آل مكتوم / الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم / مولده ونشآته

- إمارة دبي

تعتبر دبي أعرق الإمارات العربية اقتصاديا فهي من ناحية مركز تجاري قديم نظرا لكونها تضم مرفأ رائعا يتكئ بدعة وطمأنينة على ضفاف الخليج، وهي من ناحية ثانية تلي إمارة أبو ظبي بالإنتاج النفطي مما جعل منها ثالثة مركزا صناعيا مهما حيث يضم جبل علي أكبر مجمع صناعي في الدولة.

تبلغ مساحة إمارة دبي 3885 كيلو متر مربع أي ما يعادل 5% من مساحة الدولة، تقع الإمارة على ساحل الخليج العربي بطول يبلغ 75 كيلو متر بين حدود إماراتي أبو ظبي)والشارقة، وتمتد الإمارة في الداخل حوالي 70 كيلو متر. يبلغ طول سواحلها 72 كيلومتر، يحد الامارة من الغرب الخليج العربي، ومن الشمال والشرق إمارة الشارقة، ومن الجنوب إمارة أبوظبي.

وهي صغيرة المساحة، ولكنها تتميز بكثافة سكانها من مختلف الطوائف، والأجناس، فهناك الإيرانيون، وهنود، وباكستانيون، بحيث انك إذ سرت في شوارعها لا تسمع إلا رطانة أعجمية من هندية وأوروبية وفارسية وغيرها.مدينة دبي تحطم حاليا رقما قياسيا في الخلل السكاني فنسبة المواطنين لاتتجاوز 17% من إجمالي عدد سكان دبي كما تشير إلى ذلك إحصائيات بلدية دبي و10% فقط حسب التقديرات العلمية.

وتعتبر دبي من أنماط المدن التجارية بدولة الإمارات العربية المتحدة وقد كانت دبي مركزا للتجارة البحرية القديمة وذلك منذ اكتشافها من قبل قادة الاسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، حيث كانت السفن تتخذ من ضوء المدينة مرفأ للراحة وهي تنتقل بالتجارة بين الصين والهند شرقا وبين أوروبا غربا. وقد عرفت دبي صناعة الغوص والاتجار باللؤلؤ منذ أن عرفت الصناعة والتجارة في منطقة الخليج العربي قبل خمسة عشرة قرنا.

كانت إمارة دبي وإلى عام 1833 تخضع لإدارة آل بوفلاح حكام أبو ظبي، إذا كانوا يولون عليها ولاة وحكاما يحكمون باسمهم هناك. غير أن عام 1833 شهد حدثا غامض أدي إلى قبيلة آل فلاسة، وهي إحدى بطون بني ياس من أبو ظبي واستقرارها هناك. ففي تلك السنة وعلى أثر مصرع حاكم أبو ظبي الشيخ طحنون بن شخبوط تولي الأمر أخوه خليفة بن شخبوط، ونتيجة للفوضى التي سادت البلاد قام الشيخان عبيد بن سعيد ومكتوم بن بطي الفلاسي بقيادة القبيلة، واجها نحو دبي وأعلنا انفصالها عن أبو ظبي وقيام إمارة دبي برئاسة الشيخ مكتوم، والتي استمر أولاده وأحفاده المعروفون بآل مكتوم يحكمونها إلى يومنا هذا.

- نشأته وحياته

في مستهل العقد الثاني من القرن العشرين وتحديدا في عام 1912 ولد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم " رحمه الله " ونشأ في كنف والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، الوالد الذي عرف بالورع والتقوى وسمو الأخلاق وحبه الكبير لمواطنيه، فضلا عن رجاحة عقلة وقدرته على مواجهة تلك الظروف الصعبة بصبر كبير وإيمان عميق.

ترعرع الشيخ راشد " رحمه الله " تحت رعاية والدته الفاضلة الشيخة حصة بنت المر رحمها الله التي كان لها مكانه خاصة في قلوب الناس، فهي كما يقول أهل دبي: " لم تكن أما لراشد فحسب، بل أنها أم لدبي كلها".

وفي هذه البيئة نشأ المغفور له بإذن الله في أجواء تسودها مكارم الأخلاق، حيث الحاكم يتبادل مع أبناء التقدير والاحترام، يسوسهم بحكمته ورعايته: أبا رحيما وقائدا حكيما. وفي هذه الأجواء نشأ الشيخ راشد رحمه الله ينهل من أسلوب أبيه وحكمته الشيء الكثير حيث المجالس مدارس يتلقي فيها النشء أول دروس الكرم والشجاعة والنبل والحكمة والحلم والصبر والعمل الدؤوب.

تلقي صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم دراسته الأولي في الكتاتيب في ذلك العصر الذي كانت تفتقر فيه المنطقة إلى وجود المدارس النموذجية. تعلم ما شاء الله له أن يتعلم من علوم الفقه واللغة العربية التي كانت توفرها المدارس في ذلك الحين. ومع بداية الدراسة النظامية بمدرسة " الأحمدية " التي أسست في أوائل هذا القرن ببر ديرة كان صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم من أوائل الطلبة المنتظمين في فصولها، حيث نهل العلم من خيرة المعلمين الذين كانت تستوعبهم تلك المدرسة، فتفقه في العلوم الدينية إلى جانب اللغة العربية والتاريخ والحساب والجغرافيا في وقت مبكر من عمره. ومنذ طفولته اتصف الشيخ راشد بصفة الرجل المكتمل مختلفا في تلك الصفة اختلافا كبيرا عن رفاقه وزملائه.. فقد كان أسلوبه في الحياة ينم عن فكر ناضج سابق لعمره.

عندما أصبح الشيخ راشد في سن لثامنة عشرة بدأ في حضور مجلس حكم والده الشيخ سعيد بن مكتوم، وقد استطاع الشيخ سعيد خلال فترة حكمة الطويلة والتي استمرت لمدة 46 سنة أن يضع حجر الأساس للاستقرار والتنمية والازدهار في دبي، ويتميز الشيخ سعيد بسمعة بين حكام الساحل المتصالح بأنه حكم ممتاز في القضايا التي تهم المنطقة، وعليه فقد كانت صفة تستحق أكثر التقدير في ضوء حقيقة أن الحروب كانت ذات ضرر لتجارة اللؤلؤ.

ونشأ الشيخ راشد محبا لرياضة الصيد بالصقور والقنص تماما مثل والده الشيخ سعيد، وقد جعلت هذه الهواية الشيخ راشد، يزداد قربا من والده بقية عمره. وقد تعلم الشيخ راشد من تلك الهواية الاستيقاظ مبكرا، وركوب الصعاب فلم يكن لحياة الدعة والراحة أي أثر عليه، وكان أصدقاؤه يخرجون مبكرا إلي الصحراء بعيدا عن المدينة لتدريب الطيور استعدادا لفصل الشتاء ولرحلات القنص التي أصبحت من الأنشطة السنوية الرئيسية بالنسبة لآل مكتوم.

وتهيأت للشيخ راشد في تلك الرحلات الفرصة لمرافقة والده الحاكم حيث اكتسب منه بعض الصفات التي ساعدته فيما بعد في إدارة شؤون الإمارة.

وبدت قدرات الشيخ في إدارة شؤون الحكم أكثر ما تكون وضوحا إبان الحصار الاقتصادي الذي فرضه البريطانيون، الذين كانوا جزء من دول الحلف، على إيران التي كانت تساند دول المحور في تلك الحرب. ولإحكام الحصار على إيران فرض البريطانيون على دبي حظرا على استيراد وتصدير المواد الغذائية حتى لا تجد طريقها إلى إيران. وما كان أمام الشيخ راشد في مواجهة هذا الموقف إلا إن يسعى لتوفير المواد الغذائية الأساسية لرعاياه وبأسعار تتلاءم مع المستوي الاقتصادي للناس في ذلك الوقت، فكان أن ادخل نظام البطاقات الذي سمح للمواطن بالحصول على حصته الشهرية من المواد الشهرية من المواد الغذائية له ولأفراد أسرته. واستعان الشيخ راشد في ذلك الوقت بأصحاب البقالات الذين تولوا مهمة توزيع تلك المواد بموجب الحصص الشهرية المذكورة في البطاقات.

بذلك أصبح مجلس الشيخ راشد، بعد ما أبداه من حسن تدبير وإدارة للأزمات على درجة من الأهمية لا تقل عن أهمية مجلس أبيه. وفي مجلس ذاك ظهرت كفاءة الشيخ راشد في اتخاذ القرار الحاسم ومقدرته على الإقناع، الأمر الذي أكسبه شعبية كبيرة خاصة وسط شبان المدينة.

وإلى جانب هذه المهام، كان الشيخ راشد مؤازرا لأبيه في الشؤون السياسية الرئيسية، وكان مناصرا للسياسة التي جعلت من دبي أكبر الأسواق في المنطقة فقد كان يردد دوما عبارة ( ما هو مفيد للتجار، مفيد لدبي ). وبفضل إدراك ووعي الشيخ راشد ومن خلفه والده الذي ظل يؤازره، بقيت أسواق دبي مزدهرة بالرغم من حالة الكساد التي عصفت بالمنطقة آنذاك. وقد بدأ واضحا في الأربعينات من القرن العشريين أن الشيخ راشد، بالرغم من انه لم يتول مسؤوليات الحكم رسميا إلا بعد عقدين من تلك الفترة، فقد كان يشارك بفاعلية في صنع القرار. ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى كان الشيخ راشد يحظى باعتراف من داخل البلاد وخارجها بحسبانه الدعامة الأساسية للحكم في دبي.

وفي صبيحة العاشر من سبتمبر عام 1958 أسلم الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكم دبي الروح إلى بارئها بعد تدهور حالته الصحية. وما أن ذاع الخبر حتى خيم الحزن على المدينة، وكان حزن الشيخ راشد على رحيل والده شديدا.

وبعد مراسم تشيع الراحل الشيخ سعيد رحمه الله تولي الشيخ راشد حكم إمارة دبي رسميا بعد إن كان طوال العقدين اللذين سبقا ذلك الساعد الأيمن لأبيه في إدارة شؤون الحكم.

وبعد وفاة الشيخ سعيد جرت عملية نقل الحكم إلي الجيل التالي بسلاسة تامة، ولم يشعر أهل دبي بتغير إذ أن الشيخ راشد حكم دبي لعقدين من الزمن قبل أن يكون الحاكم الفعلي،ففي عام 1928 تولي ولاية العهد في دبي وبذلك هيأه والده لتحمل المسؤولية وأشركه في تصريف شؤون الإمارة مما أكسبه تجربة غنية وخبرة كان لها الأثر الكبير في مسيرة تقدم الإمارة في السنوات القليلة الماضية، بل إن دوره البارز الذي يتميز به حين كان وليا للعهد جعله يحتل مكانه مرموقة لدي كل من عرفة. وقد تولي الشيخ المسؤولية الفعلية في حكم دبي بينما كان والده قد تقاعد، وعلى الرغم من عدم ظهور الشيخ سعيد كثيرا في مجلس أبنه الذي كان يمضي بحماس نحو تحديث دبي وتطويرها كانت مشاعر الاحترام تحتم على الشيخ راشد أن يأخذ رأي أبيه في الأمور الرئيسية فكان يعطيه فكرة عامة عما ينوى عمله، ويتشاور معه طالبا نصيحته.

- الحاكم اسما وفعلا

بعد يوم من جنازة الشيخ سعيد زار المفوض السياسي البريطاني الشيخ راشد في منزله بالشندغة لتقديم التعازي رسميا إلى حاكم دبي على وفاة والده. وبعد لقاء قصير قدم الشيخ راشد إلى هولي مذكرة يذكر فيها أنه تولي الحكم رسميا. أشار الشيخ راشد في تلك الوثيقة إلى انه تولي شؤون الحكم رسميا بعد وفاة والده باعتباره خلفا له.

نظمت دبي في الرابع من أكتوبر عام 1985 حفل تنصيب لحاكمها الجديد الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم آل مكتوم  الذي ولي مقاليد الحكم في الإمارة بعد وفاة المغفور له والده. وقد حضر مراسيم التنصيب حكام إمارات الساحل المتصالحة وشيوخها والمقيم السياسي البريطاني وعدة آلاف من المواطنين والأجانب المقيمين. وألقيت في الحفل كلمات بهذي المناسبة عبرت عما يكنه الناس للشيخ راشد بن سعيد من حب وتقدير ووجه الشيخ راشد كلمة شكر فيها الحاضرين على مشاعرهم النبيلة وقرأها نيابة عنه نجله الأكبر الشيخ مكتوم البالغ من العمر آنذاك خمسة عشر عاما. وأكد الشيخ راشد في كلمته حرص دبي على التعاون مع إمارات الساحل المتصالحة الأخرى مؤكدا لأهالي دبي أنه سيعمل معهم من اجل تحقيق التنمية والازدهار لدبي.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية