|
في
الخمسينات بدأت تظهر مشكلة في الخور هددت بالقضاء
على مكانته بين الصيادين ، فضلاً عن قلة عدد
الأرصفة المخصصة لرسو المراكب ، ظهرت مشكلة أخرى
أكثر خطورة فقد بدأ الرمل يسد أجزاء من الخور بعد
أن قلل من عمق بعض هذه الأجزاء إلى ما يقارب
القدمين فقط ، فبدأت سفن الصيد تغرز في الرمل ،
الذي كان يحاصر السفينة ليجد طاقمها أنفسهم وقد
توقفوا تماماً عن السير ، وكان لابد لعلاج الأمر
من سحب السفينة من البر ، وتزايدت المطالب
والالتماسات بإيجاد حل جذري لتلك المشكلة التي
تهدد الخور .
وللاطلاع على حجم المشكلة يجب أن نلقي نظرة على
أمال الصيد وما تعنيه تلك المهنة لدبي على الصعيد
التجاري والاجتماعي فدبي كانت تعتمد في وجودها منذ
حوالي العام 1700م على أسطولها لصيد الأسماك ، حيث
كانت المياه القادمة من المحيط الهندي تعمل على
إثراء مياه الخور بالأحياء المائية المتنوعة مما
جعل الخور من المصايد الغنية بالأسماك كما كانت
تلك المياه توفر مصدراً غذائياً لأسراب الأسماك
المحلية حين تجرف معها أسراباً ضخمة من أسماك
التونا والأنشوجة والماكريل ، وكان هذا مصدراً
غذائيا هاماً للمنطقة ، فضلاً عن هذا كانت المناطق
الداخلية الصحراوية وكذلك الساحلية تعتمد عليها .
الأسماك المجففة كمصدر للبروتين وكانت الأسماك أحد
أهم البضائع التي تصدر من المنطقة فكانت تدر دخلاً
كبيراً لأبناء الإمارة العاملين في هذا القطاع ،
وكان الشيخ راشد على علاقة طيبة مع كبار تجار
الأسماك وأصحاب السفن .
الآن وقد أدركنا حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه
تلك المشكلة على اقتصاد دبي بات من المتعين علينا
أن نعرف كيف تعامل الشيخ راشد مع تلك المشكلة .
بدأ
الشيخ راشد يزور الخور يومياً للاطلاع على أثار
تلك المشكلة ، وكان يستوقف قادة السفن وأصحابها
الصيادين ليستفسر منهم عن الوضع أولاً بأول ، إذاً
فقد أدرك الرجل حجم المأساة بنفسه وشاهدها بأم
عينيه ، ويقول راشد بن دعفوس الذي كان أحد
الصيادين في ذلك الوقت ، وأصبح فيما بعد رئيس
جمعية صيادي الأسماك التعاونية :( عندما ينحشر
المركب لابد من سحبه إلى الشاطئ ، ولما حدث ذلك
كنت مع الطاقم نحاول إزاحة المركب عندما رأتا
الشيخ راشد ، فأطل علينا وقال لنا إن كل شيء سيكون
على ما يرام ) .
ثم
كلف الشيخ راشد المستشارين سير ويليام هالكرو
وشركاه بعمل مسح للخور ودراسة الموقف ، ثم تقديم
الخطط الكفيلة بحل المشكلة على وجه السرعة ، بغرض
فتح مياه الخور بشكل دائم ، وقدمت الشركة خطة
كبيرة لإعادة تطوير الخور وكانت تكلفة تلك الخطة
حوالي مليون جنية إسترليني وهو مبلغ ضخم لا تستطيع
الحكومة تحمله في ذلك الوقت وحين عرض الأمر على
المجلس أنتاب اليأس أعضاءه لضخامة المبلغ ، ولاكن
الشيخ راشد كان مصمماً على تنفيذ المشروع ، فقد
كان يدرك خطورة ترك الأمر دون معالجة ، ولاكن
المبلغ المطلوب يوازي إجمالي الناتج القومي لدبي
ثلاث سنوات كاملة ، ولكن هذا لم يكن ليعيقه عن
تنفيذ المشروع ، ولكن كيف يتم توفير التمويل
المطلوب ؟
قرر
الشيخ راشد أنه لابد من فرض رسوم جمركية على
البضائع المستوردة سعياً لإيجاد أموال تسهم في
عملية التنفيذ ، وقبل الموعد المقترح لتنفيذ
المشروع في عام 1958م قام الشيخ راشد بإجراءات
تهدف إلى رفع مستوى كفاءة جهاز التحصيل الجمركي
المتمثل في دائرة الجمارك ، فعمد إلى البدء في
عملية إحلال وتجديد للعاملين به ، وبدأ بأن طلب
حكومة البحرين إعارته واحداً من أكفأ الأشخاص
لديهم في هذا المجال وهو همدي التاجر وأسند أليه
رئاسة جمارك دبي ، وتم تعيين الرجل الثاني من
أبناء دبي وهو أحمد بن سليم ، وتم تحديد التعرفه
الجمركية على البضائع المستوردة بنسبة 4% وتم
تخصيص معظم العائد لتمويل مشروع الخور ، وبدأت
الإدارة الجديدة للجمارك في عملها فأزالت الكثير
من أوجه القصور ورفعت من كفاءة أجهزة التحصيل ،
الأمر الذي عمل على ارتفاع العوائد بشكل ملحوظ .
بعد
ذلك قام الشيخ راشد بطرح ما أسماه ( سندات الخور )
وهي سندات تجارية عملت على إشراك كبار التجار في
عملية تطوير الخور عبر استثمار أموالهم بشك مباشر
في ذلك المشروع الضخم ، وكان لهذا الطريق ميزتان ،
الأولى توفير العائد المادي المطلوب لتنفيذ
المشروع ، والثانية توفير عائد مادي استثماري لمن
يساهم في ذلك المشروع ، وهي لغة يفهمها التجار
ويحبونها ، وارتفعت العائدات بشكل ملحوظ الأمر
الذي عكس حرص كبار التجار على إنجازه ، وأخيراً
قام الشيخ راشد بتدبير قرض من أمير الكويت بقيمة
400 ألف دينار لاستكمال تمويل مشروع التطوير .
كان
الشيخ راشد يحب أن يفهم كل كبيرة وصغيرة متعلقة
بالمشاريع التي يعتزم القيام بها فكان ينبغي على
القائمين على التنفيذ من المختصين أن يشرحوا له كل
شئ مهما كان معقداً ، يقول نيفيل ألن أحد كبار
المهندسين الذين عملوا في الشركة القائمة على
تطوير الخور :( كان تطوير الخور عملاً شاقاً ،
ولكن الشيخ راشد كان مهتماً بأن يعرف قدر المستطاع
عن أي شكل من أشكال التطوير المزمع القيام به في
الخور ولم يكن يكفي أن نقول إننا سنفعل هذا ولا
نفعل ذاك فقد كان يريد أن يعرف لماذا ؟ وقد استطاع
بعقله المتيقظ جداً أن يعرف اسبابنا ) ، ويذكر
نيفيل ألن اليوم الذي انتهوا فيه من إعداد العرض
النهائي المختصر المقرر تقديمه إلى الشيخ راشد مع
الرسوم في آخر يوم لمراجعته ، حيث يقول ألن :(
أبقاني الشيخ راشد معه عدة ساعات لكي أشرح له
الرسوم واضطررنا لإبقاء الطائرة في انتظارنا في
الشارقة ، لقد أراد أن يعرف ما تحتويه الخطة كلها
من أفكار بما في ذلك المقاطع المستعرضة والمساقط
الرأسية وكل ما كانت تحتويه الرسوم ) .
مع
مطلع عام 1959م كانت الجرافات والآليات المتطورة
ومعدات الحفر الثقيلة قد بدأت العمل في مشروع
تطوير وتوسعة الخور ، وتم تنفيذ فكرة مريحة تقضي
باستخدام المستخرج من الحفر من طمي وصخور في عملية
ردم بعض المناطق ذات المستوى المنخفض على طول
الخور وخاصة في مواجهة بر ديره ، وأسفرت تلك
العملية عن خلق مساحة جديدة من الأراضي في موقع
متميز للغاية تم تقسيمها وطرحها للبيع لكبار
التجار وإلى كل من استطاع الشراء والبناء في تلك
المنطقة ، الأمر الذي أدر دخلاً جديداً على خزينة
الحكومة مما عوض جزءاً من تكلفة المشروع .
يقول حمد بن سوقات :( كان الشيخ راشد يدرك أن لدبي
موقعاً متميزاً مقارنة بالمواني الأخرى على الخليج
، وأن ما ينقصها هو الإمكانات الحديثة لاستقبال
الجيل الجديد من السفن الأكبر حجماً ، وقد كان
مصمماً على تطوير الخور ، فقد قال لي ذات مرة : إن
دبي قد بنيت حول الخور في الماضي ، إلا أن الوقت
قد حان لكي نطور الخور وفقاً لمتطلبات مستقبل دبي
.
انتهت أعمال التطوير في عام 1960م ، وأصبح الخور
قادراً بعد تعميقه وتوسيعه على استقبال سفن يصل
عمق غاطسها إلى ثمانية أقدام ، وبالتالي كانت هناك
زيادة متوقعة في حركة السفن استعدت لها حكومة دبي
بعمل توسيع لرصيف مركز الجمارك ، وتم أيضاً في نفس
الإطار إنشاء عدة مراكز إضافية لرسو السفن ، ويقول
مهدي التاجر :( بعد استكمال عملية الحفر والتوسعة
أستقبل الخور عدداً أكبر من السفن التي جاءت لتفرغ
بضائعها ، وهكذا برزت الحاجة إلى إقامة مستودعات
وإنشاء مرافق جديدة لتلبية احتياجات السفن ، فقد
قررت عدة شركات عاملة في مجال الشحن البحري أن
تتخذ من دبي محطة رئيسية لسفنها في الخليج .. وقد
استخدمنا عوائد الرسوم الجمركية المفروضة على
البضائع المستوردة من أجل إنشاء تلك المرافق ) .
لا
شئ إذاً كان من الممكن أن يحول دون تحقيق ذلك
المشروع الطموح ، فمع الجدية البالغة التي تعاملت
بها حكومة دبي مع تلك المسألة أمكن تذليل العديد
من العقبات المتعلقة بالتمويل الذي كانت تكلفته
باهظة بمقاييس ذلك الوقت ، وكذا تم التغلب على
المشاكل التي ظهرت نتيجة تضرر أصحاب السفن وأصحاب
المنازل المجاورة للخور من أعمال التوسعة التي
أعاقت الحركة في الخور ، والتي كانت تستلزم
استخدام المتفجرات وبالتالي تهدمت حوائط بعض
المنازل وتضرر بعض الملاك ، فضلاً عن قائمة طويلة
من المشكلات التي تم التعامل معها كل على حدة بتأن
وإصرار على إتمام العمل ، وأصبح الحلم حقيقة واقعة
، وشهدت المدينة ارتفاعا في أسعار أراضيها ، وبدأت
عملية البيع والشراء تشهد رواجاً كبيرا ، حيث
أرتفع سعر الأرض التي كانت قيمتها 2000روبية عام
1958م ليصل إلى مائتي آلف روبية عام 1959م ، فضلاً
عن هذا شهدت المدينة إقبالاً من بعض المؤسسات
والشركات العالمية لفتح فروع لها مثل شركة جري
ماكنزي ، والأفريقية الشرقية ، كما كان الممثل
المحلي لشركة تطوير نفط الساحل يقيم في دبي ، وبدأ
مستوى المعيشة في الارتفاع ، وازداد الطلب على
السلع الجديدة مثل السيارات والأسمنت التي أصبح
علامة بارزة لدخول المدينة عصراً جديداً ، وبرزت
دبي كمرفأ تجاري رئيسي على الساحل المتصالح ، حيث
أكد تقرير المقيم البريطاني في الربع الأخير من
عام 1960م أنه :( زارت دبي خلال شهور أكتوبر
ونوفمبر وديسمبر تسع وسبعون سفينة منها إحدى
وخمسون سفينة بريطانية ، وقد تم تفريغ 25486 طناً
من البضائع المشحونة ، بينما تم تحيل مائتين وخمس
وأربعين طناً في الوقت الذي لم تتوقف فيه أي سفينة
في مرفأ الشارقة خلال نفس الفترة ، فقد كانت
البضائع المشحونة من الشارقة تمر عبر ميناء دبي )
.
وبلغت القيمة المقدرة للواردات في نفس الفترة
490189 جنيهاً إسترلينيا في شهر أكتوبر ، و 478670
جنيهاً في شهر نوفمبر ، و 764932 جنيهاً في شهر
ديسمبر ، وقد أعيد تصدير نصف الكميات المستوردة
تقريباً وكان الشركاء التجاريون الرئيسيون لدبي في
تلك الفترة اليابان وبريطانيا والهند وشكلت
الأقمشة 20% من الواردات السنوية التي بلغت قيمتها
حوالي 1.25 مليون جنيه إسترليني في عام 1960م .
نتيجة للنجاح الباهر لمشروع تطوير الخور ،
ولارتفاع معدل العوائد المالية التي أدرها ذلك
المشروع تمكنت دبي من سداد قيمة القرض إلى الكويت
قبل موعد استحقاقه ، الأمر الذي أعطى حكومة دبي
مصداقية عالية في التعاملات المادية بصفة عامة ،
حتى أن حكومة الكويت أبدت في رسالة رسمية إلى
الشيخ راشد استعدادها لمنح قروض تنمية أخرى نتيجة
للموقف الملتزم الذي أبداه . |