وتبـدأ القصة برسالة من الشيخ سلطان بن سالم حاكم رأس الخيمة
بتاريخ 15ديسمبر من
العام 1935م يطلب فيها من حكومة جلالة الملكة
إرسال طبيب لتطعيم أهالي رأس الخيمة الذين انتشر بينهم داء
الجدري ، موضحاً استفحال المرض وفقر الأهالي الذي حال دون طلبهم
للعلاج .
وهذه الرسالة مدعمة برسالة أخرى من خان صاحب حسين عماد رجل
الدولة البريطانية تؤكد على الحاجة الماسة لتقديم المعونة لأهالي
رأس الخيمة .
وبعد هاتين الرسالتين وبالتحديد في 31
ديسمبر من عام 1935م جاء رد المعتمد البريطاني في البحرين حيث
طلب أن يرسل إليه عدد الإصابات بالجدري وعدد الوفيات . وإذا كان
المرض منتشراً بشدة فعليه أن يطلب من مدير المحطة الجوية
البريطانية في الشارقة عزل المحطة عن المدينة قدر استطاعته ، وإن
يطلب من حراس المحطة الذين لم يتطعموا بعد ضد الجدري أن يسارعوا
في أخذ التطعيم . ويبلغه أن هناك 1000 جرعة تطعيم طلبت من
باكستان سوف يتم إرسالها بالجو وهل يحتاجون إلى أكثر منها ؟ .
فأرجو إبلاغنا بمن سيقوم بالتطعيم . وبالنسبة للتطعيم في رأس
الخيمة فإنه سوف يرسل في يناير من البصرة .
وفي 1
يناير 1936م وردت رسالة من المقيم البريطاني في البحرين تفيد
بأنه قد تم إرسال شخص اسمه "ستور" يستطيع القيام بحملة التلقيح
ويوصي بأن يقوم بالمهمة لمـدة أسبوع .
كما جاءت رسالة أخرى مؤرخة في 1
يناير 1936م من المعتمد السياسي البريطاني في البحرين إلى المسؤول الطبي في القاعدة الجوية في الشارقة تفيد بقيام الدكتور
"هولمز" (المسؤول الطبي بمستشفى فكتوريا) بعملية التطعيم في
الإمارات المتصالحة في عام 1934م حيث رافق المعتمد البريطاني في
الشارقة ، وقام بتطعيم 13 شخصاً في إمارة الشارقة ، و229 شخصاً
في إمارة دبي و66 شخصاً في إمارة أبوظبي . كما قام في نفس الفترة
بتطعيم 37 شخصاً من حراس القاعدة الجوية بالشارقة و4 أشخاص من
طاقم القاعدة . وكثيراً ما كانوا يقومون بالتطعيم بواسطة
الفاكسين الذي يرسل لهم من كراتشي . وقد جاء في هذه الرسالة
أيضاً ما هو جدير بالذكر وهو أن الشيخ حشر بن مكتوم أخ الحاكم
نفسه قد تدرب على عملية التطعيم وقد كانت السلطات البريطانية
توفر له التطعيم ويقوم بالعملية بنفسه. كما ورد في هذه الرسالة
أن الرفض الديني للتطعيم قد اختفى في الغالب بين أهالي المنطقة .
والصعوبة التي لا زالت قائمة هي اعتقاد البعض بأن التطعيم قد
يكون في حد ذاته عاملاً من عوامل نقل العدوى أو المتسبب في
انتشار هذا المرض من شخص لآخر . كما ورد في هذه الرسالة أيضاً أن
أهالي إمارة دبي كانوا يقومون بعـزل المريض حتى لا تنتقل العدوى
إلى أفراد أسرته .
وفي رسالة من خان صاحب بن حسين عماد رجل الدولة
البريطانية بتاريخ 5 يناير1936م تفيد بوصول (1000) جرعة من
الفاكسين من كراتشي ، ووصول "ستور" الشخص الذي سيقوم بعملية
التطعيم في 2 يناير . كما تؤكد هذه الرسالة أيضاً تجاوب أبناء
المنطقة وإقبالهم المتزايد على التطعيم بل ومساهمتهم بالقيام
بعملية التطعيم ذاتهـا . إذ ورد في الرسالة أنه قد تم تسليم بعض
هذه الجرعات إلى الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي الذي أمر أخاه
وابن عمه جمعه بن ثاني وأحد رجاله الذين تدربوا على عملية
التطعيم بأخذ هذه الجرعات والقيام بتطعيم أبناء الإمارة . وقد
قاموا بذلك بالفعل وهم يوجهون الشكر للحكومة البريطانية . كما
ورد في رسالة أيضاً أن شيخ رأس الخيمة سلطان بن سالم القاسمي قد
خصص اثنين من رجاله وهما السيد جاسم بن كلبان والسيد محمد بن
عبدالعزيز ليتدربوا على يد "ستور" ويقوموا بعملية التطعيم في
حالة غيابه .
وفي رسالة أخرى بتاريخ 15 يناير 1936م من خان صاحب بن
حسين عماد إلى المعتمد البريطاني في البحرين يبلغه بأن الدكتور "هولمز"
قد وصل إلى دبي وقابل الشيخ سعيد بن مكتوم وتوجه لعلاج الشيخ
محمد بن أحمد بن دلموك وعالجه بالفعل ، ثم قام ببعض عمليات
التطعيم في مدينة دبي . وتلت هذه الرسالة رسالة من الشيخ سعيد بن
مكتوم حاكم دبي إلى المعتمد البريطاني في البحرين يشكره فيها على
إرسال الطبيب ومعالجته الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك .
وفي 26 يناير من نفس العام أرسل خان صاحب بن حسين عماد
يعلم المعتمد البريطاني في البحرين بوفاة حميد بن راشد بن أحمد
بن سلطان (ابن حاكم بلدة دبا) . ويعلمهم أيضاً بأن حاكم إمارة
دبي الشيخ سعيد بن مكتوم قد أمر بعدم عزل المرضى نظراً لسوء
أوضاع الناس من الناحية المالية ، وعدم قدرتهم على إنشاء منازل
لعزل المرضى تقيهم البرد في الشتاء ، ويطلب من السلطات
البريطانية بإرسال المزيد من العلاج لأن المرض ينتشر والناس تطلب
المزيد من العلاج ويرجو إرساله من كراتشي .
وفي رسالة أخرى بتاريخ 1 مارس من عام 1936م من خان صاحب
بن حسين عماد يبلغ المعتمد البريطاني في البحرين بعدد الإصابات
من الجدري من تاريخ 24 فبراير وحتى 1 مارس. ويعلمه بأن زيادة
الإصابة في رأس الخيمة يعود إلى أن الفاكسين الذي أحضر من
البحرين غير ذي جـدوى (أي صلاحيته منتهية ).
وفي وثيقة أخرى يتضح أن الدكتور محمد بن سلمان ستور الذي قدم من
البحرين للقيام بعملية التطعيم قد أمضى في هذه المهمة قرابة
ثلاثة أشهر ونصف ، وأنه يتقاضى عن كل شهر مائة درهم ومن ثم فإن
جملة ما سيتقاضاه من هذه المهمة يبلغ ثلاثمائة وخمسين درهماً .
وهو مبلغ متواضع إلى حد ما اليوم مقارنة بارتفاع الدخول ومستوى
المعيشة . ولكنه يعد مبلغاً مجزياً في ذلك الوقت ويتضمن دلالة
على مستوى معيشة الأفراد وتكلفة الخدمات الطبية آنذاك .
وجاء في رسالة مؤرخة في 14/5/1936م من المقيم السياسي
البريطاني في بوشهر إلى المعتمد السياسي في البحرين تشير إلى أن
الساحل المتصالح خال من الوباء ولا داعي لإرسال التقرير الأسبوعي
حول حالات الإصابة أو الشفاء والوفيات من وباء الجدري .
وفي رسالة مؤرخة في 23مايو من عام 1936م من المقيم
السياسي في الشارقة إلى المعتمد السياسي البريطاني في البحرين
يبلغه بأنه قد تم اكتشاف 14حالة في الأسبوعين الأخيرين 3 منها من
رأس الخيمة و11 حالة من قريتي عربي وشمل ، ولم تكن هناك وفيات ،
ولم تظهر حالات جديدة ، وقد طلب حاكم رأس الخيمة إعطاءه فاكسين
يحتفظ به لحين اللزوم .
وبعد فترة أصبح المعتمد البريطاني في البحرين يعتمد على
أبناء المنطقة الذين تم تدريبهم للقيام بعمليات التطعيم فيها .