آل مكتوم / الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم / صفاته وخصاله

إن الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة قد لاحق التطور الذي يسود العالم حاليا وبقي متمسكا بدينه الإسلامي الحنيف .. مبدأ وعقيدة..

وكذلك راشد .. الإنسان .. الذي جعل من الإسلام نبراسا لإنسانيته.. فانطلق في اهتماماته المختلفة.. وقد وضع نصب عينيه إيمانه العميق بالله سبحانه وتعالى ليكون رافدا لا ينضب لحبه اللامتناهي لوطنه وأرضه.. ليكون معينا عذبا لأبوته الحانية  تجاه أبنائه المواطنين يكرس قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ).

مبدأ .. لا تحيد خطواته الثابتة عنه .. لم تكن ارتباطات راشد.. كرجل حكم ودولة.. لم تكن اهتمامات راشد كرجل أعمال ناجح..لم تكن طموحات راشد كأب .. مخلص .. لدبي .. إلا لتصب في منفذ واحد .. ذلك المنفذ .. هو تلمس مواقع الوجع في جسد الأمة.. ومن ثم تحديد سبل إزالته.. فراشد بن سعيد الذي خط لدبي طريقها نحو الحضارة والبناء.. قد خط قبل ذلك، وخلاله – طريق الحب والوفاء لابن دبي. فقد كان لأسلوب حياته المتفرد العديد من المظاهر التي جعلت من راشد الحاكم العادل.. والتاجر الناجح.. والمفكر الحكيم.. وقبل كل ذلك.. راشد الإنسان. نجده- وقد رسمت أفعاله- العديد من صفاته التي كانت تجعله رمز الراعي المتفاني من اجل رعيته.. يدفعه حبه وإخلاصه وإيمانه العميق بالمبادئ السامية إلى أن يجعل من نفسه أبا حنونا يطبطب بيديه الكريمتين على كتف أبنائه الذين اجتمعوا من حوله وقد رسم لنفسه.. وللآخرين العديد من القناعات، وأرد بعضها ملامحا رسمتها أحاديث الآخرين عنه. 

- حلمه وسعة باله

يشهد العديد ممن حضروا مجلس الشيخ راشد – رحمه الله – له بميزة قد لا تتوفر في الكثيرين من أولي المر في العالم العربي.. وعلى مستويات عديدة إذ يذكر سيف الغرير ( رجل أعمال) .. ( لعل أكثر ما يشد انتباه الشخص الذي يدخل مجلس الشيخ راشد المفتوح على مصراعيه لأول مرة .. مهما كانت وضعية هذا الشخص زائر كبير.. موظف ..مواطن عادي حملته حاجه أو كربه أمر وعصره ضيق ..يشد انتباه الواحد من هؤلاء أن الشيخ يصغي إليه بانتباه حقيقي ونظراته مركزة على وجهه وقد نفض التبغ من مدواخه).

- حبه لفعل الخير

هي غريزة في راشد الخير الذي لم يألوا جهدا أو مالا إلا وبذله في سبله المختلفة .. كان يزرع مالا .. وقولا .. ليحصد في القلوب محبة ..

" يذكر سعيد بن خميس العدل ( مواطن _ 70 سنة ) ... موقفا رآه بعينه في مجلس راشد ...( في إحدى المرات جاءه رجل فقير من مكان بعيد يطلب حاجة .. وقبل أن يعرف من هو وما هو مطلبه قال لأحد رجاله قم يا رجل وأعط هذا الرجل ما يريد )

كما يستعيد احدهم شريط ذكرياته فيقول ل حسن أبو حلو ( مدرس ) ..

(كان بيت المدرسين في دبي قرب العبرة .. قريبا من مدرسة الشعب , وكنا نعبر الخور ونمشي إلى المدرسة الثانوية , وأدرك الرجل العظيم ما نعانيه من مشقة وضياع للوقت . وذات صباح وجدناه على العبرة يقف إلى جوار لنش أبيض .. ويشير بيده .. تفضلوا هذا لنشكم , وتحت أمركم .. وكانت لفتة كريمة حانية ..وأصبحنا من يومها نركب اللنش ذهابا وإيابا , مدرسون وطلاب من عبرة دبي إلى الثانوية في ديره ) .

كما ويذكر سيف الغرير ( رجال أعمال ) مبينا عشق راشد للعمل .. وتشجيعه للآخرين عليه من خلال حبه لفعل الخير .. إذا يقول ..( كان عندما يعلم أن تاجرا تعرض لمحنة أو انكسرت تجارته طلبه وساعده في صمت حتى يقف على رجليه من جديد , وكان إذا احتاج مالا اقرضه دون أن يشترط عليه زمنا محددا لرد الدين , بل انه لا يسأله أبدا ) .

- الرؤية

قال عنه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم :

"أنني أبني ميناء راشد لأنه يمكن أن يأتي يوما لا تقدرون على بنائه، لم يفكر أحد قبل والدي في تنفيذ مشروع كهذا ولكن والدي فكربه ونفذه فكيف اهتدى إليه؟ هذا السؤال لا اعرف جوابا مختصرا له، لكن لو حصرت إجابتي بكلمة واحدة لقلت إنها الرؤية.

- ديمقراطيته

إن اهتمام _ راشد _ بمبدأ الشورى باعتباره أحد الأركان الأساسية للحكم في الإسلام جعل منه .. حاكما ديمقراطيا .. إلى أبعد ما تحمله هذه الكلمات من معنى حيث يعلن ..

( أن هذا المبدأ هو أساس كل عمل ديمقراطي , كمل أنه من أسس تراثنا وعقيدتنا الإسلامية التي تدفع الجهود الوطنية في البلاد نحو المزيد من العمل والنجاح ) .

ويذكر سيف الغير ( رجل أعمال ) ( كان _ رحمه الله _ يؤمن بالشورى , يطرح أفكار المشاريع على خلصائه في المجلس وعلى المختصين ثم يفتح أذنيه وقلبه ليستمع لكل حديث ولا يقطع على واحد كلامه مهما طال , ولا يتعصب لحظة طرحها للتنفيذ , كان مجلسه عبارة عن برلمان حقيقي , فقد اهتم منذ بداية توليه الحكم بأن ينزع من مجلسه الرسميات والرهبة والوجوم .. وأن يظل هو المستمع الأول والأخير ) .

كما ويذكر .. خليفة النابودة ( رجل أعمال ) ..( الشيخ راشد ديمقراطي بمعنى الكلمة .. و استطيع القول أنه فتح قلبه وعقله لآراء الناس واقتراحاتهم , وكان لديه مجلس يجتمع فيه الناس بعد ظهر كل يوم من الخامسة حتى السابعة ) .

- متابعته الشخصية للعمل

عرف _ رحمه الله _ باهتمامه اللامحدود بمتابعته الأعمال التي تقام تحت رعايته سواء كان ذلك في دبي .. أو في بقية الإمارات بصفة عامة خلال فترة توليه رئاسة مجلس الوزراء .. ولم يكن يمنعه ..قيض الصيف . أو برودة الشتاء .. ليثبت تواجده الدائم في مواقع العمل ..حيث يذكر الشيخ عمر الماجد ..

( كنا معه في إحدى المرات في منطقة حتى , وبعد الغداء والوقت في أشد الحر , خرجنا _ ولا نعرف أين يريد  _ فذهب بنا إلا المكان الذي تقام فيه السدود .. لينزل من السيارة .. ويقف في الشمس ليأمر .. وينهي ويتابع سير العمل ) .

- القدرة على الوصول للهدف

ليست العبرة في تحديد الهدف فقط , لكن العبرة في القدرة على الوصول إلى الهدف , وراشد بن سعيد المكتوم لم يكن في يوم من الأيام قادرا على تحقيق هدفه فقط , بل كان أيضا يتمتع بصفة أخرى من صفات القائد الناجح , ألا وهي القدرة على الوصول إلى الهدف والمبتغى المنشود , كما انه لم يكن فقط من الرجال الذين يتمكنون من الوصول إلى أهدافهم , وإنما كانت سرعة وصوله إلى هدفه سرعة تكاد تكون في فترة زمنية مناسبة نادرا ما تتحقق لغيره . لقد كانت قدرته في الوصول إلى هدفه قدرة تذهل كل من حوله , وتبعث في نفسه الدهشة والاستغراب .

- رحمته بالأطفال

إن راشد بن سعيد _ الأب الحاني على أبنائه صغارا وكبارا _ كان يجد في الطفولة بذور الغد وحلمه الذي سيكبر .. لتتحقق معه أحلام راشد وطموحاته لذا كان رحيما بالأطفال .. محبا لتواصله معهم .حيث يذكر عبد الرحمن السيد ( مواطن ) .. " تعود بي الذكريات حين كنا صغارا , وقد استأجرنا سيارة , لنلعب مباراة كرة القدم مع احد الفرق البعيدة عن حينا ... وبعد انتهاء اللعب انتظرنا طويلا أن تعود السيارة التي استأجرتاها ,  ولكنها لم تعد . فقررنا العودة سيرا على الأقدام , وبعد رحلة طويلة , كان الليل قد أزف ..وبدأ الظلام يرخي سدوله , وفجأة توقفت سيارة حاملة رقما حكوميا تتضمن عتاب الأب الخائف على أبنائه .. يسألنا إلى أين ذاهبون في هذا الوقت ؟ فهو كأب يحرص على تربية أبنائه , يعلم معنى بقاء الصغار خارج المنزل في هذا الوقت وفي هذا المكان ..لم ينتظر منا تفاصيل الإجابة .. وفتح باب السيارة الخلفي .. وكان يجلس كعادته حتى مرضه بالقرب من السائق وأمرنا بالصوت الحازم الحنون ذاته .. أن نركب , وتدافعنا إلى داخل السيارة وانحشرنا فيها , اتسخت لسيارة وملابسه بالرمال والطين والأتربة العالقة بأجسامنا وملابسنا وكأن شيئا لم يحدث .. سرنا في الطرق .. سألنا ( تبون .. ماء ) وأجبنا في صيحة واحدة ( هيه ) عرج بنا إلى أحد الدكاكين واشترى لنا ماء ومرطبات .. وفوجئ أهل الحي والفرق المنافسة لنا بأن فريقنا يعود إلى الحي .. في سيارة راشد بن سعيد وأيضا في صحبته " .

- قوة الذاكرة

ومن بين الصفات القيادية لهذا الرجل قوة الذاكرة , وهي التي تلعب دورا هاما ورئيسيا في حياة أي فرد فينا , فقوة الذاكرة صفة من الصفات الواجب توافرها لدى أي قائد كي يحقق نجاحا ما , وإذا جاز لنا أن نصنف الذاكرة من حيث قوتها إلى ثلاث أصناف .. الذاكرة الحادة , الذاكرة المتوسطة المدى والذاكرة الضعيفة , فإن المغفور له صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد المكتوم كان يتمتع بذاكرة قوية تفوق العادة , فكان رحمه الله إذا حدثك عن شي وأجبته بإجابة ما فلا تظن أنه سينسى ما قلته بعد فترة زمنية ما , ولهذا فقد ترك لدى جميع المسؤولين انطباعا عما يمتلك من قوة في الذاكرة تجعله ملما إلماما كبيرا بما يحيط به .

ومما لاشك فيه أن قوة الذاكرة تجعل من يمتلكها إنسانا ملما الماما كافيا ومدركا إدراكا واسعا بجميع المسائل المتعلقة بأحداث أو وقائع ماضية , ومن يملك كل ذلك تكون لديه القدرة على المتابعة .

- القدرة البدنية

كان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد المكتوم يمتلك لياقة بدنية عالية مكنته من القدرة على المتابعة الناجحة لكل ما يصدره من قرارات وتعليمات . ولم تكن تلك القدرة البدنية نتيجة لمزاولة أي نوع من أنواع التمرينات الرياضية التي يزاولها رحمه الله , ولكنها هبة من رب العالمين لاؤلئك الذين اصطفاهم و اختارهم لتولي المسؤوليات الجسام كي يتمكنوا من تحقيق أهداف وآمال أمتهم . وقد عرف عن آل مكتوم قدرتهم البدنية واستعدادهم الكبير على تحمل الأعباء الجسام مهما كلفهم ذلك من جهد طويل في سبيل تحقيق المتابعة المطلوبة لما يصدروه من أوامر وتوجيهات , ولقد كان لتلك القدرة البدنية للمغفور له أبلغ الأثر في تحقيق ما يصبوا إليه .

- المظهر العام وقوة الشخصية

إن المظهر العام وقوة الشخصية يلعبان دورا هاما في مسيرة أي قائد ناجح .. فقد كان المغفور له صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد الكتوم , في مظهره العام  , شخصية ذات هيبة وذات تأثير فعال تستوجب على الآخرين تقديرها واحترامها , إنه تأثير موهوب من الله سبحانه وتعالى . فحسن طلعته , وطول قامته , وثبات خطوته , وقوة حجته , وسعة درايته .. كل هذه الصفات جعلت منه حاكما له الهيبة المبنية على التقدير والحب والوقار .

وذات يوم كنت في حديث ودي مع أحد المواطنين كبير السن خبر الحياة وعرفها وأدرك أسرارها .. قال عبارة لا تزال عالقة في ذهني .. قال : " حكمنا راشد بأخلاقه الفاضلة الحميدة " .

- حبه للناس وتواضعه

إلى جانب المطار الجوي الكبير، يوجد ميناء دبي البحري الذي يقع عند مدخل الخور وفي مبني الجمارك يجلس شيخ دبي يوميا للاجتماع بأبناء الشعب حيث يستمع إلى شكواهم ويحاول أن يجد الحلول المناسبة لكل مشكلة. وصعدنا درجات السلم مع الصاعدين، وتقدمنا إلى مجلس الشيخ راشد بن سعيد .. كان الباب مفتوحا أمامنا على مصراعيه.. الناس يدخلون بدون استئذان أو كلام.. يخلعون النعال ويتجهون للجلوس في احد أركان مجلس الأمير العربي الذي لا يجد غضاضة في الجلوس على السجادة في ركن من الغرفة أمام شباك صغير يطل على خور دبي، وينظر في أمور رعيته. إن كل شيء في دبي قد تغير ماعدا شيخها! فهو مازال يدخن غليونه الخشبي الأسود الصغير، ومازال يضع التبغ في زجاجة أدوية فارغة.. وقد ساعدت سهولة الاتصال بالحاكم على حل الكثير من المشاكل في دبي.. قلنا للشيخ راشد: سمعنا أنكم استبدلتم بمجلسكم التقليدي مكتبا فاخرا مكيف الهواء، فما الذي حدث بالضبط؟ قال:" إني لا أميل إلى هذا المكتب الذي تتحدث عنه، ولا أحب الجلوس فيه، فهو مغلق ولا افتحه إلا إذا جاء البلاد زوار.. إن أمنيتي هي أن أظل على اتصال وثيق مع أبناء الشعب، وسأستمر بإذن الله في إتباع هذا الأسلوب..".

قلنا: ولكن البلاد والسكان تضاعف عددهم في 6 سنوات، والمدينة اتسعت وامتدت، والمصانع بدأت تظهر، والطرق تغيرت.. ودبي اليوم لم تعد دبي الأمس. قال: إننا لا نزال نسير على أنظمتنا السابقة، لأننا مازلنا شعبا صغيرا، أو إن شئت فقل عائلة كبيرة".

اختار الشيخ زايد ميزتين من مزايا الشيخ راشد وخصهما بالذكر حين قال : الشيخ راشد يمتاز بميزتين أولاهما أنه رجل سياسي بارع، وثانيهما أنه رجل يمثل مهارة غير طبيعية في عالم الاقتصاد. وهو رجل مشهود له بالتروى والتأني ولايستعجل الأمور ولايندفع في الجرئ وراء الافكار الجديدة قبل تمحيصها لئلا يكون من ورائها ضرر.

صفات قيادية كان لدي المغفور له بإذن الله الشيخ راشد رحمه الله صفات قيادية مميزة، فهو قائد موهوب منحه الله سبحانه وتعالى صفات القائد الناجح، وقد استخدم رحمه الله هذه الصفات في خدمة شعبه وبلده، فقد اعتمد التخطيط المستقبلي بنظرة ثاقبة تستشرق المستقبل وآفاقه، سواء كان ذلك في تطوير ورقي إمارة دبي، أو فيما يتعلق بمسيرة دولة الاتحاد وترسيخ مسيرتها وتعزيز وحدتها ، وكان رحمه الله معروفا بحسن التحليل والحنكة والحصافة، وهي صفات ميزت شخصيته ومسيرته في البناء والتطوير، والتطلع الي ارتياد آفاق التقدم والتحديث والتنمية. كما كان رحمه الله يمتلك فراسة مميزة في اختيار الرجل المناسب لوضعه في المكان المناسب، فضلا عن صبره الكبير وقدرته على العمل الدؤوب .

أنا لا أملك القدرة على تحليل شخصية هذا القائد الفذ , كان يستطيع أن يصل إليه كل إنسان دون حواجز يمكن أن تحجبه عن رغبته .

رحمك الله يا راشد الخير وأسكنك فسيح جناته .

 

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية