقعة التجارية،
وانتشرت المكاتب والمحال والبنايات والميادين
الحديثة، وأصبح الخور يستقبل السفن التجارية
والحاويات المختلفة بعد تعميقه.
بدأت خدمة النقل الجوي تتحسن بعد أن اقنع الشيخ
راشد شركة برتيش إيرويز أوفر سيز باستخدام طائرات
أكبر حجما، وقد رفضت الشركة في بادئ الأمر، ولكنها
اقتنعت وقامت بتشغيل طائرة واحده، ثم أضافت إليها
أخرى بعد مضي عام واحد. ومع ازدياد حركة النقل
الجوي كانت هناك حاجة إلى تطوير سبل إقامة زوار
دبي، فكانت الطاقة الفندقية في دبي عام 1957م
منعدمة، وكان زوارها من موظفي النفط يقيمون في
مساكن زملاء لهم في دبي، أما الزوار السياسيون أو
التجار فكانوا يقيمون في حصن الشارقة أو في فندق
الخليج في مدينة البحرين، ولم تكن تلك الصورة ترضي
الشيخ راشد، فقام في عام 1959م بتشييد فندق الخطوط
الجوية وكانت عبارة عن بناية ذات طابقين ومكونة من
ثمانية غرف، وكانت فندقا إلى جانب من الفخامة،
وتتوفر به المياه الجارية عبر خزان للمياه، ويضاء
بلمبات الكيروسين، ثم توسع الفندق وأصبح يتكون من
خمس وثلاثين غرفه. وكان الفندق تحت إدارة أحد كبار
الموظفين الهنود ويدعى ر ل لولا، حيث كان يعمل في
مطار الشارقة وتعرف عليه الشيخ راشد هناك وألحقه
بالعمل في مطار دبي بعد ذلك، وفي عام 1968م قام
الشيخ راشد ببناء فندق امباسادور في بر دبي وكان
مؤلفا من خمس وأربعين غرفة، ثم بنى فندق كارلتون
بواسطة القطاع الخاص وكان مؤلفا من خمس وثمانين
غرفة. |