البدايات كانت حسب المصادر التي أعتمد عليها هذا البحث هي زيارة
الطبيب (شارون توماس)
للشارقة ودبي . كان ذلك في عام 1902م ،
ونظر الطرافة رحلة الطبيب شارون إلى الشارقة فقد يكون من المفيد
هنا ذكرها كما كتبها نفسه:
" لم تغب الشارقة
ـ
وهي إحدى مدن الساحل العماني
ـ
من ذاكراتي لفترة طويلة . فمنذ أن زارها أحد أعضاء الإرساليات
الأمريكية في البحرين وهو (موريس مويرديك) العام الماضي وأنا
متشوق للقيام برحلة طبية إليها لبعض الوقت ولو لفترة قصيرة .
ومرت الأيام ونسيت الشارقة ولكن في صباح أحد أيام مارس
1902م جاء إلى مقر الإرسالية بالمنامة قبطان سفينة هندي من كلكتا.
وعندما عرف أننا ننـوي السفر إلى الشارقة عرض أخذنا معه إلى
جزيرة أبي موسى الواقعة في منتصف الخليج والقريبة نوعاً ما من
الشارقة ودبي .فقد كان هذا القبطان الهندي ذاهباً إلى هناك لأخذ
حمولة من (الأكسيد الأحمر) .
وعندما وجدنا أن السفر إلى (أبو موسى) وعبر السفينة
السريعة نوعاً ما سيوفر علينا بضع مئات من الأميال فيما لو سفرنا
بواسطة أحد القوارب المحلية ، عندما وجدنا ذلك قبلنا عرض القبطان
واتفقنا معه على كل شيء في الحال وبدون تردد .
ولكن فجأة وأثناء هذا الانتظار سمعنا أن هناك غزلانا
جميلة في الجزيرة ، وفي الحال فكرت في أنه يمكنني قضاء وقت
الانتظار في صيدها إذا ما استطعت استعارة بندقية .
وبعد بحث استغرق مني وقتاً لم أستطع الحصول على بندقية
حديثة في السفينة ولا في أي مكان في الجزيرة ، لكنني استطعت
بصعوبة شديدة تدبير استعارة بنـدقة قديمة حصل
عليها أحد البحارة في السفينة من صيني وكان يحتفظ بها كتحفة
نادرة .
وبالطبع فرحت بالبندقية وذهبت في الحال لصيد الغزلان
وبالرغم من أنني شـاهدت الكثير من الغزلان الجميلة إلا أنني لم
أصطد واحداً منها وذلك لأنني تذكرت اعتراضات البعض على أعضاء
الإرسالية المبشرين
ـ
وأنا أحدهم بالطبع
ـ
لذبحهم الحيوانات بشكل وحشي ، ولذلك تمتعت بجولة الصيد والركض
وراء الغزلان ولم يفسد هذه المتعة سوى تذكر هؤلاء المعارضين لقتل
الحيوانات .
وبعـد أيام قليلة وصلنا الشارقة في صباح يوم مشرق جميل
وصادف ذلك الصباح عيد الفصح . وبدلاً من الولائم الفاخرة الخاصة
بهذا العيد تناولنا وجبة العيد الرئيسية المكونة من الأرز والسمك
وكنا محاطين بحشد كبير من الأهالي الذين جاءوا لرؤيتنا . وبالطبع
لم نعتبر
هذا التجمع لطيفاً بالنسبة لنا خاصة أثناء إقامة صلاة العيد إلا
أننا لم نبد اكتراثا لذلك .
ومع الوقت ازدادت حشود الأهالي حول كوخنا وانتشـر
الفقراء والعبيد والنساء حول منطقتنا طوال الوقت ، وأكثر من ذلك
فقد كان بعضهم يقوم بإزعاجنا عبر إحداث بعض الأصوات والفرقعات
نحونا وبشكل لا مثيل له وغير مهتمين بوجودنا في الداخل وقفل
الباب علينا .
وكنا نظن أن مجيء الليل سـوف يؤدي إلى عودة هذه الحشود
إلى بيوتها ولكن ذلك لم يحدث فقد استمروا يحاصرون كوخنا بضجيجهم
وأصواتهم .
ولمواجهة هذه المشكلة ادعينا أننـا لا ندري بوجود هذا
التجمع حولنا أو على الأقل لا ندري أنهم قريبون منا. وقـام أحد
المرافقين وهو (جبرئيل) بقراءة مختارات من الإنجيل بصوت عال
وقمنا نحن بصلاة طويلة حتى يتـأثر هؤلاء الناس ويخرجوا من
الظلمات إلى النور ويستجيبوا لما أتينا إليه من أجل التبشير !.
بالطبع لم يحدث ذلك ، ففي فجر يوم الاثنين استمرت هذه
الصعوبات ووجدنا مشقة كبيرة في إبعاد هذا التجمع من البشر
المحتشدين حول الكوخ لكي نستطيع تناول طعام الإفطار .
وفي نفس الصباح قام اثنـان من أعضاء بعثتنا وهما (مويرديك)
و (جبرئيل) بزيارة بعض القرى القريبة من الشارقة وحملوا معهم
نسخاً من الإنجيل لبيعها على الناس . وبجانب القرى استطاعا
الذهاب إلى بعض بيـوت الشارقة نفسها وتمكنوا من بيع بعض الكتب
المسيحية التبشيرية .
وعلى الجانب الآخر كنا نقضي معظم وقتنا في الشارقة في
معالجـة المرضى حيث استطعنا خلال الأيام الخمسة التي بقيناها هنا
معالجة 500 مريض يشكون من أمراض وحالات متعددة . بجانب العمل
الطبي قمنا أيضاً بجولات في الشارقة للتصوير الفوتوغرافـي
ورافقنا في هذه الجولات ثلاثة تجار عرب من الشارقة . وكان أحد
هؤلاء يعاني من مرض في عينه . وقد قمت بإجراء عملية لها ووضعت
بدلاً عنها عينا زجاجية وكانت تلك مسألة جديدة لم تجر من قبل في
المنطقة .
وبرغم كل شيء فقد فوجئنا في الشارقة بأن أشـياء كثيرة
توقعنا وجودها ليست موجودة . فحياة الناس هنا تبدو غير مخيفة
والأوضاع ليست هي التي كنا نتصورها في أمريكا .
ومع الأسف فإنني سوف لن أكون قـادراً على زيارة الشارقة
مرة أخرى . فإذا استمر مستوصف البحرين في عمله كالمعتاد فمن
المؤكد أنني لن أغادر المنامة في أيـة رحلة مهما كانت أهميتها ."
كما يتضح من رواية (د. توماس ) فأن العلاج الحديث أتى
تحت مظلة التبشير ، فقد بدأوا من المنامة في البحرين وانطلقوا
إلى معظم دول الخليج ، ولكون الناس وأهالي المنطقة لا يداخلهم شك
في عقيدتهم المسلمة فإنهم نظروا إلى هذه الإرساليات باستخفاف وإن
كانوا قد استفادوا من الخدمات الطبية التي وفرتها لهم .
تبعت زيارة الدكتور (توماس) زيارة الطبيب (ستانلي ميلري
) عام 1908م ، للشارقة ودبي حيث وصل من البحرين هو ومرافقـاه
بائـع الكتب (أمين) والصيدلي (جوليس ) وفي منتصف مارس عام 1908م
تم استقبال الدكتور من قبل شقيق نائب مثل الحكومة البريطانية حيث
أقاموا في بيت الضيافة المعد خصيصاً للضيوف الأوربيين ، وبعد
يومين بدأ الطبيب والمرافقان العمل في كلتا المهمتين اللاتي أتيا
من أجلهما :
التبشير والطبابة .. وعن الطبابة يقول الدكتور(ستانلي ) :
" بعد يومين فتحنا العيادة الطبية للجميع وفي أوقات محددة ،
وكان يأتي إلينا الكثير من أهالي المدينة للمعالجة من أمراض
مختلفة . وفي بعض الأحيان كان يأتي إلينا مرضى بعد انتهاء العمل
. وفي أحد الأيام جاء إلى رجل وتحدث معي لبعض الوقت ، وقبل أن
يرحل تذكر أنه يعاني من آلام مخيفة وأشار إليها في بعض مواقع
جسمه قائلاً : هنا .. وهنا ، وطلب مني بالطبع معالجته.. وبعد أن
انتهيت من فحصه وبينما كنت أكتب له الدواء راح يخبرني بالآم أخرى
داخلية يعاني منها باستمرار منذ سنوات ...
الخ " ويسجل الطبيب أنه عالج في دبي 750 مريضاً خلال أسبوعين .
بالطبع لم يكن كل العلاج مجانياً فأحياناً كان الطبيب
يطلب نقوداً مقابل بعض العلاجات كما يبدو في هذه القصة :
" في أحد الأيام جاء شيخ ومعه أحد الأشخاص يعاني من تشقق في
شفتيه ويحتاج إلى عملية سريعة . وبعد المعانية أخبـرت الشيخ بأن
هذا الشخص يحتاج إلى تخدير أثناء العملية والبقاء في السرير ليوم
أو يومين ، وأن العملية تحتاج إلى دفع بعض النقـود .
وخرج الشيخ من عندي ولم يقل أي شيء ، لكنه عاد بعد يومين وقال إن
المريض لا يستطيع أخذ المخدر لأنه يحتوي على كحول بداخله وهذا
حرام وهذا حرام في الدين الإسلامي . ولم يوافق على إجراء العملية
حتى عندما عرضت عليه إجراءها تحت تأثير مخدر الكوكايين . وفي ظني
أن اعتراض الشيخ على إجراء العملية لم يكن لهذا السبب فقط بل
لعدم تمكنه من دفع أجرة العملية . فنفقـات العملية كانت باهظة
ويصعب الحصول عليها وقتها بسبب عدم توفر الأموال لكساد سوق
اللؤلؤ . وتبدو هذه المسألة مقنعة عندما أتذكر بأن بعض المرضى
الميسورين كانوا لا يستطيعون دفع أجور علاجهم في مستشفى البحرين
عندما يحدث كساد مشابه للؤلؤ أو حتى تأخير في بيعه .
وقد مضت الأيام في الشارقة بسرعة ، ولم تتخللها أوقات
راحة سوى يوم الأحد وهو يوم راحتنا الوحيد الذي كنا نرفض فيه
علاج أي مريض إلا في الحالات الطارئة " .
وهذه القصة لها دلالتها ليست فقط في ما ذكره الطبيب
المبشر ، ولكن فيها ما يوضح موقف الإنسان الخليجي من بعض
الممارسات فهو يرى في استخدام الكحوليات حراماً حتى وإن كان لسبب
طبـي .
ولم تقتصر رحلات الإرساليات على إمارتي دبي والشارقة
فقط، ففي عام 1909م قام الطبيب (بول هاريسون) بمراسلة الشيوخ في
(أبوظبي) طالبا منهم الإذن لزيارة الإمارة وبالفعل تم لهم ذلك
ويسجل الدكتور (هاريسون) ملاحظاته والتي سوف نقتطف منها الجانب
الذي يخص هذا البحث وهو تاريخ الطب في الإمارات .
ويقـول الطبيب عن ذلك في مذكراته :
" وكلها أيام قليلة حتى استطعنا فتح عيادة طبيـة . ولم تنجح
العيادة في عملها منذ اليوم الأول فقط ، بل جاء إليها المرضى
بالمئات ومن كل مكان وكان الكثير منهم يطلبون إقامة عمليات
جراحية .
وفي البداية حضرت إلينا مجموعة من العبيد للمعالجة من
أمراض الفتق المنتشرة هنا . وعندما تمت معالجتهم بشكل جيد راحت
الأمور تسير بتقـدم ، وعجل ذلك مجيء الناس إلينا وبازدياد وبعضهم
كان يجيء من مناطق بعيدة . وبجانب المرضى كانت مجموعة كبيرة من
الناس تأتي في بعض الأيام إلى العيادة لرؤية مدى التقدم وسير
العمل ونوع المعالجة ومشاهدة كل ما جرى باختصار ، وهو عمل في
الواقع فاق عمل المراكز الطبية في الوطن .
ومع الوقت كان معظم المرضى يحصلون على علاج ، والكثير
منهم أصبحوا أصحاء وتعافوا ، وبسبب ذلك حصل العمل الطبي هنا على
سمعة حسنة وكبيرة . ومن أجل هذه السمعة الطيبة التي حصلنا عليها
فقد كانت العيادة تعالج في بعض الأيام مائتي مريض في يوم واحـد .
وأكثر من ذلك أعطتنا السمعة الطيبة الفرصة أيضاً لتلبية
الدعوات الكثيرة من شيوخ بعض الإمارات .
وهكذا وبعد انتهاء عملنا في أبوظبي قمنا بزيارة دبي والشارقة وأم
القيوين ، وزرنا لفترة قصيرة رأس الخيمة أيضاً . وفي جميع هذه
المناطق كان استقبال الناس لنا ودياً جداً . وقابلنا الأهالي
بكرم كثير وحصلنا على ولائم لا تعد ولا تحصى .
ولعل أفضل حفلة حضرناها من بين جميع الحفلات والولائم
التي أقيمت لنا تلك التي أقيمت في إحدى الليالي بالشارقة وحضرها
عدد كبير من الشيوخ والشخصيات .
وفي هذه الحفلة سألني زعيم الحفل عما إذا كتبنا عريضة
إلى المسئولين في الإرسالية الأمريكية نطلب منهم إقامة مراكز
طبية في المنطقة وأخذ الموافقة على ذلك بالتالي! وفي الواقع كان
من الصعوبة إخبار الرجل بأن ذلك ليس ممكنا في الوقت الحاضر .
ففتح عيادة هنا لوحده هو عمل هائل ويتطلب جهوداً كبيرة ، لكن
أفضل شيء يمكننا عمله أو على الأقل نعد بالقيام به هو الزيارة
السنوية للإمارات والمدن القريبة منها بواسطة بعض أطباء
الإرسالية حتى يأتي وقت نتمكن فيه من إحضار طبيب يقم هنا بشكل
دائم .
والملاريا منتشرة هنا في كل مكان ، وجميع أنواع الأمراض
المعوية موجودة بكثرة . وهي أمراض يمكن وجودها في الجزيرة
العربية حيث توجد بساتين النخيل التي تنمو هنا بدون ري في أماكن
عديدة فعيون المياه الحلوة قريبة منها جداً . وبخلاف ذلك فلا
توجد مزروعات كثيرة فمعظم الأهالي يعملون في صيد اللؤلؤ .
وبالرغم من الظلال الوافرة التي تمدها بساتين النخيل إلا
أنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً إزاء تلك الأمراض المنتشرة وذلك
بسبب عدم وجود أجهزة لحرق الفضلات ولا نظم مياه مجاري أو غيرها
من الوسائل الصحية . وهكذا فـإن هـذه الأمراض لا تعجل بأية
نهـاية للعمليات الجراحية الكثيرة التي ينتـظر القيام بها للناس
" .