|
كانت لصاحب السمو
الشيخ خليفة رؤية عميقة لمنطقة الخليج العربي، بوصفها منطقة إستراتيجية يرتبط أمنها
واستقرارها بأمن العالم واستقراره، وباعتبارها كذلك جزء لا يتجزأ من الوطن العربي،
ومن هذا المنظور فقد أكد "أن قيام المجلس كان بحد ذاته كسباً كبيراً لدول المنطقة،
والوطن العربي بشكل خاص، وللعالم كله بشكل عام، لأنه جاء محققاً لآمال وتطلعات
شعوبنا، وتعبيراً عن رغبتنا في البعد عن التوتر والصراع الدولي".
كما رأى أن قيام
هذا المجلس والتوقيع على وثائقه في مؤتمر قمة أبوظبي سنة 1980 " يعتبر مرحلة جديدة
من مراحل العمل الخليجي الموحد والتلاحم الأخوي والمصيري من أجل ترسيخ أمن واستقرار
الجناح الشرقي للوحدة العربية .
وأكد أن " مجلس
التعاون لدول الخليج العربية لم يأت كرد فعل لحدث بعينه فردود الأفعال تأت
ارتجالاً، لم يأت دفاعاً ضد هجوم موجه ولا تفادياً لخطر محدق لأن دول الخليج لا
تعاني من عقدة الخوف ولا تخشى ما يخشاه الآخرون. لم يأت مجلس التعاون الخليجي كدعوة
للعزلة ولا تحالفاً في مواجهة أحلاف معادية أو تكتلات، إنما جاء استجابة طبيعية
لرغبة حكومات وشعوب تمثل معاً منبعاً لرافد واحد يستمد مقوماته الأصلية من العقيدة
والدم والمصير الواحد ويجمعه الهدف الواحد والمصلحة المشتركة ."
إن وحدة دول مجلس
التعاون –كما يقول صاحب السمو الشيخ خليفة –هي وحدة " تقوم على أسس مشتركة كالعقيدة
والتاريخ والتوجيه، كما أن شعوبها تشكل مجموعة متجانسة ومتطابقة الآراء والمصالح،
ومن هنا يمكن القول إن أي جهد مشترك يمكن أن يثمر بأسرع وأكبر مما تثمر البذور في
أي تربة أخرى ".
وهي وحدة تخدم
التضامن العربي والمصلحة العربية، لذلك أكد سموه أن "دولة الإمارات العربية المتحدة
مع شقيقاتها من دول الخليج هي إحدى مرتكزات التضامن العربي ونحمد الله أن مرحلة
جديدة من التلاقي العربي والتنسيق المشترك قد أوشكت على البدء بروح من المسؤولية
وتقدير متكافئ لحجم التحديات التي تستهدف الأمة العربية " .
وثقة منه بالنفس
وما تزخر به هذه الأمة من إمكانيات فقد رأى أنه " إذا كان الأجداد قد أدوا دورهم في
حماية الخليج والحفاظ على أوطانهم وشخصيتها العربية والإسلامية رغم الإمكانيات
الصعبة، فإننا لا شك قادرون أيضاً على ذلك، وسنؤكد بالفعل وليس بالقول أن أبناء
المنطقة يقفون كشعب واحد في مواجهة المصير الواحد ".
وقال في مناسبة
أخرى " وقد كان أبناء الخليج عبر العهود الماضية هم حماة الخليج، وانطلاقاً من
حقائق التقارب والروابط والظروف التي تجمعنا فإن التعاون بين دول المنطقة يجب أن
ينبع من هذا الأساس، ونحن في دولة الإمارات لا ندخر وسعاً في سبيل توثيق الصلات بين
أبناء المنطقة، وتحقيق التعاون البناء والتفاهم الكامل، ودعم كل الجهود الرامية إلى
تحقيق الأمن وضمان الاستقرار في المنطقة، وهناك اتصالات عديدة جرت لهذا الغرض، وليس
من الصعب أن تتفق كلمتنا وإرادتنا نحن دول الخليج على ساحة التعاون الذي يضمن لنا
جميعاً بلوغ الغايات المرجوة وتحقيق طموحات شعوب المنطقة ".
وقد أدرك قادة
مجلس التعاون ضرورة الأمن والاستقرار لأي بناء حضاري، وفي ذلك يقول صاحب السمو
الشيخ خليفة إنه " لما كان توثيق الأمن هو القاعدة الأساسية لبناء الاستقرار وحماية
مكاسبنا الوطنية، فقد بدأت دول مجلس التعاون الخليجي خطوات جادة لوضع أسس تكفل
الحماية والأمن المشترك وتحقيق مبدأ التكامل الأمني، وأستطيع القول إن قضية أمن
المنطقة قد تعدت مرحلة الأماني إلى مرحلة جديدة من العمل التنفيذي وقطعت شوطاً
بعيداً لتحديد الوسائل وبلورة الأهداف واستثمار كل الإمكانات المتاحة لتحقيق الكثير
من الأمور الإيجابية والأساسية المتعلقة بأمن ورفاه شعوبنا .
ومع كل ذلك
فإننا مازلنا مطالبين ببذل الجهود الشاقة والعمل المستمر والدؤوب لكي نصل إلى
أهدافنا والوفاء بالتزاماتنا تجاه أمتنا ووطنا العربي الكبير ... لأن وحدة دول
الخليج كما تؤكد الأيام تنطلق من خصائص أصيلة وحقائق ملموسة لا تحتاج إلى مواثيق
مكتوبة وصيغ موثقة ".
وإذا كانت نظرة
الكثيرين للأمن مرتبطة بالناحية العسكرية، فإن سموه يدرك أبعاده الاجتماعية
والسياسية والثقافية، تلك الأبعاد التي لا يمكن إغفالها في أية إستراتيجية جادة
لضمان أمن مستمر، وفي هذا السياق يقول: "في يقيننا أن قضية الأمن في منطقة الخليج،
مثلها مثل قضايا الأمن في أية منطقة من العالم، تقوم على إستراتيجية بعيدة المدى،
وتستند إلى الاستخدام الأمثل للقدرات وتشمل عناصر متعددة اجتماعية وسياسية
واقتصادية، وأن ما يتم في أي مجال منها هو دعم للخطط الأمنية، إذ أن النواحي
الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرهما لا يمكن فصلها عن النواحي الأمنية، فهي تشكل
جميعها حلقات يكمل بعضها البعض، وتهدف في النهاية إلى تحقيق الرخاء والخير والأمن
للمواطنين في هذه المنطقة الأمر الذي ينعكس بلا شك على الوطن العربي الأم ويعزز
السلام والأمن الدوليين ".
ومن هذا المنطلق
فقد بيّن " إن أمن الخليج لا يعني بالضرورة الناحية العسكرية فقط، وإنما يجب أن
ينظر إليه من زاوية حماية المنطقة من التلوث مثلاً، كما أن أمن الخليج يتحقق إذا ما
أقمنا حول المنطقة وفي داخلها حزاماً صحيحاً واقياً ومحكماً، وأمن الخليج يستتب إذا
ما وفرنا لشعب المنطقة الأمن الغذائي غير الخاضع لتقلبات الأوضاع في العالم، وأمن
الخليج فوق هذا جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وهو لا يتحقق إلا بالقوة
الذاتية للدول العربية والتعاون الإيجابي مع سائر الدول التي تقع حول الخليج ".
ولاشك أن للخليج
العربي خصوصيته الإستراتيجية التي تفرض على الجميع الحفاظ على أمنه، وكما يقول صاحب
السمو فإن " منطقة الخليج هي من المناطق الحساسة بحكم موقعها الإستراتيجي، وما
تقدمه للمجتمع الإنساني من الطاقة التي تسهم في رخاء العالم كله، ولذلك فإن أمن
الخليج هو أمن العالم ككل، ومن مصلحة العالم أن تظل هذه المنطقة بمنأى عن الصراعات
الدولية، وأن تدرك القوى الكبرى أن منطقة الخليج يجب أن تكون منطقة سلام دائم
ومستقر من أجل سلامة موارد الطاقة واستمرار تدفقها .
ويقول في مناسبة
أخرى إن " أمن الخليج هو جزء من أمن العالم ككل ولذلك فإن مصلحة شعوب الأرض قاطبة
هي أن تظل منطقتنا بعيدة عن الصراعات الدولية ليستمر فيه الاستقرار والهدوء والأمن
الذي نعمت به ولتأمين الدور الذي تضطلع به لخدمة البشرية جمعاء ودعم السلام
العالمي. ومن هنا تبدو أهمية الاتصالات المكثفة التي تجري بين دول المنطقة لبحث
موضوع أمن الخليج... ونأمل أن تسفر هذه الاتصالات عن أفضل النتائج لتحقيق ما تصبو
إليه الشعوب ".
وانطلاقاً من هذا
الوعي الثاقب للمنطقة ولما ينبغي أن يكون عليه الأمن فيها فقد أكد على الارتباط
العضوي لأمن الخليج، عندما قال: "وإذا كان أمن الخليج هو أمن العالم ككل فإن أمن
الخليج في رأينا كل لا يتجزأ، وكل خطر يهدد إحدى دوله إنما يهدد المنطقة كلها، لذلك
فإن زعماء منطقة الخليج يعملون على ترسيخ علاقات التآخي الأزلية بين أبناء المنطقة
عبر أشكال التعاون الثنائي والجماعي والتشاور المستمر، وتبادل الآراء ونحن في دولة
الإمارات العربية المتحدة نتعاون مع الأشقاء في المنطقة بقلب وفكر مفتوحين " .
وهكذا يمكن القول
بكل تأكيد أن رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة لمجلس التعاون الخليجي، ودوره في تعزيز
بنيانه قد انطلقت من أسس نظرية تدرك تمام الإدراك مكانة المنطقة الإستراتيجية
والتاريخية، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به دول الاتحاد لخدمة الاستقرار والسلام
العالميين، وتعزيز روح التضامن والتنمية في الوطن العربي، باعتبارها نواة للوحدة
العربية المنشودة، ورافدا من روافد التضامن العربي.
وإذا كانت الجامعة
العربية ومجلس التعاون الخليجي – في فكر الشيخ خليفة – إطارين متكاملين لخدمة
التضامن العربي، من أجل السير بالأمة نحو حالتها الطبيعة في الوحدة وانتزاع الحقوق
المغتصبة، فإن القضية الفلسطينية وما انجر عنها كانت حاضرة في فكرر سموه، بوصفها
قضية العرب الأولى التي لا يمكن المساومة عليها، مهما كانت غطرسة الاحتلال وشراسته
.
|