|
كان
الشيخ راشد معتادا على أن يصحو من نومه مبكرا في
حوالي الساعة الخامسة صباحا ليمكتطي صهوة جواده أو
يركب جمله ، أو السيارة فيما بعد ، ويجوب بها
أرجاء المدينة والناس نيام ليطلع على أحوال
المشاريع والأشغال العامة ، وكان يسير في تلك
الجولات دون حرس أو أتباع ، ثم يعود في تمام
الثامنة إلى بيته ليتناول فطورا خفيفا ، ثم يذهب
إلى عمله في مركز الجمارك ، في التاسعة صباحا وكان
المكتب هناك متواضعا بشكل ملحوظ ، ولكن الشيخ راشد
كان يشعر بالراحة فيه ، وهناك كان يستقبل كافة
الناس . يقول رجل الأعمال سيف بن أحمد الغرير : (
كان الشيخ راشد يجد صعوبة أحيانا في انجاز أعماله
المكتبية بسبب توافد الناس عليه ، وبالرغم من ذلك
، كان يترك أوراقه ويتفرغ للاستماع إلى محدثيه .
ونادرا ما كنت أرى أو اسمع أنه فقد أعصابه في
تعامله مع أي شخص ، وكان في بعض الأحيان يشعل
غليونه وهو يستمتع بانتباه ، كان يفكر مليا قبل ان
يجيب بل وكان يتوقف عند نهاية كل جملة ليختار
كلماته بحذر . وكانت اجابات دائما موزونة ولم تكن
ردوده متسرعة ) . في تمام الواحدة بعد الظهر . كان
لاشيخ راشد يعود إلى منزله لتناول غدائه الذي كان
عادة ما يتألف من السمك ثم يأخذ قيلولة قصيرة .
ويستيقظ في الرابعة ليغادر مرة أخرى ويتابع أعماله.
كان
الشيخ راشد مولعا بالخيل وكان يحب ركوبها خاصة في
فترة ما بعد الظهر ، وكان حصانه " الصقلاوي "
مرتبطا به ارتباطا وثيقا . وفي عام 1932م ، اشترى
الشيخ راشد سيارته الأولى ، الا انه لم يستخدمها
كثيرا بل كان يعتمد على حصانه " الصقلاوي " ،
وبعدما مات " الصقلاوي " بدأ يستخدم سيارته كثيرا
في التنقل وإن كان لم يتخل عن ركوب الخيل في
المساء ، وبعد عودته الى المنزل كان الشيخ راشد
يتابع العمل من خلال لقاءات المجلس ، فيستمع إلى
شكاوي الناس ومطالبهم في صبر واحتمال ، يقول زكريا
الدولة ، مالك عقارات : ( كان من المنتظر دائما أن
تثار الشكاوى ي المجلس ، إلا أن بعض الأشخاص كانوا
لا يشعرون بأي حرج في عرض شكواهم يوميا على لاشيخ
، وكان هو يجلس ويستمع اليهم بصبر ، وفي إحدى
الأمسيات دخل شخص مثير للمشاكل اعتاد على المجئ
إلى المجلس لعرض الشكاوي ، وأخذ هذا الرجل في
التحدث بحدة إلى الشيخ راشد في حضور عدد من أتباعه
من بينهم حميد بن دري الذي طلب من الرجل أن يترك
الشيخ راشد وشأنه ) . وهنا يستكمل بن دري القصة :
( قلت للرجل أن يصمت ولكن الشيخ راشد تدخل باستياء
وأصر على أن يكمل الرجل حديثه واستمع إلى شكواه
حتى انتهت ) ، تلك كانت شخصيته ، فقد كان ينحي
الشؤوون السياسية جانبا لبعض الوقت حتى يستمع إلى
أفراد المجتمع ، وكان بالفعل يهتم بشعبه ) .
بعد
التاسعة مساءا وعقب مزاولة الأعمال الرسمية في
المجلس ، كان المجلس يتحول إلى حلقة للنقاش
والتحاور والتشاور فى شيى أمور الإمارة ، فيذكر
سيف أحم الغرير رجل الاعمال المشهور ، وعميد اسرة
الغرير : ( الشيخ راشد اعتاد فتح باب النقاش في
المجلس ، فاذا ماكان لديه فكرة أو مشروع ما كان
يطلب من الحاضرين ومن الأشخاص الذين يثق بهم أن
يعبروا عن وجهات نظرهم حول المشروع ، وكان الشيخ
راشد يجلس ويستمع بانتباه ويراقب باسلوب تبادل
الحديث بين الحضور ، وغالبا ما كان يطرج أحدهم حجة
ما ويدور حولها النقاش للتوصل إلى ما هو مفيد
للصالح العام ، وكان الشيخ راشد يدلي برايه دون أن
يؤدي ذلك فلى إيقاف النقاش أو منع أحد عن التعبير
عن أي رأي مخالف ، وهكذا امتاز المجلس حقا
بالحيوية ) .
ذلك
الاسلوب اليومي كان ناجحا وفعالا إلى حد كبير واتى
ثماره بوضوح ، فقد عمد الشيخ راشد إلى احاطة نفسه
بعدد من الرجال الاذكياء اصحاب الجدارة وكانوا من
ذوي الحرص الشديد على مصلحة البلد ، وكان هو يدرك
ذلك الأمر جيدا ، فكانت أكثر الأفكار تخرج في
المجلس ، وكان يعهدد بالمهام المتعلقة بالتخطيط
والتنفيذ إلى عدد من أولئك المقربين ليقوموا
بانجاز المشروعات الطموحة التي عرفتها البلاد.
يقول الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم : ( كان شخص ما
يطرح فكرة خلال المناقشة ، وكان الشيخ راشد يجلس
دون أن يقول شيئا بينما يراقب الآخرين وهم يحللون
المفاهيم ويتعمقون في الأمور ويبلورون الأفكار ،
وفي بعض الأحيان كانت المناقشات الجادة تدور طوال
عدة ايام حتى يتوصل المجلس إلى خلاصة الرأي ، ولكن
هذا كان الطريق الصحيح بدون شك ، وكان الشيخ راشد
يستمع ثم يتوصل إلى رأي خاص به مبني على النقاش ،
ولم يحدث أن خاب هذا الأسلوب ولو لمرة واحدة ، وما
علينا إلا أن ننظر إلى الانجازات التي تحققت لكي
ندرك ذلك ) ، وبعد وقت طويل من المشاورات ، وبعد
التوصل إلى رأي ، أو حين يشعر الشيخ راشد بالاجهاد
بعد انتهاء يوم طويل من العمل الجاد ، كان الشيخ
راشد يتناول عشاءه في قصر زعبي ، ثم ينام بعد
منتصف الليل بقليل لينهي يوما كاملا من العمل
والمتابعة والمناقشات والاستماع والتحاور
والمقابلات ، وليحظي بقليل من النوم قبل شروق شمس
اليوم التالي. |