|
على
الرغم من أن عائدات النفط في السبعينات كانت قد
بدأت تدر على دبي دخلاً عالياً استطاعة من خلاله
أن تقوم بتمويل الكثير من المشروعات التنموية
الضخمة ، بدأت الآبار المنتشرة في أنحاء دبي في
البوح بما في باطنها ، إلا أن الشيخ راشد لم يكن
ليركن لفكرة الاعتماد على عائدات البترول وحده ،
كان لديه أعتقاد كبير في ان دبي هي مدينة تجارية
في المقام الاول ، وبعد ذلك تاتي المقومات الأخرى
، ولذا فقد حرص شانه شان سائر أسرة آل مكتوم على
تنويع مصادر دخل دبي وجعل من التجارة في مقدمة تلك
المصادر .
وفي
هذا السياق برزت في راسه فكرة إنشاء ميناء جبل علي
، فإثرة حرب عام (1967) م ، أغلقت قناة السويس
وتحولت أغلب حركة السفن إلى طريق راس الرجاء
الصالح ومنه إلى دبي . وزاد الضغط كثيراً على
ميناء راشد وميناء الحمرية الذي كان قد جرى إنشاؤه
وتوسيعه ، وزاد الضغط أيضاً على الخور وبدات السفن
تنتظر فترة تصل إلى 4-6 شهور للوصول إلى المرسى ،
وكانت الزيادة في الضغط تتراوح بين 30 إلى 53 %
بمعدل (726) سفينة واردة و (693) مغادرة في الشهر
والواحد وفي عام (1972) م أعلن الشيخ راشد لمن
حوله عن عزمه إنشاء ميناء عملاق في منطقة جبل علي
وهي منطقة تقع على بعد (35) كيلو مترا من دبي
واعلن الشيخ راشد عن نيته تلك لخليفة النابودة
مدير جمارك دبي في حينها وعندها تعجب خليفة
النابودة من هذا الخبر ولم يكن يعتقد ان الشيخ
راشد يريد بالفعل أن يقوم بهذا لامر ولكنه فوجئ
بالعكس فأبلغ الشيخ راشد بأن دبي مايكفي من الطاقة
الاستيعابية من الموانئ وعلى راسها ميناء راشد ،
ومن الممكن توسعة الميناء ليصبح ذا طاقة أكبر ،
ولكن الشيخ راشد لم يكن ينظر إلى السنوات القريبة
القادمة ، ولكن كان ينظر إلى دبي بعد عدة عقود ،
وقد أبلغ مدير الجمارك بهذا الأمر واطلع راشد
مستشاره نيفيل ألن على مايدور في راسه واخذه إلى
الموقع وأشار إلى المكان الذي يريد إنشاء الميناء
فيه وطلب إليه وضع تكلفة تقديرية للمشروع .
يقول خليفة النابودة أحد أهم رجال الاعمال بدبي (
لقد كنت من المعارضين لبناء مشروع ميناء جبل علي
وذلك لكثرة الاماكن التموفرة لرسو البواخر بميناء
راشد فذكرة لسموه أنه لايوجد احتياج لبناء ميناء
جديد فرد رحمة الله عليه قائلاً : لدينا نقود
البترول يجب أن لا ننظر إلى ماتحتاجه دبي ألان
ويجب أن نعمل شيء يلبي احتياجاتنا في المستقبل )
وكانت منطقة جبل علي قد برزت في عهد التنقيب عن
النفط عام (1950) ، حيث جرى حفر بئر فيها ولم يعط
أية نتيجة فتوقفت شركة النفط عن عملية التنقيب
وتحولت إلى المناطق البحرية واستغل جبل علي كمركز
للاتصالات والاقمار الصناعية بسبب ارتفاعه عن سطح
ونسي الجميع أم هذه المنطقة إلا الشيخ راشد، ويشير
نيفيل ألين إلى ان الشيخ راشد كان دائماً ما يقول
انه كان يريد إنشاء ميناء كبير جداً يشبه ميناء
الجبيل أو ميناء ينبع، وكانت فكرته توحي أنه يريد
إقامة ميناء صناعي، لأن ميناء راشد كان يتعامل في
البضائع المستوردة لاستخدام المدن، ولم تكن هناك
مساحة متاخمة له يمكن استغلالها لإنشاء أو إقامة
صناعات ما، وعليه اخبر الشيخ راشد نيفل ألين
برغبته تلك في فجر أحد الأيام بعد أن أيقظه في
الخامسة صباحاً وطلب إليه اللحاق به في منطقة جبل
علي، وهناك شرح له الفكرة، تم البدء على الفور في
التخطيط لبناء ميناء جبل علي، ويقول سلطان بن سليم
نجل أحمد بن سليم أحد المقربين من مجلس الحكم،
والذي أصبح فيما بعد رئيس مجلس إدارة منطقة جبل
علي (كان الشيخ راشد يشعر بأن منطقة جبل علي يمكن
أن تصبح اقرب إلى المدينة في حالة توفر وسائل
المواصلات والطرق الجيدة، وفي نفس الوقت هي بعيدة
عن المدينة بما فيه الكفاية لأن تكون منطقة تصنيع
وقد كان مقرراً ان تصبح منطقة جبل علي مجمعاً
صناعياً هائلاً، وأن تساعد على تنويع اقتصاد دبي
دون الاعتماد على النفط، والأمر المهم جداً هو أن
تجذب المزيد من الأعمال التجارية على الإمارات).
يقول عبدالله صالح، المسؤول الأعلى في بنك دبي
الوطني حينئذ أنه في بادي الأمر قوبلت الفكرة بشيء
من الشك في المجلس حيث كان معظم المتواجدين يعتقد
أن فكرة .
إنشاء ميناء خارج دبي وفي منطقة كهذه فكرة متهورة
ولم تكن تلك هي المرة الاخيرة التي يثبت فيها
الشيخ راشد انه كان على حق تماماً .
كانت المنطقة التي بني فيها الميناء تستخدم من قبل
السلاح الجوي الملكي البريطاني لاطلاق الصواريخ .
ويكمل نفيل ألين بعد أن استدعاه الشيخ راشد في
الخامسة صباحاً : (اخذنا جولة بالسيارة حول
المنطقة ومن ثم أعلمني بحجم الميناء الذي ينوي
إقامته . وطلب إلى أن أقدر تكلفة إنشائه في الحال
إن جواباً مثل هذا يتطلب أسابيع من العمل للحصول
عليه ولكنه أصر على أن أعطيه رقماً تقريبياً
لتكلفة المشروع ، يبد أن الامر لم يكن في غاية
الصعوبة لأنني كنت أعلم أن المنطقة صخرية والمياه
العميقة كانت على بعد (18) كيلو متراً من اليابسة
واعتقدنا أن الارض صلبة لأن جبل على يتكون من
الأحجار الجيرية ، وبناءً على ذلك أعطيته التكلفة
التقريبية فأجاب انه سوف يقيم الميناء هنا ، إلا
أن نصيحتي له أنني لم أري سبب جوهري ببناء ميناء
بهذا الحجم لأنني لم أفهم الحاجة لبنائه لكن الشيخ
راشد أجابني ( إنني أعلم بما أقوم به ) ولكن
السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان حسبما يقول السيد
و.ر. دف . هو من الذي سوف يسكن هذه المنطقة الذي
ينتظر أن تستوعب نصف مليون نسمة ؟ لن يكونوا
بالطبع عرباً حيث لايغطي عددهم مدينة دبي نفسها
كل تلك الاسئلة وما شبهها لم تكن تقلق الشيخ راشد
فهو كما قلنا في بداية الكتاب يطل على الامور من
زاوية لا يتسنى للكثيرين الاطلاع على الامور منها
، وبالتالي لم يشغل نفسه كثيراً بالبحث عن إجابات
للأسئلة التي كانت تعكس الحاجة إلى مزيد من الفهم
وبعد النظر ولقد كان الرجل يدرك أن ثروة النفط
التي تدفقت على دبي نعمة يجب أن تستغل في تطوير
المدينة ووضع بنية تحتية صخمة فيها تجعلها قادرة
على الاستمرار في ظل اقسى الظروف واشدها سواءا لم
يكن الرجل يريد أن تتحول دبي في يوم من الايام إلى
مدينة تتشدق بذكريات الايام الخوالي حين كان
البترول تدفق والاموال تأتي من كل جانب ، لقد عرف
الرجل وآباءه واجداده من قبله شظف العيش وخبروا
جيداً معنى قلة الموارد ، وادركوا أنهم يجب أن
يقفوا على أقدامهم ليتحولوا إلى مانحين لأ مقترضين
وليوفروا قدراً من الرفاهية والعائد المادي لأهل
دبي وليرسخوا مبدأ هاماً وهو أن العمل الجاد يسبق
جني الثمار ، وهكذا بدأ العمل في الميناء في
الثاني من أغسطس عام 1976 تم الانتهاء من إنشاء
أول رصيفين بعد 18 شهر واستطاع الميناء أن يعمل
بطاقة كاملة في يونيو 1979 والميناء يضم ارصفة
بطول 15 كيلومتراً لرسوا السفن و 20 كيلو متراً
لتفريغ وشحن البضائع ، وتم منح تسهيلات إلى كل من
يستخدمون الميناء ، وأقيمت مناطق خاصة للمنتجات
البترولية والبضائع السائبة الجافة ومنتجات
الغابات والحاويات وارصفة للبضائع العامة ، وتم
توفير تسهيلات التبريد ومراسى للمهتمين بالصناعة
وأزيل 120 قدم مكعب من الرمال والصخور لإقامة
حوضين عملاقين في الميناء يبلغ طول الواحد منهما
11.5 كيلومترأ وتم شق قناة إلى عمق 22 كيلومتراً
تجاه البحر لأحضار السفن العملاقة إلى الصحراء وفي
سبيل أتمام الحواجز البحرية الضخمة قام المهندسون
باتباع أسلوب روماني قديم يعتمد على ربط الكتل
الخرسانية الضخم ببعضها البعض على طريقة عاشق
ومعشوق وبلغت المساحة المخصصة للتنمية الصناعية
بجوار الميناء 5000 فدان وبلغ حجم الميناء ان اصبح
يشاهد من الفضاء الخارجي كأحد أكبر منشآتين من صنع
الإنسان هو سور الصين العظيم وانشئت محطة عملاقة
لتوليد الكهرباء ، كما أنشئ أحدث مصهر للألومنيوم
في العالم أو مايسمي (دوبال) شركة دبي للألمنيوم
والتي بلغ راس مالها 800مليون دولار ، وتعد الشركة
حالياً واحدة من أكبر منتجي الالومنيوم في العالم
ومصدراً أساسياً للعملة الاجنبية في البلاد كما تم
الاستفاد من الحرار العالية الناتجة من صناعة
الالومنيوم في تشغل محطة كبرى لتحلية المياه تنتج
نحو 25 مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً
بالغرب من دوبال أنشت شركة دبي للغاز الطبيعي
المحدود (دو غاز ) بتكلفة قيمتها 400 مليون دولار
، وهي اليوم أحد اهم المؤسسات الصناعية في الخليج
، وقد أنشئت بمرسوم من حاكم دبي عام 1977 وفي نفس
السنة أعطي الشيخ راشد أمره بإنشاء شركة كوابل دبي
(دو كاب ) في نفس المنطقة وبكلفة 22 مليون دولار ،
وفي مايو 1980 أتخذ الشيخ راشد خطوة جريئة بتوقيعه
مرسوماً بإنشاء منطقة حرة في جبل علي لتبلغ
المساحة الإجمالية للميناء والمنطقة الحرة
والصناعية نحو سبعة الاف وخمسمائة فدان وأصبح
المشروع الذي وصفه بعض الاجانب بانه (بطة عرجاء)
وأحداً من اكبر المشروعات التنموية في المنطقة
العربية والشرق الأوسط بأكمله ، ولم يدرك الاجانب
المتخصصون في حينه الغرض من إنشاء هذا المشروع ولا
الفائدة المتوقعة منه ، ولكن بعد أن بدأ العمل
وتزايدت عمليات الشحن ، ودارت دفة الامور غير
الكثيرون رأيهم . |