تاريخ وحضارة / الإمارات 5000 عام من الحضارة / المنطقة والخلافة الأموية

    ولا يمكن كذلك معرفة تاريخ أو مدة حكم الملكين سعيد وسليمان أولاد الجلندي عباد بن عبد . لكن مصادر التاريخ العماني تقول انه في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان ، فان الإمام عبدالله بن أباض صاحب المذهب الاباضي الذي عم داخل عمان ، كان يراسل عبدالملك بن مروان ، ويبدو ان عبدالملك اكتشف ان عمان خرجت عن سلطته . فأوعز إلى والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي بأن يوفد جيشا إلى عمان ليعيدها إلى سلطة الدولة الأموية . فقام الحجاج بتجهيز جيش سلم قيادته إلى قائد اسمه القاسم بن شعوة المزني . وهو الذي تشير بعض المصادر والاجتهادات إلى انه الجد الأول والأكبر والمؤسس الأول للأسرة والعشيرة القاسمية الحاكمة في إمارتي رأس الخيمة والشارقة إلى يومنا هذا .

     غادر القاسم وجيشه على ظهور سفنهم البصرة في العراق متوجهين نحو عمان فوصلوها ونزلوا في قرية يقال لها ( حطاط ) أما الجيش العماني فلقد كان بقيادة الجلندي سعيد بن عباد نفسه ، وبعد معركة حامية الوطيس انهزم الجيش الأموي القادم من العراق وتشتت فلوله في إرجاء عمان وقتل القاسم بن شعوه المزني أيضاً .

     ولما بلغت إنباء تلك الهزيمة إلى مسامع الحجاج بن يوسف الثقفي هاله ذلك الأمر فاستدعى أخا القتيل واسمه المجاعة بن شعوة المزني وأمره ان يقوم بتشكيل جيش يكون غالبية أفراده من النزارية وان يعلن النفير العام وأن يتقدم صوب عمان ويسحق مقاومتها سحقا .

     وقد تمكن القائد الجديد مجاعة أن يشكل جيشا بلغ تعداده أربعين ألف مقاتل . قسمهم إلى قسمين أو جيشين ، الجيش البري وتعداده عشرون ألفا . عشرة آلاف من الراجلين المشاة ، وعشرة آلاف من وحدات الفرسان والهجانة ، وهم في مقدمة الجيش البري وغادر العراق قبل حركة الجيوش الأخرى ، إما الأسطول والجيش البحري فقد كان بقيادة مجاعة نفسه وقد بلغ تعداد عشرون ألفا أيضاً .

     كانت قوة الفرسان والهجانة قد سبقت الجيش في وصولها إلى بلدة اسمها ( البلقعة ) ، ( واعتقد إنها قريبة من مدينة العين في ابوظبي الآن ) . وفي جبال تلك المنطقة كان يكمن سليمان بن الجلندي مع جيشه البالغ ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل . فشن هجوما على فرسان الجيش الأموي وتمكن من إيقاع هزيمة فادحة فيهم فشتت شملهم شر تشتيت . وفي تلك الأثناء وصل مجاعة على رأس قواته البحرية وأمر سفنه بالرسو في جلفار ( رأس الخيمة ) واتخذها قاعدة متأخرة لتحركاته .

     والتقى مجاعة في جلفار برجل من أهل ( توام ) إي مدينة البريمي العمانية المجاورة لمدينة العين في أبوظبي . فاخبره بما حل بقوة الفرسان ، كما اخبره عن عدد قوات جيش سليمان الجلندي . والغالب ان مجاعة بقى في جلفار فترة الى حين وصول بقية وحدات المشاة الراكب أو الراجل منها الى جلفار ، لانه قرر ان يتوغل الى داخل عمان وان يصل الى مسقط التي لم تكن حينذاك عاصمة عمان . وعندما تم له ذلك تحرك على رأس قواته تاركا راس الخيمة ومتجها غربا نحو مسقط . وفي تلك الاثناء كان الجيش العماني اثاني بقيادة سعيد بن عباد الجلندي قد اتخذ مواضع دفاية في بلدة ( بركا ) .  

     وقد وقعت أول معركة بين قوات مجاعة الأموي وقوات سعيد العماني فاندحرت القوات العمانية وتقهقر سعيد إلى منطقة الجبل الأخضر حيث اتخذ مواضع دفاعية هناك . أما قوات مجاعة فلقد عجزت عن صعود الجبل الأخضر الوعر فقرر مجاعة أن يطوق القوات العمانية هناك . 

     أما الأخ الآخر سليمان فلقد أسرع بقواته تاركا منطقة البريمي متجها لنجدة أخيه المحصور ، إلا أنه علم وهو في الطريق أن الأسطول الأموي وصل بحوالي ثلاثمائة سفينة إلى مسقط . فباغت سليمان تلك السفن وهاجمها واحرقها .

     فما علم مجاعة بن شعوة بما حل بسفنة الراسية في مسقط أمر جيشه الذي كان يحاصر الجبل الأخضر بفك الحصار والتوجه نحو مسقط . وفي مسقط تمكن مجاعة من إنقاذ بعض سفنه من النيران والغرق وركبها مع من بقى معه من الجيش واجه نحو سمايل .

     فلما علم سعيد الجلندي بوجهة الجيش الأموي سبقه إلى سمايل وكمن له هناك ، وما ان نزل جيش مجاعة هناك حتى كان سليمان وسعيد جلنديا أو ( ملكا ) عمان على أتمة الاستعداد لمقاومة الإنزال ، ولقد شنا هجوما تمكنا فيه من دحر الجيش الأموي فانهزم مجاعة ومن بقى معه ودخل جلفار رأس الخيمة ثانية ، وقرر ان يتحصن بها وان يتخذ منها موضعا دفاعيا . وكتب من هناك إلى الحجاج يبلغه بنبأ الكارثة التي حلت بالجيش الأموي الثاني .

     أما الحجاج فلقد استشاط غضبا واحترق ألما وهو يسمع أنباء الهزيمة التي حلت بجيوشة في عمان ، فقرر أعداد حملة جديدة يرسلها لنجدة مجاعة وجيشة المحاصرين في جلفار ، فاختار قائدا مصريا اسمه عبدالرحمن بن سليمان وأوكل اليه مهمة أعداد الجيش والتوجه إلى عمان ، فقام القائد المصري باختيار جنوده من بدو بادية الشام والعراق والأردن وتمكن من جميع قوة قوامها خمسة آلاف مقاتل من الفرسان والهجانة وسار مسرعا بها إلى جلفار رأس الخيمة ، وهناك انضمت إلى القوة المحصورة .

     ويبدو ان جنديا من جنود القائد المصري الأموي كان من أهالي مدينة البصرة أزدي النسب فهرب من وحدته والتحق بالجيش العماني وتمكن من مقابلة الملكين سليمان وسعيد وأخبرهما عن قوة الجيش الأموي وتعداده وتنظيمه .

     ويذكر مؤرخو عمان ان الأخوين سليمان وسعيد أخذا معهما أهلهم وذراريهم وهربا من عمان إلى أرض الزنج أي شرق أفريقيا ويقيا هناك إلى ان ماتا . وهكذا احكم الحجاج قبضته على عمان واتخذ ـ على الأغلب ـ من جلفار راس الخيمة قاعدة للحكم وللاتصال بين العراق والشام من جهة ، وعمان ودول الخليج الأخرى من جهة أخرى .

     وتعاقب ولاة بني أمية على المنطقة فكان منهم الخيار بن سيرة المجاشعي ، وعلى زمن الخليفة عمر بن عبدالعزيز كان والي عمان والمنطقة هو عدي بن أرطا الفرازي ، وكان آخر وال يبعثه الأمويون من الشام إلى عمان هو عمر بن عبدالله الانصاري .

     وبعدها قررت حكومة الشام أن تولي أمر عمان إلى أحد العمانيين فأوعزت إلى الأنصاري بأن يسلم مقاليد الحكم إلى رجل من أهل المنطقة هو زياد بن المهلب الأزدي . وفي يوم تسليم مقاليد الحكم من الحاكم القديم إلى الحاكم الجديد قال الأنصاري للأزدي : " هذه البلاد بلاد قومك فشأنك بها " . وهكذا بقيت عمان والمنطقة تدار بيد أبنائها الى أن سقطت الدولة الأموية في الشام وقامت الدولة العباسية في العراق .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية