آل مكتوم / دبي تودع رجل النهضة

في عام 1981 م ، كان المرض قد آلم بالشيخ راشد أثر أزمة صحية مفاجئة داهمته وقد كان قبلها في كامل عافيته بحيث لم يتوقع أحد ما حدث ، وانتشر خبر مرض الشيخ راشد في مدينة دبي واطمان على صحته حكام الإمارات كما أتصلت به ملكة بريطانيا للوقوف على أخباره وأبدات أهتماماً كبيراً بمتابعة حالته الصحية ، وفي تلك الفترة كان الشيخ مكتوم ولي عهد دبي يتولي عدد من مهام الحاكم نيابة عن أبيه وظل الوضع هكذا مع تحسن تدرجي حتى يونيو من نفس العام حين سمحت حالته بالسفر إلى لندن ليتلقي العلاج في مستشفى ولنجتون وقد زارته رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر في مقر إقامته هناك ثم عاد الشيخ راشد إلى دبي وعاد فقام بجولة دولية شملت عدة بلدان وزار في نهايتها لندن لمتابعة حالته في مستشفى ولنجتون حيث أفادة مدير المستشفى أن هناك نقدماً ملحوظاً في صحة الشيخ راشد وبعد ذلك عاد الشيخ راشد إلى دبي ليتابع شؤون البلاد من داخل قصره وزاره أخوه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة في قصر زعبيل للاطمئنان على صحته وأعيد في اليوم التالي للزيارة انتخاب الشيخ رئيساً للامارات العربية المتحدة والشيخ راشد نائباً للرئيس ورئيساً للوزراء لمدة خمسة سنوات أخرى وتولي الشيخ مكتوم ولي عهد دبي تمثيل أبيه وقد تم تعين الشيخ حمدان بن راشد وزيراً للمالية والصناعة لدولة الإمارات العربية المتحدة .

وبحلول عام 1983 كان هناك تحسن واضح في صحة الشيخ راشد حيث يقول حمد بن سوقات صديق الشيخ راشد المقرب ( لقد عاد الشيخ راشد إلى ماعهدناه عليه في السابق إلا من بعض الشيب في لحيته ، أما هو فقد كان متلهفاً للخروج والوقوف على آخر التطورات التي شهدتها المدينة كما كان ذهنه صافياً وقدرته الذهنية حادة كالسكين  وفي 19 يونيو 1982 قام الشيخ بعمل جولة في دبي لافتتاح خمسة من الانفاق الجديدة التي تم الانتهاء من العمل فيها ضمن خطة تطوير المدينة وقد كان مقرراً أن يمر الشيخ راشد بسيارته في الخامسة عصراً ذلك اليوم من تحت الانفاق الخمسة ايذاناً بإفتتاحها وعلم الناس بذلك فأغلقت المتاجر والمحلات والشركات في الرابعة والنصف واحتشد الناس على جانبي الطريق ليشاهدوا الرجل بأعينهم تلك البادرة كانت دليلاً لا يحتاج إلى تعليق على مكانة الرجل عند أهل دبي ، وخاصة الذين شهدوا منهم التحولات الجوهرية التى حدثت منذ توليه الحكم  وفوجئ الشيخ راشد بهذا الكم الهائل من الجماهير محتشداً على جانبي الطريق وسيارات الشرطة قد خرجت لتنظيم المرور وإفساح الطريق للموكب ونظراً لطبيعته البسيطة الهادئة ، شعر بارتباك من ذلك الحشد الذي خرج لملاقاته ، ولكن من المؤكد أنه شعر أيضاً بسعادة لرؤية هذه المشاعر التي أبدها الناس بشكل عفوي وتلقائي لشيخهم الذي احترموا كثيراً سياساته ونضاله لأجل دبي وبعد التحسن الملحوظ في صحة الشيخ راشد ، توفيت الشيخة لطيفة زوجة حاكم دبي في مايو 1983 وقد حدثت الوفاة في لندن أثناء وجود الشيخ لطيفة للعلاج هناك واعلن الحداد الرسمي على وفاة الشيخ لطيفة بنت حمدان بنت زايد آل نهيان ونكست الاعلام لمدة سبعة أيام ، وتم إغلاق سفارات دولة الإمارات العربية المتحدة لمدة ثلاثة أيام والغيت المناسبات العامة وخرج عشرة آلاف مشيع في جنازة الشيخة لطيفة حزن الشيخ راشد لوفاة الشيخة لطيفة زوجته ورفيقة عمره لمدة اربعين عاماً وكانت الصدمة موجعة بالنسبة له ، حتى أن حمد بن سوقات يعلق قائلاً : ( كان الشيخ راشد يحب الشيخة لطيفا حباً جماً ، ولم اره بهذا الحزن والالم من قبل فخلال أربعين عاماً من معرفتي له كانت تلك المرة الاولى التى رأيته يبكي فيها ) ، ويكمل حمدان بن سوقات أنا واثق من لم أكن اتخيل ، ولكنها كانت حقيقة أنه لم يعد يظهر في المناسبات العامة إلا في أحوال نادرة ، كما قام في منتصف الثمانينات بإسناد الكثير من المهام والسلطات لأبنائه واصبح يقوم بزيارات أطول إلى باكستان لقضاء بعض الوقت هناك ، ولم يمنع ذلك الابتعاد الشيخ راشد عن أتخاذ مواقف هامة ومصيرية حين استدعت الظروف ذلك ، ففي عام 1988 تدخل في خلاف نشب بين راس الخيمة وسلطنة عمان نتيجة خلاف حدودي وارتفعت حدة التوتر بينهما ، وساء الوضع وقرر الشيخ راشد أن يتدخل بنفسه كنائب لرئيس الدولة ورئيس للوزراء ، حيث قام بزيارة الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم الشارقة للعمل على حل الخلاف وقد ساهمت العلاقات الوثيقة بين الشيخ راشد وسلطنة عمان على حل الخلاف  حيث يقول حميد بن دري ( لم يكن الشيخ راشد ليتدخل كوسيط لمجرد أن ينفض يده عند وصول المفاوضات إلى نقطة صعب الحل ، بل على العكس فقد كرس وقتاً طويلاً للتوسط ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين ، وقد ساعده في ذلك العلاقات الوثيقة بينه وبين السلطان قابوس ) وبالفعل نجحت المساعي وتغير الموقف الحاد لدى كل من عمان وراس الخيمة وبدأت المفاوضات بين الجانبين للتوصل إلى تسوية حيث أعلن مكتب رئيس الوزراء في 8 أبريل عام 1989م أن دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان على استعداد للتفاوض حول صيغة جديدة لإعادة ترسيم الحدود وبحلول نهاية الثمانينات كان الشيخ راشد قد بلغ الثامنة والسبعين من عمره وبدأت تظهر عليه علامات التقدم في السن وبدأجسمه يصعف قليلاً ، ولكن الله أنعم عليه باستمرار قدراته الذهنية وذاكرته الحادة ، وكانت دبي في تلك الفترة تمر بحالة من النهضة العمرانية المتواصلة ، ولم يكن الشيخ راشد قادراً على على النزول إلى مواقع العمل ليتابع تطور الامور بنفسه كما تعود . ويقول أحمد بن سوقات ( كنت أزور الشيخ راشد كل يوم تقريباً وكانت الاخبار العامة أول كل شئ كان يريد أن يعرف منى فقد كان من الصعب إشباع شهيته للمعلومات ، وكنا نجلس معاً فنتحدث عن السنوات التي مضت  وهو يحدثني عن آماله بالنسبة إلى دبي ) .

وفي مساء السابع من أكتوبر عام 1990 توفي الرجل توفي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ، الرجل الذي مثل الحلقة المفضلة في تاريخ إمارة دبي ، الجسر الذي عبرت دبي عليه من حياة البداوة والبدائية  إلى  حياة الحداثة والازدهار توفى الرجل الذى كان  يستوقف الصيادين في مراكبهم في خور دبي ليعرف منهم مشاكل الخور الرجل الذى كان ينظر إلى وجه الصحراء المصفر القاحل فيري بأم عينيه ما سيكون عليه الحال فيها بعد عقود قليلة قادمة بينما لا يرى مرافقوه فيها إلا الرمال الصفراء ، وليس من قبيل المبالغة أن نسجل هنا أن دبي قد حظيت لعقود بحاكم حول مجريات الأحداث فيها وفق رؤية عميقة وإيمان راسخ وولاء عظيم لأهل أمارته خلال تلك العقود لم ينس الرجل للحظة واحدة فقراء مدينته ، ولم تغب عن ذهنه تلك الايام التى عاشتها دبي في ظل الفقر وقلة الموارد ، ولم تلهه مكانته ولا سلطته عن البحث عن مخرج للناس من تلك الحالة التي لم يكن ليقبل بأن يعيشها أهل مدينة هو حاكمها كان الرجل حالة فريدة مستقلة بذاتها ، سريع التحرك قليل التحدث عظيم الأفعال .               

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية