|
استفادت دبي من تدهور ميناء لنجة ، حيث بدأت في
تلك الفترة موجة كبيرة من الهجرة تتجه من الساحل
الفارسي نحو الساحل العربي ، وتوجه أكثر هؤلاء إلى
دبي على الرغم من أنها كانت تقع بعيدا الى أعلى
الخليج مقارنة برأس الخيمة والشارقة اللتان توجه
إليهما عدد كبر من التجار في بادئ الأمر ثم لعبت
الإجراءات التي اتخذها الشيخ مكتوم دورا محوريا في
لجوء القسم الأكبر في النهاية إلى دبي.
ففي
بداية عام 1901م كرست دبي كميناء حر للتجارة ،
إضافة الى الغاء التعرفة الضريبية على الواردات
والصادرات ، وبدأ تنفيذ برنامج منتظم لتشجيع كبار
تجار لنجة على نقل أعمالهم إلى دبي ، كما قدمت لهم
أراض بلا مقابل وضمانات شخصية للحماية في مرفأ دبي
. وفي عام 1903م بدأت تظهر ملامح دبي كميناء تجاري،
واشار التقرير الذي أعده المقيم السياسي البريطاني
كمبل أن لجنة بدأت تفقد أهميتها كميناء عبور
للبضائع المتجهة إلى الساحل العربي ، وأخذت لاسفن
التجارية التابعة لشركة بومباي ـ فارس تتردد
بنتظام على دبي منذ منتصف عام 1902م ، وبلغ عددها
في نهاية ذلك العام 21 سفينة ، حيث أصبحت دبي
المركز الرئيسي لتوزيع البضائع على الساحل العربي
بأكمله.
وكان أهم ما فعله الشيخ مكتوم بن حشر في تلك
الفترة هو إلغاء ضريبة الوارد التي تحصل على السلع
المستوردة والبالغة 5% معلنا بذلك دبي منطقة حر’ ،
مثلما ذكر الرحالة الألماني هيرمان بورخارت ( الذي
زارها في فبراير عام 1904م واصفا اياها بالنظام
والنظافة ، وذكر أن أسواقها تعرض البضائع الأوربية
وجميع أنواع الحلويات الإنجليزية مما يدل على
ارتفاع مستوى المعيشة ) .
كما
نقلت بعض شركات الملاحة نشاطها إلى دبي مثل شركة
بومباي ـ فارس ثم تبعتها أهم شركة ملاحة في ذلك
الوقت وهي شركة الهند البريطانية التي اتخذت من
دبي محطة منتظمة لرحلاتها ، ومنذ يونيو 1904م كانت
تصل دبي سفينة كل 14 يوما ، وفي عام 1905م بلغ عدد
السفن التي وفدت الى دبي 34 سفينة أفرغت ما مجموعه
70132 طنا من الحمولة . واستقر في دبي أناس من
مختلف الجنسيات كان أهمهم المهاجرون من فارس
والتجار الهندوس الذين كانوا يعملون وكلاء وعملاء
للشركات البريطانية والهندية في بومباي ، كما
ازدادت أعداد تجار اللؤلؤ الأوربيين وبخاصة
البريطانيون ، وأخذت مكانة دبي التجارية تزداد
بسرعة ، وأصبحت مركزا مهما لتوزيع السلع على
الموانئ الأخرى في الخليج العربي ، ففي خلال
العشرين سنة التالية تضاعف عدد سكان دبي الى نحو
عشرين الف بينما تطورت المدينة الصغيرة إلى عاصمة
الأعمال والتجارة في الخليج العربي .
في
تلك الفترة التي شهدت ذروة صعود نفوذ دبي وخلال
حكم الشيخ مكتوم بن حشر ، كان من الواضح أن الشيخ
مكتوم في موقف يسمح له بدعم الاستقرار الذي تحتاجه
تلك الفترة ، وكان أول من أصبح مهتما بتنظيم
الاجتماعات بين مشيخات الخليج العربي ، وهي
العملية التي تابعها بحماس حفيده الشيخ راشد بعد
ذلك بسنوات ، وكان أشهر هذه المؤتمرات المبكرة ذلك
الذي عقد في دبي عام 1905م ، وقد حضره الشيخ زايد
حاكم أبوظبي ، والشيخ صقر بن خالد القاسمي حاكم
الشارقة ، والشيخ راشد بن أحمد المعلا حاكم أم
القيوين ، والشيخ عبدالعزيز بن حمد النعيمي حاكم
عجمان ، أو ممثلوهم الشخصيين ، ومع أنه لم يكن
هناك جدول أعمال واضح ومعد لهذه الاجتماعات ، الا
ان حقيقة جلوس قادة المنطقة الرئيسيين معا كانت
بلا شك لصالح دعم التفاهم وخطوة في سبيل التعاون
المتبادل.
في
عام 1906م توفى الشيخ مكتوم وكان قد أرسى خلال
سنوات حكمه بدايات القاعدة التجارية التاريخية
لدبي ، وهو الميراث الذي استمر بعد مرور قرن
تقريبا في رفد النمو المدهش للإمارة ، والأرقام
تشير بوضوح الى ذلك التطور المذهل ، فقبل وفاة
الشيخ مكتوم بقليل قدرت التجمعات السكانية حول
الخور ومنطقة دبي بحوالي ألفي بيت ، بينما وصل عدد
المحال التجارية إلى 350 محلا في سوق ديرة ، مما
جعل من سوق دبي أكبر الأسواق القائمة على الساحل
المتصالح ، وخلال العقد الأول من القرن الجديد
أظهر إحصاء سكاني أن العاملين المستخدمين في صناعة
اللؤلؤ من دبي بلغ سبعة آلاف شخص وهو أعلى رقم
يسجل في دبي وجاراتها في ذلك الحين.
وبعد وفاة الشيخ مكتوم خلفه الشيخ بطي بن سهيل
أقرب مؤيد له في المجلس وأكبر أفراد عائلة آل
مكتوم ، وناضل الشيخ بطي في سبيل ئأمرين رئيسيين ،
أولهما الحفاظ على ازدهار دبي ، والثاني مساعدة
الآخرين والتخفيف عنهم في حالات المعاناة التي
واجهتها دبي ، والتي تمثلت في آثار " العاصفة
الكبرى " التي مرت بدبي ، والتي وقعت بعد تولى
الشيخ بطي الحكم بعامين ، وهي العاصفة التي فقد
فيها اثنا عشر مركبا ومعها أكثر من مائة رجل . وقد
ظل الشيخ بطي على اتصال دائم بزملائه الحكام ، وفي
رسالة له في 5 يناير 1911م الى سلطان مسقط الذي
كان ثريا نسبيا ، سعى إلى مساعدة " قبائل الداخل
" . وبينما كان يتألم من الانقسامات التي يسببها
الفقر في المناطق الداخلية فإنه بحث كافة السبل
لحل تلك المشاكل ، وكان يبدو غير راض عن أحوال
العاملين في مهنة صيد اللؤلؤ القديمة ، وكان يقول
: ( إن التعاسة والفقر يتفشيان بينهم ، والنتيجة
أنهم يتصارعون ويتقاتلون ) .
ويبين من خلال رسائل الشيخ بطي أنه كان متعلما ،
فضلا عن أنه كان ينظم الشعر النبطي . وقد توفى في
عام 1912م ، بعد أن قضى ستة سنوات في الحكم.
تولى الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم ، وكانت دبي
تنمو لتصبح عاصمة المنطقة التجارية ، وكانت لا
تزال تعتمد كبير بشكل كبير على تجارة اللؤلؤ كمصدر
اساسي للدخل ، وأصبح كبار تجار اللؤلؤ وأصحاب
السفن والممولين يتمتعون بنفوذ سياسي كبير ، وبشكل
عام كان المجتمع في دبي غنيا نسبيا مقارنة بسكان
بقية المنطقة وأصبحت أسواقها مركزا للتجارة عبر
الخليج الأدنى.
وقد
كانت فترة تولي الشيخ سعيد الحكم فترة لا تنسى من
تاريخ دبي ، حيث كانت قدرات والده التجارية قد
أحالت المدينة إلى وريث لميناء لنجة ، وجعلت منها
المركز التجاري الرئيسي على الخليج الأدنى .
واستطاعت دبي بفضل أسلوب حكامها المنفتح أن تجذب
معظم اللؤلؤ الذي يتم صيده في المنطقة ليتم تصديره
من خل تجار دبي. |