آل مكتوم / الاتحاد

بعد انسحاب البريطانيين من الهند عام 1947، كانوا لا يزالون يسيطرون على عدد من البلدان في الشرق الأوسط، وكان المد التحرري قد بدأ يجتاح العديد من المناطق العربية، وفي مصر قاد الزعيم جمال عبد الناصر حركة القومية العربية التي لم  تكن دبي وإمارات الخليج بمنأى عنها، حتى إن الشيخ راشد في أعقاب حرب السويس ترك المظاهرات الغاضبة تخرج في الشوارع تعبيرا عن رفض أهل دبي والخليج للعدوان الثلاثي على مصر وقد نقل الشيخ راشد اعتراضه بكل قوة  إلى المفوض السياسي البريطاني على هذا الاعتداء المتعجرف من قبل البريطانيين، وكذلك فعل باقي باقي حكام الساحل المتصالح.

لقد تأثر حكام الساحل المتصالح شأنهم شأن سائر الحكام العرب برياح القومية العربية التي اجتاحت المنطقة وأذكت في النفوس روح التحرر من الاستعمار، وكان الشيخ راشد رجلا يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويدرك أنه حان الوقت أن تنال دبي حق تقرير مصيرها دون تدخلات من بريطانيا، وكان حكام الساحل المتصالح قبل ذلك بسنوات، وفي إطار إدراكهم لكل تلك الحقائق، قد اجتمعوا وأصدروا إعلان حقوق، وهو يشكل أول خطوة مشتركة يقوم بها حكام الساحل المتصالح في وقت السلم، وقد جاء معبرا عن إدراكهم القوي لمتطلبات المرحلة الهامة في تاريخ المنطقة والعالم الذي كان يموج بالنزاعات التحررية من شرقه وغربه، وخلال الفترة من عام 1961م بدأت الاجتماعات التشاورية بين حكام الساحل المتصالح، وشهدت تلك الفترة رحلات مكوكية للشيخ راشد من أجل إقناع باقي الحكام بالفكر وخلق الأرضية المناسبة لها، وفي عام 1964م قام الشيخ أحمد والشيخ عيسى والشيخ شخبوط بزيارة دبي لإجراء مباحثات مع الشيخ راشد حيث كانت أفكاره قد نالت اهتماما كبيرا من جامعة الدول العربية، فقد كان سيد نوفل أمين عام الجامعة يؤيد النموذج الذي يقترحه الشيخ راشد للاتحاد، وقامت الجامعة في تلك السنة بدعم خطة تم تقديمها لتوحيد مشيخات الساحل المتصالح ضمن ما سمي بـ (الصندوق العربي) الذي يعد إحدى محاولات التوحيد التي شهدها العالم العربي. وقد حرص الشيخ راشد على التأكيد على ضرورة اقتناع كل حاكم من حاكم مشيخات الساحل المتصالح بفكرة الاتحاد تحمل في طياته وبالتبعية تنازلا من كل منهم عن قدر من سيادة وسلطة مشيخته لصالح المجموع، وهو أمر ليس باليسير ولكنه كان ضروريا لوضع المنطقة على بداية الطريق السليم سياسيا.

لقد كانت مشيخات الساحل المتصالح في عام 1964، وبعد مرور 12 عاما على تأسيس مجلس مشيخات الساحل المتصالح، لا تزال تعاني قدرا كبيرا من انعدام التنسيق، وضعف التعاون فيما بينها، كما كانت الآراء مختلفة حول عديد من القضايا، مما أدي إلى تشتيت الجهود وذهابها سدى، وكانت مسألة الاتفاق حول جوازات السفر وتأشيرات الدخول مسألة شائكة بعض الشيء، وبخاصة بعد أن صارت كل من أبوظبي ودبي منطقتا جذب للعمالة الوافدة. وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة التي لم تتوقف محاولات تحقيق الاتحاد بين الإمارات السبع، وقد تم الاتفاق على  إنشاء قسم مشترك لتأشيرات الدخول يكون مقره في دبي التي كانت تتمتع في تلك الفترة بجهاز إداري حكومي متطور على استعداد للقيام بتلك المهمة بكفاءة عالية.

في تلك الفترة كانت الجامعة العربية تدعم بكل قوتها فكرة قيام الاتحاد وتحاول التأثير من أجل إتمامها، كما بدأت المنافسة التقليدية بين كل من دبي والشارقة تخف حدتها لتفسح مجالا أمام قدر أكبر من الود والألفة بين الإمارتين، وهو الأمر الذي مهد فيما بعد الطريق أمام قيام الاتحاد. وفي نفس الفترة كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ممثلا للحاكم في المنطقة الشرقية، وكان معروفا بذكائه السياسي وانفتاحه، كما كان يحظى باحترام كل من تعامل معه، ويملك خلفية سياسية متينة، وكان الشيخ زايد يؤيد فكرة الاتحاد التي لم يكن يحبذها الشيخ شخبوط حاكم أبو ظبي، حيث كان يؤيد بقاء الوضع على ما كان عليه، ومن ثم عقدت الآمال على أن يقوم الشيخ زايد بإقناع أخيه حاكم أبو ظبي بفكرة الاتحاد، وفي الوقت ذاته كان الملك فيصل الذي تولى الحكم في السعودية يؤيد فكرة قيام الاتحاد ويرحب بها ، وقد زاره الشيخ راشد ولقي منه ترحيباً جماً وناقش معه الفكرة بتوسع ، وبدا واضحاً أن الشيخ شخبوط أصبح أكثر أستجابة للفكرة من ذي قبل ، وتم تأسيس قواعد جديدة لمجلس مشيخات الساحل المتصالح في عام (1956) م ، حيث عقد اجتماع حضره قادة المشيخات السبع إضافة إلى حاكم البحرين وقطر وبعد عام من هذا الاجتماع كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد أصبح حاكماً لأبوظبي وهو كما أسلفنا كان يؤيد فكرة الاتحاد وقد أعطي للأمور دفعة قوية في هذا الاتجاه كما كان الشيخ خالد بن محمد القاسمي قد أصبح حاكماً للشارقة الذي كان على علاقة طيبة بالشيخ راشد ومؤيداً أيضاً لقيام الاتحاد وبالتالي أصبح المجلس يضم عناصر أكثر انسجاماً .
في تلك الآونة كان النفوذ البريطاني في المنطقة أخذ في الانحسار أمام معطيات عالمية جديدة بدأت تفرض نفسها ، فعلي سبيل المثال كان أانتشار حركات التحرر في كافة أنحاء العالم في الأربعينيات والخمسينيات عاملاً مؤثراً في إيقاظ الوعي القومي لدى أبنا الخليج ، وفي نفس الوقت كان ازدياد النفوذ الأمريكي يؤثر على مركز بريطانيا كقوة عظمي في العالم كذلك كان هناك نوع من الاهتمام العربي الذي بدا ينصب على منطقة الخليج التي لقيت دعماً مالياً وسياسياً من دول كالكويت ومصر والسعودية فضلاً عن الاهتمام المتزايد من قبل جامعة الدول العربية التي تابعت اجتماعات مجلس مشيخات الساحل المتصالح في السنوات الأخيرة بترقب ، كل هذا عجل بدفع المنطقة إلى لعب دور أبرز في المنظومة العربية .

وفي 16 يناير عام (1968) ، ونتيجة للمتغيرات العالمية الكبيرة أدركت بريطانية أن وجودها في المنطقة لم يعد يجدي نفعاً ، فقررت سحب قواتها من منطقة الخليج وكان الخبر مفاجئاً لحكام المنطقة وبات من المتعين عليهم التفكير بسرعة تتناسب مع سرعة تطور الأحداث من حولهم ، وكانت هناك ضرورة إلى الإسراع في اتخاذ خطوات أكثر شمولاًَ على طريق الاتحاد ، فبعد انسحاب القوات البريطانية الذي كان من المقرر أن يستكمل بحلول عام (1971) م ازدادت الدوافع إلى قيام الاتحاد فانسحاب القوات البريطانية كان من شأنه أن يخلق فراغاً أمنياً لم تكن الإمارات السبع على استعداد للتعامل معه بوضعها الحالي . كما انه كان من الضروري تأسيس كيان قوي موحد من الإمارات السبع يكون قادراً على التعامل مع معطيات الوضع الجديد الذي سيعقب انسحاب القوات البريطانية ، حيث لم تكن أي من الإمارات حتى ذلك الحين تتمتع بوصف الدولة بالمعنى المعروف دولياً . يضاف إلى ماتقدم الأطماع الإيرانية في الجزر الإماراتية الثلاثة أبوموسى ، وطنب الكبرى ، وطنب الصغرى ، وهو أمر لم يكن من الممكن مواجهته بشكل انفرادي .

 هنا قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بإطلاق الدعوة إلى الاتحاد ، وأرسل خريطة أبوظبي إلى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي وطلب إليه أن يرسم بيديه الحدود التي يراها لأبوظبي في إشارة واضحة إلى عدم اعترافه بالحدود المصطنعة التي افتعلتها القوى الاستعمارية في المنطقة وإلى أن الرغبة في الاتحاد تتخطي تلك الحدود وفي 22 يناير عام (1968)م تم إعلان الاتحاد بين كل من أبوظبي ودبي بعد أن لبى الشيخ راشد دعوة أخيه الشيخ زايد وزار أبوظبي واستعراض الحاكمان كافة السبل اللازمة لدعم التعاون والتنسيق بينهما على كافة الصعد كما تم الإعلان عن تعبيد الطريق بين الإمارتين عملاً على إتمام عملية الربط بينهما ، تم التوقيع على وثيقة الوحدة في فبراير عام (1968) ، ونصت الوثقية على اشتراك الإمارتين في إدارة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن والخدمات الاجتماعية وشؤون الهجرة والجوازات ، وكان التوقيع في منطقة بالقرب من غنتوت بين أبوظبي ودبي ، ومن هناك وجهت الدعوة إلى حكام باقي الإمارات وحاكمي قطر والبحرين إلى الانضمام للاتحاد ، وفي فبراير عام (1968) م عقد حكام الإمارات المتصالحة وحاكما قطر والبحرين مؤتمر قمة في دبي أسفر عن إصدار بيان مفادة قيام اتحاد بين حكام الإمارات التسع باسم ( اتحاد الإمارات العربية ) واشتمل البند الاول من تلك الاتفاقية على مجمل أهدافها حيث نص على مايلي :-

1. ينشأ اتحاد الإمارات العربية في الخليج العربي من الإمارات المتعاقدة ويسمى ( اتحاد الإمارات العربية ) .
2. يكون الغرض من هذا الاتحاد هو توثيق الصلات بين الإمارات الإعضاء وتقوية التعاون بينهما في كل المجلات وتنسيق خطط تقدمها ورخائها ودعم احترام كل منها لاستقلال الأخرى وسيادتها وتمثيلها الخارجي وتنظيم الدفاع عن بلادها صيانة لأمنها ومحافظة على سلامتها والنظر بصفة خاصة إلى شؤونها ومصالحها المشتركة بما يكفل بلوغ أمانيها وتحقيق آمال الوطن العربي الكبير قاطبة ، ونصت الاتفاقية على أن يكون يوم 30 مارس عام (1968) هو يوم تفعيل الاتفاقية ، ولكن نتيجة الخلاف حول بعض النقاط والقضايا تاجل اجتماع المجلس الأعلى للاتحاد إلى 25 مايو (1968) ، ولكن لم يتم التغلب على الخلاف الذي كان ما يزال قائما ، واستمرت اللقاءات والاجتماعات بين حكام ومسؤولي الإمارات التسعة عام (1971) م دون تقدم يذكر ثم تراجعت إمكانية قيام الاتحاد بين الإمارات التسعة ، ولم تستمر قطر والبحرين اللتان أعلنتا استقلالهما بينما ظلت الإمارات السبعة على إصرارها على قيام الاتحاد ، وفي 28/يونيو عام (1971) وجه كل من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الدعوة إلى عقد مجلس حكام الإمارات المتصالحة وتحويل مكتب تطوير الإمارات إلى حكومة إتحادية ، وكان المكتب قد بدأ اجتماعات بشكل فعلي منذ 25 يونيو لإعداد الدراسات المتعلقة بإتمام الاتحاد السباعي فيما يتعلق بشؤون الامن الداخلي وقوة الدفاع ومسائل الجنية والجوازات ، وإقتراح جدول أعمال لا جتماع الحكام الذي اقترح أن يتم في 5 يونيو عام (1971) .

يقول السيد مهدي التاجير سفير الإمارات السابق لدى المملكة المتحدة (تضافرت جهود سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له الشيخ راشد لبناء الإتحاد وقد كان سموه يردد ويؤمن بأن تأسيس دولة الإتحاد من أهم الضمانات للإحتفاظ بعروبة الخليج ) ، ثم في خطوة إلى الامام أقترح الشيخ راشد وضع دستور مؤقت للإمارات السبع المتصالحة ، وبأت الاتحاد بين الإمارات السبع أقرب إلى التحقق ، وفي يوليو عام (1971) م عقد أجتماع لمجلس الإمارات المتصالحة في دبي وتم خلاله التوصل إلى اتفاق بتكوين اتحاد جديد برئاسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يضم كافة الإمارات السبعة باستثناء راس الخيمة ، وحددت مدة الاتحاد خمس سنوات قابلة للتجديد واختيرت أبوظبي عاصمة له وأجريت بعض التعديلات على مشروع الدستور المؤقت الذي كان قد اعد في الاصل للاتحاد الموسع ، وكذا أصدر المجتمعون في دبي في 18 يوليو (1971) م بياناً يعلن قيام الاتحاد الجديد الذي يضم الإمارات الست باسم الإمارات العربية المتحدة في 30 نوفمبر والاول والثاني من ديسمبر عام (1971) م أعلن رسمياً عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة التي ضمت الإمارات الست المشار إليها وانهيت كافة المعاهدات الخاصة التي كانت تربط هذه الإمارات مع بريطانيا ، وانتخب حاكم أبوظبي رئيساً للدولة الجدية ، وحاكم دبي نائباً للرئيس وتم تعيين ولي عهد دبي رئيس وزراء لحكومة الاتحاد وفي السادس من ديسمبر من نفس العام أنضمت الإمارات العربية المتحدة لتصبح العضو رقم (18) في الجامعة كما أنضمت إلى الامم المتحدة في التاسع من نفس الشهر لتصبح العضو رقم (123) في تلك الهيئة وفي 23/12/ 1971م تقدمت إمارة رأس الخيمة بطلب الانضمام للاتحاد وقبلت عضويتها في 10/2/1974م ليكتمل بذلك بنيان اتحاد الإمارات العربية .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية