آل مكتوم / في مجلس الحكم

كان الشيخ راشد منذ سن مبكرة يواظب على حضور مجلس الحكم إلى جانب أبيه مستمعا للمناقشات والمطالبات والسجال الذي كان يدور في تلك الأماكن ، ولم يكن يشعر بالملل أو التأفف من هذا الأمر على الرغم من صغر سنه ، تلك العادة طعمت شخصية الصبي بالكثير من الثقافة والدراية بأمور الحكم ، وساعده على ذلك أنه كان كثيرا ما يطرح الأسئلة على والده ويستمع في شغق إلى الإجابات ، وكانت ذاكرته قوية الى حد بعيد ، الأمر الذي ساعده على استقاء الكثير من المعلومات والخبرات وحفظها عن ظهر قلب.

تلقى الشيخ راشد تعليمه في مدرسة الأحمدية التي تأسست عام 1912م بدبي بمنطقة ديرة ، وكانت تلك المدرسة في تلك الآونة هي المركز التعليمي الأول في منطقة الإمارات الشمالية ، وكانت الدراسة تشمل اللغة العربية والدراسات الإسلامية والرياضيات ، وكان مؤسس تلك المدرسة هو أحمد بن دلموك . تاجر اللؤلؤ ورجل الخير الذي جلب اليها المعلمين من العراق وإيران . وقد تأسست فيما بعد ثلاث مدارس أخرى في العشرينيات هي : الفلاح ، والسعادة ، والسالمية.

كان الصيد أهم هوايات الشيخ راشد منذ صغره ، ولكونه كان من التلامذة النجباء ، فقد كانت دراسته تشكل أحيانا عائقا يحول دونه والاستمتاع بهوايته المحببة التي جمعت بينه وبين أبيه الشيخ سعيد وقربت بينهما كثيرا . ففي شهر أكتوبر كان الشيخ راشد وأصدقاؤه يستيقظون مبكرين ويخرجون على الصحراء خارج المدينة ليدربوا الطيور ويعدوها لموسم رحلات القنص الذي كان يحل مع مقدم الشتاء ، حيث كانوا يسافرون على متن سفن البوم إلى إيران ، ثم تحولت وجهتهم إلى باكستان حيث وجدوا فيها طبيعة مناسبة لهواية القنص.

بحلول عام 1924م كان الشيخ راشد قد بلغ الثانية عشرة من عمره ، وكان قد أصبح شخصية دائمة الحلول في مجلس أبيه الشيخ سعيد ، كما كان حاضرا باستمرار في الأوساط السياسية ، ومن خلال حضوره الدائم في مجلس أبيه ، عايش الشيخ راشد الأزمات التي حلت بالإمارة في أعقاب ازدياد الطلب العالمي على اللؤلؤ المستزرع والضرر الذي لحق البلاد نتيجة الكساد الذي أعقب انهيار صيد وتجارة اللؤلؤ الطبيعي ، تلك الحالة حيرت الشيخ سعيد ومعاونيه ، وكان الشيخ راشد يتابع عن كثب تطورات تلك الأمور وتعلم كيف يتعامل معها بعقلية السياسي والتاجر في آن واحد مما أكسب قراراته فيما بعد قوة نبعت من معايشتها لواقع الإمارة التي يحكمها والتي تعتمد على التجارة في المقام الأول ، وبمرور الوقت تنامت شخصية الصبي اللامع ، واتسعت مداركه ، وأصبح له مجلس خاص يجمع أصدقاءه من شبان المدينة ، كما حاز على دعم وحب السكان في دبي وأصبح يتمتع بشعبية رغم صغر سنه ، وكان الشيخ راشد يقف جنبا إلى جنب مع والده الشيخ سعيد ويدعم ويناصر كافة تحركاته.

في التاسع والعشرين من مارس عام 1939م احتفلت دبي بزواج الشيخ راشد من من الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان وحضر حفل الزواج كبار الشخصيات في البلدان المجاورة ، وتوافد بدو الداخل ليشهدوا العرس الكبير ، وليبرهنوا على ولائهم للشيخ سعيد وولده الشيخ راشد ، في تلك الفترة كان الشيخ سعيد يستعين كثيرا بمشورة ولده الشيخ راشد الذي أبدى تفهما كبيرا لمتطلبات المرحلة ، وكان يحسن تقييم الأمور إلى حد بعيد ، وقد لعب دورا هاما حين ثارت مشكلة المجلس الحاكم في عام 1938م حيث كانت الخلافات قد بدأت تدب بين أعضائه ، وبدأ البعض فيه يحاولون الحصول على أكبر قدر من الإعانات والرواتب لأبناء عشيرتهم ومنطقتهم التي ينتمون إليها ، فقبيل بدء الاحتفالات بزفافه قام الشيخ راشد وأعوانه بالاستيلاء على المركز الجمركي بديرة ، كما فرضوا سيطرتهم على عدد من المباني الاستراتيجية الهامة ، وفي أثناء الاحتفال قام انصار الشيخ راشد باحتجاز أغلبية أعضاء المجلس ، واستسلم الآخرون.

وهكذا استطاع الشيخ راشد أن يعيد الأمور الى نصابها وأن يقضي على حالة التوتر وعدم الاستقرار التي أثارها هؤلاء الاعضاء ، تلك الحالة التي أثرت على المناخ التجاري في دبي ، ومن المعروف ان التجارة تنتعش في ظل حالات الاستقرار والهدوء وتصاب بالكساد في اوقات التوتر والمشاحنات ، وكان الشيخ راشد يدرك ذلك الأمر جيدا ، واستطاع في وقت وجيز أن يهيئ الأوضاع لإعادة حالة الاستقرار من جديد الى دبي ، منذ العام 1940م بدأت تلك الإجراءات تؤتي ثمارها كثيرا . فبعد الاستقرار السياسي بدأ التحسن الملحوظ في الأحوال الاقتصادية يظهر على أسواق دبي ، في تلك الفترة كان دور الشيخ راشد في إدارة شؤون الحكم قد بدأ يحظي باعتراف واحترام الناس داخل البلاد وخارجها ، وبمباركة ودعم كبيرين من والده الشيخ سعيد أصبح الشيخ راشد أحد أعمدة الحكم في دبي.

يقول الشيخ حمد بن سوقات الصديق المقرب للشيخ راشد : ( كان الشيخ راشد شديد الإصرار على تطوير دبي وتخليصها من الحياة البدائية التي كانت سائدة آنذاك ، ومنذ وقت مبكر للغاية كان الشيخ راشد إن لم يكن يحكم بنفسه ، فعلى الأقل كان دائم الوجود إلى جوار أبيه الشيخ سعيد ، وقد أصبح الشيخ سعيد يدرك أن بإمكانه الاعتماد على أبنه ذي الحكم الصائب . فعندما كان يريد تنفيذ شيئ ، كان الشيخ راشد هو الذي يقوم بالمهمة ، فقد كان راشد مولعا بالبناء وخلق الجديد ، وكان في شخصيته هيبة طبيعية افادته فيما بعد ) ، ويضيف حمد بن سوقات قائلا : ( الواقع أنه حتى في ذلك الوقت كان الشيخ راشد متميزا ، وكان قادرا على الاستفادة من حماسة الشخصي وقدرته على اقناع الآخرين لكي يشحذ الهمم من حوله ، وفي السنوات التالية عندما كنت اتردد كثيرا على المجلس ، كنت أرى كيف ينجح في جمع الآخرين حول أفكاره ، وتعبئة جهود الكثيرين لبدء واستكمال المشاريع التي كانوا قبل ساعات معدودة ربما يعتبرونها غير ممكنة التنفيذ.

كانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت بينما كانت دبي في مرحلة النهوض بعد أزمة إنهيار تجارة اللؤلؤ . ولكن الحرب كعادتها دائما جلبت معها المزيد من المشكلات . فقد فرضت بريطانيا حصارا ورقابة صارمين على موانئ إيران التي كانت تقف إلى جانب ألمانيا في الحرب ، وأدى هذا الحصار إلى التضييق على إمارات الساحل المتصالح في المواد الغذائية . حيث كانت بريطانيا تخشى أن يتم بيع أية مواد غذائية إلى إيران عن طريق إمارات الساحل ، وبالتالي عمت حالة من الضيق والتوتر نتيجة لشح المواد الغذائية . بينما اضطرت سفن صيد اللؤلؤ في عام 1944م إلى تقليص فترة وجودها في عرض البحر نتيجة قلة المواد التموينية التي كانت على متنها.

في خضم تلك الأزمة تدخل الشيخ راشد واتصل بالمقيم السياسي البريطاني في البحرين ، واقنعه بتخفيف الحظر على دبي مؤكدا له ان دبي ستحترم الحظر المفروض على إيران وأنها تتفهم أسبابه ، وتقديرا لدور دبي في المنطقة وافق القادة البريطانيون على تخفيف الحظر ، وبعد عدة أشهر بدأت السلع التموينية تظهر في أسواق دبي مرة أخرى ، وهي حصص كانت تفيض عن حاجة السكان ، فقام الشيخ راشد بتوزيع الفائض منها على التجار ليتمكنوا من مزاولة عملهم التجاريوالحصول على ربح معقول.

ذلك التصرف الذي بادر به الشيخ راشد أدى إلى انتعاش أسواق دبي في السنوات القليلة التالية ، على الرغم من أنه كانت لدى البريطانيين شكوك حول قيام الشيخ راشد بغض الطرف عن بعض محاولات خرق الحظر على إيران ، وكما يؤكد حمد بن سوقات ، فقد عملت هذه الخطوات على اتساع تأييد أهل المدينة للشيخ راشد ففي الوقت الذي كانت فيه باقي مدن الساحل المتصالح تعاني مشكلات نقص المواد الغذائية كانت دبي تحصل على ما يكفيها من تلك المواد.

كل هذا خلق حالة من الانتعاش في ظل أزمة طاحنة ، وهو انجاز غير مسبوق ، ويشير المستعرب والرحالة " ويلفريد تسيجر " الذي زار المدينة في عام 1949م ، إلى أنه شاهد مدينة مزدهرة ، وسجل انطباعاته عن دبي في كتابه " الرمال العربية " قائلا L يقسم الخور المدينة إلى جزأين ، وهي أكبر مدينة على الساحل المتصالح ويبلغ عدد سكانها حوالي 25 ألف نسمة . هناك العديد من الأبوام ( سفن البوم ) القادمة من الكويت ، والسمبوك القادمة من صور ، والجالبوت وسفن البفلة الكبيرة ) ، ويكمل الضيف : ( رأيت الأطفال يلهون ويمرحون في المياه الضحله ، بينما كانت المراكب تضرب بمجاذيفها في مياه الخور لتأخذ الركاب على أطراف الأزقة بين البيوت العالية المبنية من الصخور المرجانية ذات أبراج الهواء المربعة الشكل والمنمقة بقوالب مصنوعة من الجص ، وخلف هذه البيوت المتنوعة المظهر الواقفة على طول واجهة المدينة المطلة على الخور توجد الأسواق بممراتها المغطاة ، حيث يجلس التجار القرفصاء بين أكوام من السلع المعروضة . وتزدحم الأسواق بالمارة من مختلف الأعراق ، ذوو الوجوه الشاحبة من سكان المدن ، والبدو المسلحون ذوو العيون السريعة الحركة والوجوه الصارمة .. والعبيد ، والزنوج ، والبلوش ، والفرس ، والهنود ، وبين هؤلاء لاحظت مجموعة من رجال قبيلة " قشقاي " بغطاء الرأس المميز ، ورأيت بعض الصوماليين وهم يغادرون سمبوك آتيا من عدن ، هنا تسير الحياة جنبا الى جنب نع الماضي ، فالناس لا يزالون يؤمنون بقيمة وقت الفراغ والمجاملات وتبادل أطراف الحديث وهم لا يعيشون حياتهم باستخدام وسائل مثل السينما واللاسلكي ، بل يتواصلون باسلوب مباشر ، كان بودي أن أجالسهم ، ولكني كنت ألبس الزي الأوربي ، وكنت أعرف أنني عندما كنت اجوب المدينة كانوا ينظرون إلى باعتباري متطفلا عليهم ، أما انا فكنت أشعر أنني أفضل من السائح العادي بقليل ) .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية