الأحمدية الثانية في الظهور والأولى في إمارة دبي
اختلفت
الأقوال أيضاً فيما يخص المدرسة الأحمدية في دبي، وإن كانت معظم الروايات تؤكد أنها
تعد المدرسة الثانية من حيث الترتيب، في تاريخ النشأة في الإمارات. وقد أنشأها
الشيخ أحمد بن دلموك، ثم أكمل بناءها ابنه محمد، وكان ذلك حوالي 1912 ميلادية .
في حين
يقول الشيخ محمد بن علي المحمود: إنها أُسست عام 1917، وثمة رواية أخرى أوردها
الشيخ أحمد بن حمد الشيباني، مدير المعاهد الدينية بدبي، تقول: بأن المدرسة الأحمدية قد جاءت بعد المدرسة أخرى قبلها تُسمّى بمدرسة الفلاح، وكانت لشغل المبنى
نفسه؛ ويذكر محمد حسن الحربي في كتابه عن: تطور التعليم في الإمارات أن هناك رواية
تقول: إن "الأحمدية" كانت أقدم مدارس دبي، والتي تأسست حوالي 1911م، وذلك من حيث
البناء المخصص والتنظيم الإداري، والدليل على ذلك أن هذا التاريخ مثبت على الجدار
الذي يعلو عتبة الباب الرئيسي للمدرسة، وإن اختلف الرواة في ذلك، كما أن المدرسة الأحمدية كانت من الشهرة، بحيث عرفت في المنطقة كلها، ولم تنافسها في الشهرة إلا
مدرسة الفلاح، التي اعتقد أنها تأسست في حوالي عام 1926 على يد الشيخ محمد علي زينل،
الذي كان رجلاً محسناً أنشأ عديداً من المدارس في منطقة الخليج، وكذلك في الهند
للجاليات العربية! ولم تشتهر مدرسة أخرى قبل الأحمدية في الإمارات، والذي يدعم هذا
الرأي هو أن الزعيم التونسي عبدالعزيز الثعالبي، الذي زار الإمارات عام 1924، لم
يذكر سوى المدرسة الأحمدية، وأشاد بمؤسسها الشيخ أحمد بن دلموك .
ويقول
الشيخ محمد بن يوسف الشيباني، موجه المعاهد الدينية بدبي: إن مدرسة الفلاح ، التي
سبقت المدرسة الأحمدية، تأسست نحو عام 1926م على يد الشيخ محمد بن علي زينل،
من عرب فارس. وتزامن مع هذا التاريخ تأسيس مدارس أخرى منها: السعادة، ومدرسة الهداية، ومدرسة الماجد .
وعودة إلى
حديث الشيخ محمد بن علي المحمود، الذي قال: إن "الأحمدية" قد أُنشئت عام 1917 على
يد الشيخ أحمد بن دلموك، حيث كان نظام التعليم فيها أقرب إلى الحلق الدينية
والتعليم شبه الحديث، وكانت إحدى مدرستين استعملتا المقاعد الدراسية للطلاب،
والثانية هي "السالمية"، وقد تعلم في حلقها الدينية أناس من بلدة "هنجام"،
وما يقرب من خمسة أفراد من عمان، وكانت تأتيهم الوجبة من بيت الشيخ، مؤسس الأحمدية
والمنفق عليها، محمد بن أحمد بن دلموك، وكان الأجر، الذي يؤخذ من طلبة النظام شبه
الحديث، منخفضاً .
وقد شكلت
المدرسة "الأحمدية" في دبي تحولاً بسيطاً من نمط المدارس السائد في أوائل هذا
القرن. وجاء التحول عن طريق المنهج، إذ شمل التدريس مواد الأدب والفقه والنحو
والتفسير، بالإضافة إلى ما هو متعارف عليه من تحفيظ القرآن الكريم وتعليم القراءة
والكتابة والحساب والخط. ومما يؤكد تقدم العلوم في هذه المدرسة أن أحد تلاميذها،
وهو الشيخ أحمد الشيباني، كان يقوم بالتدريس في الشارقة أثناء تلقيه التعليم في
الأحمدية! كما أن بعض الفصول في المدرسة "الأحمدية" كانت مخصصة للكبار، مثل:
الخطباء وأئمة المساجد !! وقد بلغ عدد طلاب المدرسة حوالي ثلاثمائة (300) طالب،
يقوم كل قادر منهم بدفع رسوم دراسية من روبية إلى روبيتين في الشهر، وإذا لم يستطع
دفع الرسوم يتم قبوله أيضاً. أما رواتب المدرسين فقد بلغت من 30 إلى 60 روبية في
الشهر، وكان شيوخ دبي من آل مكتوم يساهمون في دفع هذه الرواتب، وكانت الكتب تأتيهم
من مكة عن طريق القادمين منها، ولم يتجاوز ثمن الكتاب ربع أو نصف روبية، وكانت
الامتحانات التحريرية والشفوية تعقد للطلاب، بالإضافة إلى الامتحانات الفصلية على
مدار العام الدراسي، لتقدير مستوى الطالب، لنقله للصف الأعلى. وكانت تستخدم دفاتر
لتسجيل الحضور والغياب .
وبعد
كساد سوق تجارة اللؤلؤ عانت المدرسة من أزمات مالية فعاد الأساتذة العراقيون إلى
وطنهم، فتولى أمر التدريس الشيخ محمد نور، الذي خلفه فيما بعد الشيخ محمد اليماني،
ومعه من المعلمين أحمد بن محمد، وعلي الجزيري، وأحمد بن محمد، وعلي الجزيري، وأحمد
الحميدي، وعبدالرحمن المنصوري، ومحمد يوسف بن عبدالله ، ومحمد أحمد بو علي، والشيخ
أحمد بن محمد، والشيخ أحمد بن ظبوي والذي كان يعلم في الحجاز لمدة 12 سنة.
وكان
الطلاب الذين ينهون الأول المتوسط والثاني المتوسط ينقلون إلى مدرسة الفلاح في نفس
الإمارة.
ولم تكن
هناك شروط ولوائح فيما يتعلق بقبول الطلاب من حيث الأعمار أو الدراسة السابقة، وكان
الطلبة يأتون إلى مدرستهم سيراً على الأقدام حيث لم تتوفر في ذلك الوقت المواصلات
لنقل الطلبة .
وكانت
الإجازة السنوية في المدرسة الأحمدية أربعة أشهر في الصيف، وقد استمر التعليم شبه
النظامي قائماً، حتى وصول أول بعثة كويتية لإرساء قواعد التعليم النظامي.
ويذكر
محمد مطر العاصي في كتابه مسيرة التعليم أنه:" قام بالتدريس فيها علماء من المملكة
العربية السعودية، ومن منطقة الزبير، وهم : الشيخ عبدالله المزين، والشيخ أحمد
العرفج، والشيخ يوسف، من منطقة البصرة، وكان هؤلاء يقومون بتدريس طلاب العلم من
الفتيان والصغار في الطابق الثاني من المدرسة، وألى جانبهم كان الشيخ عبدالعزيز
المبارك والشيخ أحمد المبارك، والشيخ إبراهيم المبارك يقومون بالتدريس للكبار في
الطابق الأول، ومن الذين تتلمذوا على أيدي هؤلاء العلماء الشيخ ماجد بن محمد الماجد
والشيخ عبدالله بن محمد الماجد والشيخ علي بن دعفوس والسيد هاشم السيد رضا الهاشمي،
وعبيد بن راشد بالعضب والشيخ حسن بو ملحة والشيخ إبراهيم النجار والكثيرين من أبناء
الإمارات " .
ويهمنا
هنا أن نذكر معلومة وردت في دراسة نشرتها صحيفة الخليج بتاريخ 7 يوليو 1991 حول
"التعليم الحديث، في الإمارات ، ما قبل الاتحاد" حيث جاء فيها:" لفت أنظار
المسئولين الإنجليز في المنطقة وقتئذ، حضور شيوخ دبي وعلى رأسهم حاكمها، امتحان
مدرسة الفلاح في نوفمبر 1929م بدعوة من مؤسسها محمد علي زينل، قطعة أرض لبناء مدرسة
أكبر عليها، إظهاراً لتقديره لنتائج الامتحان الجيدة " .
مدرسة
السالمية :
وقد
أنشئت في دبي نحو العام 1342هـ الموافق 1923 وكانت في محل يدفع أجرته الشيخ سالم بن
مصبح بن زعل المعروف بابن حمودة، وكانت من أولى المدارس الآخذة بنظام الجلوس على
المقاعد، وكان محلها المستأجر من يوسف بن عبدالله السركال، وموقعها بالقرب من سوق
الفحم، بجوار بيت بن بشر، والد حميد، وجد بطي، وقد عمل بهذه المدرسة ثلاثة أشخاص،
وتتكون المدرسة من أربعة فصول وغرفة للمعلمين .
وكان من
أوائل مدرسيها "السيد صالح بن محمد الخليفي" القادم من نجد إلى الشارقة عام 1913م
بدعوة من الشيخ المحمود، وقد تلقى الخليفي تعليمه في مصر، متخصصاً في الرياضيات،
وتوجه إلى دبي متصلاً بسالم بن مصبح بن حمودة، الذي قدم له مساعدة مالية لإنشاء
مدرسة صغيرة سميت بالسالمية، وقد ظلت تفتح أبوابها للدارسين اثنى عشر عاماً .
وأهم ما
تميز به (السيد صالح الخليفي) عمق المعرفة والمهارة في مسك الدفاتر، وكان لهذا الفن
أصوله وقواعده، فكان يعلم هذه المادة بأجر غير أجرة التعليم المدرسي العادي.
وبذلك
قدمت مدرسة السالمية لطلابها مادتي: الحساب ومسك الدفاتر مما شكل إضافة جديدة
للمناهج التقليدية المتبعة آنذاك في المدارس شبه النظامية .
وممن
تتلمذ على يد "الخليفي": محمد بن ماجد الفطيم، ومحمد بن يوسف الشيباني، ومحمد بن
زعل، ومحمد المحمود .
وأهم ما
تميزت به هذه المدرسة: مناهجها اللغوية، ومستواها الرفيع، وإدخال نشيد في الطابور
الصباحي وآخر عند الخروج .
وبعد
إغلاق مدرسة السالمية عاد صالح الخليفي إلى الشارقة، ليقوم بتدريس مادة الحساب في
مدرسة الإصلاح .
مدرسة
السعادة :
افتتح
التاجران المعروفان محمد بن عبيد البدور، ويوسف بن عبدالله السركال هذه المدرسة في
دبي نحو العام 1343هـ الموافق 1924م، وكان محلها أولاً في بيت بن عوقد، بعد أن كانت
في قسم من بيت راشد بن أحمد بن شبيب "طواش وعالم"، ثم انتقلت إلى المحل الثاني في
أيام الشيخ مانع في سكة الخيل.
وفي
"أعلام وسير" عن الشيخ مانع بن راشد صاحب النالية وداعية التنوير، والمنشور في
صحيفة الاتحاد بتاريخ 19 مايو 1992م، جاء الآتي :
ومن ضمن
خطوات الإصلاح التي قام بها المجلس برئاسة الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي آنذاك
تستوقفنا شئون التعليم، حيث بدأت ثلاث مدارس في العمل بدبي، وتتضح الصورة جلية في
ذلك الخطاب الذي كان قد وجهه حينها شخصيتنا في هذه الصفحة، الشيخ مانع بن راشد بن
مكتوم، للحاكم الشيخ سعيد بن مكتوم، رئيس المجلس الأعلى لدبي، يقول فيه ما نصه:
"إن بعض الأعمال التي قررها المجلس وقد ابتدأ فيها العمل، هي –كما عرفناكم سابقاً-
فتح المدرسة الأحمدية، وقد عين لها ثلاثة معلمين مع خدم اثنين (كذا) ومن حال فتوحها
(كذا) للتعليم بلغ تلامذتها عدد 200 تقريباً، وكذلك فتحت مدرسة السعادة وعين لها
ثلاثة معلمين وقد بلغ التلاميذ بها 60. والأهالي مقبلون برغبة زائدة (كذا)، وبعد
يومين أو ثلاثة سوف نفتح المدرسة الفلاح (كذا) في بر دبي من الغرب. وسوف في الأثناء
نرسل لكم منهج التعليم " .
ونعود إلى
المدرسة مرة أخرى فنقول: كان ناظرها الشيخ محمد بن عبدالله اليماني الأزهري، وينفق
عليها التاجران البدور والسركال، والدراسة فيها على الحصير والسجاد اليدوي .
مدرسة
الفلاح :
وقد أنشأ
التاجر والمصلح محمد علي زينل الحجازي في بر دبي عام 25-1926م في بناء يملكه الشيخ
عبيد بن ثاني، بالقرب من بناء وزارة المالية الحالية، وكانت فرعاً من فروع الفلاح
في مكة المكرمة، والتي تنتشر فروعها في المدينة المنورة والبحرين وجدة، وجميعها
كانت تدار على نفقة محمد علي زينل .
اشتملت
المدرسة على تسعة فصول دراسية: من الصف الأول إلى الصف التاسع، ومدة الدراسة بها
ثمانية أشهر تعقبها عطلة تمتد أربعة أشهر، والدراسة على فترتين: صباحية ومسائية.
وكان غياب
الطالب يسجل يومياً، ويقوم عامل بالمدرسة بحمل الغياب إلى ولي أمر الطالب، سائلاً
عن سبب غيابه، وطالباً توقيعه بالعلم ! .
وقد
استعملت السبورة والطباشير، ودفاتر تحمل شعار مدارس الفلاح، وأقلام الرصاص، كما
حرصت المدرسة على أن يمارس طلابها الأنشطة كالرحلات والرياضة والمحاضرات والندوات
الدينية والثقافية .
وأغلب
المناهج التي كانت تدرس في مدرسة الفلاح دينية تشمل: كتب التوحيد، والفقه، والسيرة،
والحديث، والتفسير، بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية، والحساب، والتاريخ.
وقد حظي
كتاب الفقه المالكي وكتاب ابن عاشق الذي يحتوي على (314) بيتاً من الشعر بالإهتمام.
وكانت الكتب التي ترد من مكة عن طريق الحجاج وتباع بأثمان زهيدة لا تتجاوز النصف
روبية .
وكان
المدرسون يتقاضون راتباً سنوياً قدره (30) روبية ثم أصبح (15) روبية شهرياً ، وفي
عام 1948 أصبح (16) روبية شهرياً .
وبلغ عدد
الطلاب 30 طالباً، وبفضل النجاح الذي حققته المدرسة وإقبال الطلاب، وتشجيع الأهالي
على الدراسة، أعد محمد علي زينل، مؤسس المدرسة، مشروعاً لإقامة المبنى الجديد
لمدرسة الفلاح، على غرار مدرسة في جدة، واستقدم المهندسين الذين وضعوا الرسوم
الهندسية، غير أن الكساد الذي أصاب تجارة اللؤلؤ حال دون تحقيق آماله ! .
وفي عام
1940م توقف الإنفاق على المدرسة وصف رواتب المدرسين، فقام محمد نور بن سيف ومن معه
من المدرسين بفرض ربية أو ربيتين في الشهر على الطلاب القادرين، من كل حسب قدرته .
ومع
ازدهار التعليم في إمارة دبي، قام الشيخ سعيد بن مكتوم، حاكم دبي، بالإنفاق على
المدرسة، فأصبح التعليم بالمجان مرة أخرى .
وحول
مستقبل خريجيها يحدثنا الشيخ أحمد بن ظبوي: أن الطالب الذي ينهي الفصل التاسع
بالمدرسة كان مؤهلاً للقضاء أو التدريس .
وابتداء
من عام 1929 حتى 1935 تولى الشيخ عبدالرحمن محمد حافظ الأنصاري إدارة المدرسة لمدة
ستة سنوات.
وكان من
تلاميذه الشيخ راشد بن سعيد المكتوم، والشيخ بطي بن سهيل، وراشد بن جمهور، وعبيد بن
صقر بن غباش، والشيخ محمد بن أحمد الخزرجي، والسيد هاشم الهاشمي، وعبدالله الهاشمي،
وحمد بن مطر بن مصبح، وابنه مطر وعيال البدور .
ويذكر
محمد بن علي المحمود، ضمن طرائف التعليم وقتئذ: "أن الأساتذة كانوا لا يستطيعون أن
يقولوا كلمة (جغرافيا) عندما بدأت هذه المدارس في إدخال المواد الحديثة، لذلك كانوا
يطلقون على كتاب الجغرافيا اسم (كتاب الأقاليم)، وكانت كتب الحساب تأتي من سوريا
ومصر والعراق، ومن لبنان أيضاً " .