آل مكتوم / الشيخ راشد بن سعيد / حاكما لإمارة دبي

   نظمت دبي في الرابع من أكتوبر عام 1958 حفل تنصيب لحاكمها الجديد الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم آل مكتوم الذي تولى مقاليد الحكم في الأمارة بعد وفاة والده المغفور له والده.

     وقد حضر مراسم التنصيب حكام إمارات الساحل المتصالحة وشيوخها والمقيم السياسي البريطاني وعدة آلاف من المواطنين والأجانب المقيمون . و ألقيت في الحفل كلمات بهذه المناسبة عبرت عما يكنه الناس للشيخ راشد من حب وتقدير.

     ووجه الشيخ راشد كلمة شكر فيها الحاضرين على مشاعرهم النبيلة وقراها نيابة عنه نجله الأكبر الشيخ مكتوم البالغ من العمر آنذاك خمسة عشر عاما . وأكد الشيخ راشد في كلمته حرص دبي على التعاون مع إمارات الساحل المتصالحة الأخرى مؤكدا لأهالي دبي انه سيعمل معهم من اجل تحقيق التنمية والازدهار لدبي.

     ثم انصرف الحاكم الجديد لإدارة شؤون إماراته بنفس الهمة والعزم ونفاذ البصيرة الذي عرف عنه . وما إن انقضت شهور قليلة من تسليمه زمام الأمور حتى أصدر مرسوما بتأسيس شركة الكهرباء وأمر أن يبدأ العمل الفوري في إنشاء مطار دبي ولعل إصرار الشيخ راشد على تأسيس شركة الكهرباء في وقت مبكر من اعتلاله سدة الحكم كان نابعا من إيمانه بضرورة توفير الخدمات الأساسية لسكان دي الذي يبلغ عددهم حينذاك حوالي ثلاثين ألف نسمة . وكان معظم الناس في المدينة يملكون مولدات خاصة بهم.وبالفعل تم إنشاء شركة الكهرباء العامة في العام 1959 وحصلت دبي على أول إمداد كهربائي في عام 1961 واستشعار منه بأهمية هذا المرفق الحيوي كان الشيخ راشد يترأس مجلس إدارة الشركة شخصيا.

     ونقل جريم ويلسن في كتابه عن احد المواطنين الذين كان يثق الشيخ راشد قوله ان حاكم دبي ذكر له ان دبي تحتاج إلى بنية أساسية للمحافظة على موقعها كعاصمة تجارية للمنطقة . وهو أمر أصبح أكثر صعوبة خاصة مع دخول بعض دول المنطقة عصر النفط .

     إن زعيما بهذه الرؤية المتطورة المتمعنة للواقع قادر ولاشك على قيادة رعيته إلى مرافئ الرخاء والازدهار وهذا بالضبط ما سمى إليه الشيخ راشد واستطاع تحقيقه في خاتمة المطاف . ومن بين أهم منشات البنية التحتية والخدمات الأساسية التي عمل الشيخ راشد على إقامتها مشروع توفير المياه العذبة لدبي . وقد بدأت الخطوة الأولى في هذا المشروع بإبرام حكومة دبي اتفاقية مع قطر في عام 1959 قامت بموجبها هذه الأخيرة بالتمويل وتزويد دبي بعدد من الخبراء للإشراف على مشروع للتنقيب عن المياه وبدأت الشركة القطرية المشرفة على المشروع أعمال المسح الجيولوجي لتتأكد من جدوى بئر منطقة العوير وكفايتها لسد احتياجات دبي من المياه وتبين في النهاية أنها قادرة على أرواء ظمأ دبي . وفي غضون اشهر قليلة من ظهور النتائج للمسح الجيولوجي تم مد الأنابيب الإسمنتية على جناح السرعة . ومن البديهي أن يصبح الإسكان في غمرة المشاريع الكثيرة التي بدا العمل بها في دبي هاجسا يؤرق الشيخ راشد خاصة وانه يدرك ضرورة استقدام عمالة وافدة للمساهمة في تطوير المدينة في المستقبل . وحينما بدا الطلب يزيد على السكن ارتفعت الإيجارات في المدينة إلى الضعف ، ولم يعد من ثم لدى كثير من المواطنين والوافدين القدرة على تحمل تكلفة الإيجار العالية .

     ولان الشيخ راشد كان يؤمن بحرية السوق فانه لم يمارس إلا بعض الضغط على أصحاب الأملاك لكي يخفضوا الإيجارات . وكان وضع الشيخ راشد مسالة حل مشكلة الإسكان ضمن أولوياته . فقام بإنشاء دائرة الأرضي والأملاك في عام 1960 واسند رئاستها لأكبر أنجاله وهو الشيخ مكتوم بن راشد .

     واجمع مخططوا البناء على اختيار منطقتي السطوة والكرامة كموقعين مناسبين لتشيد مساكن فيهما . وقرر الشيخ راشد إعطاء الأولوية لبناء مساكن مخفضة الإيجار . وكان يتابع سير العمل في هذه المشاريع بنفسه .

     ولم يكتف الشيخ راشد بذلك بل كان يجتمع برجال الأعمال والتجار ويحثهم على بناء مساكن  . وكان يقدم القروض لأولئك الذين كانوا بحاجة إلى تمويل لبناء مساكن وشقق سكنية . وقام بتوزيع قطع من الأراضي في السطوة على المواطنين لإقامة مساكن عليها . وكان لهذا النشاط الجم في قطاع الإسكان مردودة الإيجابي على حركة السيولة المادية في السوق مما ساعد في تنشيط الاقتصاد .

     ولم تكن الرعاية الصحية لشعبه بغائبة عن بال الشيخ راشد بل انه أولاها أقصى اهتمامه ويتجلى ذاك أكثر ما يتجلى في حثه المواطنين على مراجعة الطبيب الزائر بدلا من الاعتماد على الوصفات الشعبية للعلاج . فقد كان الأهالي يلجأون في السابق إلى الطب الشعبي الذي كان يمارسه المطوعون والمداوون .

     وشهد عام 1950 إقامة أول مستشفى حديث . ليس في دبي وحدها بل في كل إمارات الساحل المتصالحة . وأطلق عليها اسم مستشفي آل مكتوم . وكان هذا أول مشروع يرعاه الشيخ راشد . وكان المستشفى عندما أنشئ يتسع ب ( 38) سريرا فقط .

     وازدادت سعته لتصل إلى 109 أسرة في عام 1968 . وحظي المستشفي بدعم من جميع إمارات الساحل الذين أصبحوا أعضاء في هيئة المستشفى . وهكذا أصبح المستشفى مرفقا هاما لا يقدم الرعاية فحسب بل بات منشاة تجسد تطلعات أهل المنطقة لوحدة كتب لها أن تتحقق في عام 1971 على أيدي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة . وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وأخوانهما أصحاب السمو حكام الإمارات الأخرى .

     وفي عام 1960 أمر الشيخ راشد بإنشاء شركة التلفون والبرق واللاسلكي جنبا إلى جنب مع شركة كهرباء دبي . وكان يمارس إشرافا دقيقا على شركة التلفون باعتباره رئيس مجلس إدارتها .

     وفي خطوة تدل على حسن تدبيره وعقليته الاقتصادية أصدر الشيخ راشد في عام 1963 مرسوما بتأسيس أول بنك وطني . وهو بنك دبي الوطني المحدود برأسمال قدره مليون جنيه إسترليني بعد أن كانت التعاملات المالية والمصرفية حكرا على المصارف الأجنبية . فقد كانت دبي قبل مجيء المصارف الأجنبية إليها تفتقر إلى وجود مؤسسة مالية من هذا القبيل . وكان التجار يحتفظون بأموالهم في صناديق حديدية .

     وكان الشيخ راشد مدركا لذلك الواقع وموقنا بان وجود مصرف حديث سيعزز صورة دبي كمركز تجاري في المنطقة فسعى لجذب مصرف ذي سمعة جيدة ونجح في ذلك في 5 يناير 1954 إبرام اتفاقية مع ( امبريال بانك أوف إيران ) الذي عرف فيما بعد باسم البنك البريطاني للشرق الأوسط . واشترط الشيخ راشد أن يدرج في الاتفاقية بند يلزم البنك البريطاني بتوظيف مواطني دبي .

     وحظي التعليم في عهد الشيخ راشد باهتمام بالغ إيمانا منه بأهمية التعليم في تحقيق أهداف دبي في التنمية . وفي بداية فترة حكمه لم تكن المدارس النظامية قد انتشرت وكانت الكتاتيب تقوم مقام المؤسسات التعليمية وقد كانت منتشرة في جميع إرجاء المنطقة آنذاك . وكما هو معروف فان الكتاتيب تركز على تدريس القران واللغة العربية والحساب بشكل أساسي . ولقد أولى الشيخ راشد رعاية خاصة لمدرسة الاحمدية وهي أول مدرسة نظامية عرفتها دبي . وتكفل بمصاريفها منذ 1954 وكان يحرص على تقديم الدعم المادي لعدد من أبناء دبي الذين التحقوا بمدراس قطر وقام بتخصص جزء من قصره كمدرسة سميت بالمدرسة السعدية .

     ومع بداية عهده افتتحت خمس مدارس هي المدرسة السعدية للبنين في عام 1958 ومدرسة خولة بنت الازور الابتدائية للبنات ومدرسة الخنساء الابتدائية للبنات ومدرسة آل مكتوم الابتدائية للبنين ( 1958ـ 1959) ومدرسة الشعب المتوسطة للبنين ( 1959 ـ 1960) .

     وبعد توليه رئاسة مجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1979 أكد الشيخ راشد على اهتمام حكومته بالتعليم مشيرا إلى إن هذا الاهتمام يأتي إدراكا من الحكومة بأهمية التنمية البشرية  . وسعيا منها لبناء جيل من الكوادر الوطنية المؤهلة علميا والقادرة على النهوض بتنمية البلاد .

     وفي ستينات القرن الماضي توجه الشيخ راشد إلى القاهرة لاستجلاب مدرسين من اجل البدء في تنفيذ برنامج تربوي واسع . ومن المواقف الدالة على بعد النظر اهتم الشيخ راشد بتطوير التعليم المهني إدراكا منه للحاجة إلى تدريب القوى العاملة . فقد أنشئت مدرسة تجارية في الشارقة عام 1958 وكانت تقبل طلابا من دبي وبعد ذلك بسنوات وتحديدا في عام 1964 افتتحت المدرسة التجارية والصناعية في دبي .

     ويذكر عباس عبدالله مكي في كتابه ( راشد رجل وراء نهضة دبي) انه لما أجرى تسليم جميع  شؤون التعليم إلى  وزارة التربية والتعليم الاتحادية في عام 1972 كان عدد المدارس التي تم بناؤها في دبي قد وصل إلي 16 مدرسة للبنين و12 مدرسة للبنات . وقفز عدد المدارس الحكومية في بداية ثمانينات القرن العشرين إلى 55 مدرسة تضم أكثر من 27 ألف طالب وطالبة إلى جانب 42 مدرسة خاصة تستوعب 24 ألف طالب وطالبة .

     وفي عام 1962 افتتح الشيخ راشد جسر آل مكتوم الذي ربط بين بر دبي وديره وتحمل الشيخ راشد عبء إنشاء المرافق السيادية كالدفاع والأمن والقضاء والإدارة العامة التي لم تكن موجودة بالمعنى الفني للكلمة نظريا أو واقعيا قبل تولى الشيخ راشد حكم الإمارة في عام 1958 وكانت الشرطة قد تم تشكيلها في شهر يوليو من عام 1956.

     وبمقتضى مرسوم أميري صدر في أواخر الستينات عين الشيخ محمد بن راشد بن سعيد آل مكتوم رئيسا للشرطة والأمن العام في دبي من اجل تطوير جهاز الشرطة وتقويته ليكون مواكبا لحركة التعمير والبناء التي عمت الإمارة.

     ولاستكمال مؤسسات العمل العام أصدر الشيخ راشد توجيهاته بتأسيس دار القضاء بمنطقة البطين ببر دبي . وفي العام 1959 انتقلت المحكمة إلى قلعة نايف التي كانت تضم الشرطة والسجون . كما أصدر حاكم دبي القوانين والمراسيم الحكومية والضوابط المنظمة للعمل القضائي.

     وفي عام 1971 أصدر الشيخ راشد أمره للشيخ محمد بن راشد بإنشاء قوة للدفاع بإمارة دبي . وقد تم دمج القوات المسلحة في الإمارات دمجا اتحاديا عام 1976. وتولى الشيخ محمد راشد وزارة الدفاع  وتغير مسمى قوة دفاع دبي إلى مسمى المنطقة العسكرية الوسطى.

فلسفته في الحكم

     استطاع الشيخ راشد على مدى اثنين وثلاثين عاما هي مدة حكمه . ان يصنع من دبي مدينة عصرية تقارع كبريات مدن العالم حداثة وعصرنه . وساهم كذلك في تأسيس اتحاد الإمارات العربية المتحدة بفكره وجهده حتى باتت الإمارات العربية المتحدة دولة تتبوأ مكانه مرموقة بين دول العالم . وما من شك إن رجلا تلك إسهاماته لم يكن حاكما عاديا . فقد كان الشيخ راشد طوال فترة حكمه لدبي وتقلده منصب نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء . ينطلق في إدارة شئون الحكم من فلسفة بسيطة وواضحة فقد كان يجمع بين النظرة التقدمية الواعية وحصافة التاجر. وله رؤيته الخاصة لمفهوم الديمقراطية إذ كان يقول : " إن مفهومنا للديموقراطية هو خدمة أبناء شعبنا . وإعطائهم الفرصة الكاملة للمشاركة في بناء بلدهم . والكل سواء".

     وقد كرس هذا المفهموم المتقدم للعمل العام طابعا مميزا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم . فلا غرو إن كان أفراد الشعب على اتصال مباشر بحكامهم يعرضون عليه مظالمهم ويصغى هو إليهم باهتمام .

وقد عرف عن الشيخ راشد بساطته وتواضعه وهما خصلتان استلهم منهما أسلوبه المتميز في إدارة شؤون الحكم وتمثل هذا التواضع في انه لم يكن يدعى عصمة من الخطأ ولا تكبرا وترفعا يبعده عن رعيته . فقد كان يقول : " إننا ندعو المواطنين إلى التعاضد والتماسك والتعاون مع المسئولين على أساس المصارحة والصدق في القول . فنحن لا ندعى العصمة من الخطأ . إذ أن شعارنا الأول في تحمل المسؤولية هو المزيد من العمل المنتج الهادف . ومن لا يعمل هو وحده لا يتعرض للخطأ .

     وكان الشيخ راشد يعتمد المباشرة أسلوبا للحكم وكان دائم البحث عن حقائق الأمور. ولم يكن متعجلا في اتخاذ القرارات . وقد لاحظ كل من تعامل معه مهندسين ورجال أعمال وإداريين انه كان يطرح الكثير من الأسئلة ويستمع إليهم بانتباه . وكان نشيطا ذا ذهن وقاد . وذاكرة قوية . وذكاء حاد . وقد استغل كل تلك الملكات أحسن استغلال من اجل تحقيق الأهداف التي وضعها نصب عينه .

     ولم يكن الشيخ راشد .بشهادته أصدقائه.يحب أن يحيط نفسه بمن كانو يوافقونه الرأي في كل شي . وكان دائم البحث عما هو جديد . ولم تكن أسفاره إلى الخارج إلا من اجل بلده وتطورها . فقد كان يعود من كل رحلة خارجية بأفكار جديدة لدبي ويدرس إمكانية تطبيقها . وكان مجلسه منبرا حرا لتبادل الآراء ووضع الخطط لتنمية دبي .

     وفي ذلك يقول جريم ويلسن في كتابه راشد بن سعيد آل مكتوم الوالد والباني : " إن احد المفوضين السياسيين البريطانيين شبه مجلس الشيخ راشد بأسلوب كيندي في إدارة البيت الأبيض في واشنطن حيث كان الرئيس الأسبق للولايات المتحدة عادة ما يخاطب كبار المفكرين والمبدعين في بلده ويحثهم على العمل والإنجاز . وكان الشيخ راشد يؤمن بأن ثقافة المنطقة وعاداتها وتقاليدها المستمدة من روح الإسلام لا تتناقض مع حركة التطور والتنمية بل هي صمام أمان المجتمع . وكان شديد الاعتزاز بقيمة الأخلاقية حريصا على أن لا يؤثر ظهور النفط وعائداته المالية على أخلاقيات شعبه .

     وكان اهتمام الشيخ راشد بتطوير التجارة والصناعة احد أهم الأسباب في قصة نجاح دبي . فقد كان يعمل جاهدا على خلق المناخ الملائم للعمل عن طريق توفير الوسائل المساعدة على تنشيط الحركة الصناعية والتجارية . وكان دوما يقول أن الواجب يفرض على المرء مواصلة الجهاد والعمل حتى يصل إلى تحقيق أمانيه وأهدافه .

     ومما يدل على بعد نظره وثاقب تفكيره انه كان من أوائل الحكام في المنطقة الذين نادوا بضرورة بناء دولة حديثة يسودها القانون . ويحتل فيها النهج العلمي مكانته . ويستند فيها العمل على الموضوعية . والتخطيط في شتى مناحي الحياة .

     وكان الشيخ راشد يتمتع بحس وطني نادر ودراية تامة بشؤون الاقتصاد . ولا يملك المرء . وهو يقرأ سيرة هذا الحاكم الفذ إلا أن يبدي إعجابه بتلك النظرة البعيدة التي سبق بها زمانه . فقد قال الشيخ راشد قبل ثلاث عقود مضت انه لم يفكر يوما ولن يفكر في استثمار أموال الدول خارج الدولة . وها نحن نرى اليوم الآفة التي تعاني منها اقتصاديات الدول العربية ان أموال مواطنيها مستثمرة في دول أجنبية . وليس ادعى للباحث وهو يتناول سيرة حياة رجل في قائمة الشيخ راشد من أن يستشهد بآراء الكتاب والمفكرين الأجانب . فها هو الكاتب الصحفي البريطاني . جريم ويلسن يقول فيه : " والواقع أن قراءة تاريخ تلك الفترة ليس بالأمر السهل فليس هناك سجلات مدونة تغطي الجزء الأكبر من هذا القرن العشرين . والشيخ راشد نفسه لم يكن مهتما بتوثيق أعماله . فكان اهتمامه الأكبر منصبا على الإنجاز من اجل المستقبل بدلا من تضيع الوقت في تسجيل مآثر الماضي . كان الشيخ راشد رجلا بعيد النظر لا ينتظر حدوث الأمر حتى يبدأ في تحليل أبعاده . وكان يتخذ القرار ويشرع في تنفيذه على الفور وقبل أن يجد نفسه مطالبا بالالتزام بالأعراف الدولية . بعد أن أصبح لدى دبي شأن على الساحة الدولية ".

     وكان الشيخ راشد يلتزم تجاه الطرف المتعامل معه بمجرد المصافحة بالأيدي . وكان هذا هو الأسلوب البدوي التقليدي في عقد الصفقات . والمدهش في الأمر انه كان أسلوبا فعالا وناجحا . وكان الشيخ راشد يوفي بالتزاماته ويتوقع من الطرف الأخر أن يلتزم هو أيضا دون الانتظار حتى يتم تحرير عقد رسمي بينهما.

     يقول العميد الدكتور محمد حافظ عبده الرهوان في كتابه ( الاستراتيجية الأمنية التنموية للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ) . إن من أهم أسباب نجاح إنجازات راشد التنموية انه كان يؤمن بذاتية التنمية أسلوبا ومنهجا . أي انه كان يؤمن بان لكل بلد موقعه وموارده وطاقته التي تمكنه من النهوض وتفرض عليه خطة معينة للتنمية تتفق وظروفه الخاصة وإمكانيات أبنائه . مقتنعا في ذات الوقت بضرورة الاستفادة بتجارب الآخرين .

     وقد انتهج الشيخ راشد أسلوبا في التنمية مستمدا من عادات البلد وثقافته الإسلامية الأصيلة . فتبنى في سياسته مبادئ مثل تقرير الملكية الخاصة والعامة على السواء والاعتماد على القطاع الحكومي والقطاع الخاص في تحقيق التنمية . والأخذ بالشورى الإسلامية فكانت مجالسة مفتوحة لجميع فئات الشعب على نحو ما رأينا أنفا .كما منح الأرض مجانا للأفراد لاستثمارها . وقد اخذ الشيخ راشد في تطبيقه لسياسته . بأهم مبادئ التنويع العادل للثروات في الإسلام عملا بالحديث الشريف القائل ( كلكم راعي وكلكم مسئول عن رعيته) فعمل على توفير الحياة الكريمة للمواطنين وكفل لهم السكن والرعاية الصحية والتعليم والأمن.

     وكان الشيخ راشد ينطلق في تصريف شؤون الحكم من إيمانه الراسخ بالله تعالى فكان نظيف اليد  . عفيف اللسان . ويمقت التسلط . وكان على قناعه من أن عجز الحكومات عن حل مشكلاتها الاقتصادية ينجم عنه تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والأمنية.

     وينقل جريم ويلسن في كتابه الذي اشرنا إليه من قبل . احد الذين عاصروا الشيخ راشد . قوله وهو يوجز فلسفة الأخير في الاقتصاد.

     " مع زيادة عدد السكان نشأت الحاجة إلى توسيع نطاق الدوائر الحكومية المدنية . وكان الشيخ راشد يدرك أن عدة دول خليجية كانت قد كبلت الأسرة التجارية فيها بقيود الروتين الحكومي والضرائب الجديدة والضوابط المعقدة . وكان يوجه من كان يعمل منا في مجالات تتعلق بالقطاع التجاري بضرورة تسهيل الإجراءات لكي تستطيع المؤسسات الشرعية مزاولة التجارة بسلاسة . وكانت سياسة الباب المفتوح التي اتبعها الشيخ راشد بالإضافة إلى غياب الروتين الحكومي من أهم أسباب جذب الكثيرين من الناس إلى دبي.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية