تاريخ وحضارة / الإمارات 5000 عام من الحضارة / المنطقة والخلافة العباسية

    كان قيام الدولة العباسية بداية ظهور المشاكل والحروب في المنطقة ، وظهر إلى الوجود ثانية اسم مدينة الملاحم والحروب والمآثر الجسام إلا وهي مدينة جلفار رأس الخيمة ، فعندما تولى أبو جعفر المنصور أمر الخلافة العباسية ، أمر بإعطاء ولاية عمان والمنطقة إلى احد أبنائها من بني هنأة ، وهو القائد جناح بن عبادة الهنائي ، فاتخذ من ( صحار ) عاصمة له وبنى جامع جناح هناك ، ويبدو ان الهنائي لم يعش أكثر من عام أو عامين ومات ، فتولى الأمر من بعده ابنه محمد الذي كان قد مال بشدة إلى المذهب الاباضي في عمان وصار داعية له ، إلا أن محمد لم يعمر طويلا فخلفه في الحكم رجل من عائلة الجلندي هو الإمام مسعود بن جيفر الجلندي الذي سرعان ما تسمى بالجلندي أي الملك أو صاحب الجلالة .

     ويبدو من اسم هذا الرجل انه ابن جيفر الذي كان أول من أسلم من أهل عمان على زمن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .

     كما يبدو من دراسة الإحداث ان أبا جعفر المنصور لم يرض عما حدث في عمان فحرض رجلا من أهل المنطقة واسمه ( شيبان ) على إعلان الثورة ضد الجلندي الجديد ، , وأيده المنصور بجيش من العراق بقيادة هلال بن عطية الخراساني ومساعده يحيي بن نجيح .

     وكما حدث في المرات السابقة فان الجيش القادم من العراق انزل قواته في جلفار رأس الخيمة ، وهناك التقى الجيش العباسي بالثائر شيبان ، وقبل ان يتمكن القائد العباسي هلال بن عطية الخرساني من اتخاذ إي قرار ، كان الجيش العماني بقيادة الجلندي قد تمكن من القيام بهجوم مباغت وكاسح ضد الجيش العباسي في جلفار فشتت شمله وقتل مساعد القائد يحيي بن نجيح ، كما قتل فيما بعد الثائر المنشق شيبان أيضاً .

     وبعد فترة وجيزة ثار ثائر آخر من أهل عمان وبتحريض من أبي جعفر المنصور وكان هذا الثائر حازم بن خزيمة واتخذ من جلفار قاعدة له لإعلان الثورة فقام الجلندي بتجهيز حملة ضد حازم توجه بها نحو جلفار وهناك تصدى له حازم وتمكن منه فقتل الجلندي في تلك المعركة وتشتت جيشه . فآل أمر عمان وما جاورها إلى بني العباس .

     ولكن الهدوء والاستقرار لم يطولا في تلك الربوع ففي ولاية الخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد انفصلت عمان انفصالا نهائيا عن الإمبراطورية العباسية واستقلت تماما كما سنرى .

     كان والي عمان على عهد الرشيد هو أحد أبنائها المسمى الوارث بن كعب الخروصي الذي قرر الانفصال فأعلن الثورة ونصب نفسه إماما ، فلما بلغت أنباء انفصال الخروصي إلى الرشيد ، استدعى احد أقربائه وهو القائد عيسى بن جعفر وأمره بالتوجه إلى عمان وطرد المنشق الخروصي وإعادة عمان إلى الحكم العباسي .

     تقدم عيسى بقواته التي يرجح أنه نقلها بحرا ونزل أيضاً في جلفار ومن هناك سار بهم غربا لمواجهة جيش الخروصي المتجمع في ( توام الجو ) أي مدينة البريمي المجاورة لمدينة العين حاليا . وهناك التقا الجمعان . وقام الخروصي بهجوم ناجح على الجيش العباسي فتمكن من دحره وتشتيته ، فهرب عيسى إلى جلفار ، وحاول من هناك أن يهرب بحرا إلى العراق إلا أن أهالي رأس الخيمة لحقوا به والقوا القبض عليه وهو في البحر وأسروه .

     وهكذا قدر لعمان وما جاورها عدا القطيف والبحرين أن تنفصل عن الإمبراطورية العباسية وان تحكم نفسها بنفسها ، وان تخوض فيما بعد غمار حروب أهلية وانشقاقات لا مثيل لها وأن تسودها الفوضى والقتل ، حتى أن أهلها عقدوا في عام واحد ستة عشر بيعة لم يفوا بواحدة منها .

     وعلى خلافة المعتضد العباسي أوشكت عمان ان تعود إلى حظيرة الدولة العباسية ، فعندما كثرت الفتن والقلاقل خرج من أهلها زعيمان هما محمد بن أبي القاسم وبشير بن المنذر واتجها إلى القطيف واجتمعا بالوالي العباسي هناك محمد بن نور ، وطلبا مساعدة بغداد لإقرار النظام ، فوافق المعتضد وقاد محمد بن نور جيشا قوامه خمسة وعشرون ألف مقاتل بين وحدات محمولة بحرا ووحدات من الفرسان ، وكانت جلفار رأس الخيمة أيضا مكان للنزول وتجمع القطعات حيث توجه بهم محمد بن نور والزعيمان العمانيان برا يفتح البلدان ويقر القانون والنظام إلى أن وصل إلى ( توام الجو ) أي البريمي ، ثم انسحب بعدها عائدا إلى القطيف بدون ان يعيد سلطة الدول العباسية على تلك الأرجاء . وفي تخميننا أن انفصال عمان كان عام 288 الهجري الموافق لعام 900 الميلادي .

     وفي الفترة من عام 900 الميلادي إلى ان وقع الغزو البرتغالي عام 1507 الميلادي فإننا لا نستطيع ان نعطي صورة واضحة عن أحداث المنطقة وأسماء حكامها علما بأنه في تلك الفترة سقطت الإمبراطورية العربية الإسلامية العباسية بيد المغول وتمزق العالم الإسلامي من يومها إلى وحدات وممالك وشعوب متنافرة متقاتلة فيما بينها إلى يومنا هذا ، وتسلطت عليها أمم أوربية احتلت جزأه الشمالي وجعلت من القدس عاصمة لها ، وأوربية أخرى ضربت الوطن العربي في شرقه وجنوبه باكتساح أوربي برتغالي استعمر المنطقة وجعل من مسقط عاصمة له .

     ولم يترك لنا مؤرخو عمان صورة واضحة ودقيقة عن تسلسل الإحداث وأسماء الملوك في تلك الحقبة ، فقد تعاقب على حكم عمان عدد من الأسر المالكة كان أشهرهم بنو نبهان ، والذي يبدو ان أخر ملوكهم كان الملك سليمان بن سليمان النبهاني المتوفى عام 1500 الميلادي .

     أما أجزاء المنطقة الأخرى فان قطر كان يحكمها آل الزجاج وهم من انساب زعيم اسمه محمد بن يوسف الزجاج ، وامتد نفوذ آل الزجاج إلى البحرين أيضاً ، وكثيرا ما دخلوا في قتال ونزاع مع الفرس حول ملكية الجزر . أما القطيف فقد تعاقب على حكمها عائلة ( العياش ) وهم من أنساب قائد اسمه يحيي بن العياش .

     وفي نجد كان الحكام ( بنو عصفور ) ثم انتزع الملك منهم قوم يسمونهم ( العيونيين ) ، إلى ان جاء ( بنو جابر ) إلى حكم نجد والقطيف وبقوا هناك إلى أن دخل البرتغاليون الى المنطقة فقاتلهم الزعيم مقرن أبو الجود أجود بن زامل بن جابر الذي أعدمه البرتغاليون كما سنرى .

     فالفترة بين انفصال عمان عن الدولة العباسية إلى الغزو البرتغالي تكاد تكون غامضة جدا في تاريخ المنطقة ولم يكتب عنها من أهل عمان أو من غيرهم ، بل انصرف اهتمام المؤرخين العرب إلى تدوين وتأريخ الإحداث الجسام والنكبات الأخرى التي حلت بالأمة الإسلامية في أجزائها الأخرى فلم يكتبوا أو يذكروا رواية مفصلة عن عمان وما جاورها .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية