|
يُعُّـد تاريخ منطقة الخليج العربي بكل تفاصيلها الجغرافية وتركيبتها البشرية أكثر
تواريخ العالم زَخماً بالأحداث منذ الاسكندر المقدوني الأكبر الذي تنبّه إلى أهميّة
المنطقة قبل الميلاد بثلاثة قرون وحتىّ يومنا هذا الذي دفع بها إلى مكانة مرموقة
بين أمم وشعوب العالم. ولاشك أن بين الزمنيين فصولاً من حياة وملحمة شعب صنعتها
جدلية التدافع والتجاذب بين أقدار الزمان وعوامل المكان .
ونرى أنه من المفيد قبل البحث في موضوع الكتاب أن نلقي
بنظرة إلى تفاعلات الماضي بكل تجلياته ومخاضاته ونجاحاته هذا الماضي الذي انتهى في
يوم أغرٍّ بميلاد دولة حديثة وعصرية يرتفع كيانها شامخاً بين الدول يكشف عن عبقرية
الإنسان العربي المؤمن بأمته ووحدته ومقوماته .
يروي التاريخ أنه مع بزوغ فجر الإسلام وبداية دعوته استجابت
المنطقة لرسالة الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذ وصل إلى الخليج رسولان
هما عمرو بن العاص السهمي وأبو العلاء الحضرمي ، ومنذ ذلك التاريخ اصطبغت المنطقة
بتعاليم الإسلام وتشبثّت به مقوماً أساسياً لها، وكان هذا العهد الجديد بداية،
لدخول المنطقة ضمن المنظومة الإسلامية التي لعبت دوراً أساسياً إقليمياً وعالمياً .
ومع بدايات الضعف الذي أصاب العالم الإسلامي وتحوله إلى
أهداف لمطامع استعمارية، كان لمنطقة الخليج العربي سهمها من التكالب الاستعماري
الأوروبي، بدءاً بالأسطول البرتغالي الذي مخر عباب مياهه عام 1507م، وأرسى في
البحرين بعد أن أحتلها البرتغاليون عام 1521م ثم باقي المواني الرئيسية للساحل
الغربي، وبعد أن حكموا 15 سنة بدأت تهدد وجودهم قوى دولية أخرى هي هولندا وبريطانيا
وفرنسا وقوى عربية وفارسية، لكن نفوذ البرتغاليين لم يدم طويلاً إذ سرعان ما بدأ
يتلاشى أمام الرغبة الجامحة للإنجليز والهولنديين في إكتساح المنطقة، فأسس الإنجليز
شركة الهند الشرقية الإنجليزية سنة 1600م في حين أسس الهولنديون بدورهم الشركة
الهندية الهولندية سنة 1602م .
واستمر التنافس التجاري والعسكري بين الهولنديين والإنجليز
في المنطقة قبل أن يتحول إلى تحالف ضد استعمارية أوروبية جديدة تمثلت في القوة
الفرنسية التي أنشأت الشركة الفرنسية لجزر الهند الشرقية سنة 1664م، وفي ديسمبر من
عام 1765م ، وبموجب اتفاق استسلام جاء نتيجة الضربات التي وجهها المير "مهنا بن
نصر" واتباعه من أبناء الجزيرة إلى الهولنديين في "بندر ريق" لمدة عامين ونصف
العام، توارى الهولنديون من المنطقة تاركين النفوذ البريطاني فيها الذي تواجد هو
الآخر مع التوسع الفرنسي الذي قضى آخر أيامه مع بداية القرن التاسع عشر عندما أوفدت
شركة الهند الشرقية إلى عُمان مبعوثاً يحمل رغبة حكومة بومباي في إقامة وكالة
تجارية في مسقط وطرد الفرنسيين من البلاد، وانتهى أمر الوجود الفرنسي بالمنطقة يوم
تمَّ جلاء القوات الفرنسية عن جزيرة موريس عام 1810 م بعد مناورات بريطانية عسكرية
وسياسية .
لم تكن المنطقة خالية من المقاومة العربية التي ظهرت بصورة
فاعلة وأثرت في موازين القوى الكبرى وأدت إلى تحالف القوى الاستعمارية الثلاث ونعني
إنجلترا وهولندا وفرنسا ضد القوة العربية البحرية النامية، فشوهوا أعمالها التجارية
والدفاعية وأطلقوا عليها "قرصنة" !، وتقاسموا فيما بينهم عمليات التصدي لها
ومحاولات القضاء عليها في مطلع القرن الثامن عشر، فاختص الهولنديون بالبحر الأحمر ،
والبريطانيون ببحار الهند الجنوبية، والفرنسيون بالخليج العربي، وخاض البحارة العرب
معركة رهيبة ضد هذا العدوان الثلاثي الأول الذي أوقع بهم الكثير من الخسائر، وإن لم
يوهن عزائمهم ، بل زادهم تصميماً على التضحية والفداء ن ويقول جان جاك بيربي في وصف
أعماله الفدائية :" أخذوا يقومون بأعمالهم تلك وهم مرتاحو الضمير لأنهم إنما
يفعلونها لتحرير بلادهم .. ويقول مالكوم : ولو كنت أسيراً لديهم وقدمت لهم كل ما
تملك مقابل حياتك ، رفضوا ذلك بإباء وشمم ، وقالوا إننا لا نسرق الأحياء .." .
سارعت بريطانيا بسطاً لنفوذها في إمارات الساحل إلى ربط هذه
الإمارات بعدد من المعاهدات ، مثل معاهدة السلام العام التي وقعت مع هذه الإمارات
سنة 1820 م ، واتفاقية الهدنة الدائمة سنة 1853م والتي اعترفت بالأوضاع القائمة لكل
المشيخات حينذاك، واتفاقيـات أخرى أعطت لبريطانيا امتيازات كثيرة في المنطقة .
ومن أجل عزل مشيخات الساحل وغيرها من مناطق الخليج العربي
عن مجالها الحيوي وبعدها العربي الإسلامي عملت عام 1892م على عقد "الاتفاقيات
المانعة" التي قضت بتعهد زعماء المنطقة بعدم الدخول في أي مفاوضات أو مد أي علاقات
خارجية أياً كانت طبيعتها ومع أي جهة كانت إلا بموافقة بريطانيا، وهو الوضع الذي
ساد في المنطقة إلى غاية بدايات النصف الثاني من القرن العشرين .
ولم يكن الأمر سهلاً أمام بريطانيا لتحقيق مآربها وذلك بفضل
تمسُّك الأهالي وشيوخ المنطقة بانتمائهم العربي الإسلامي وحرصهم على مد الجسور مع
الأشقاء العرب والذي ساعد جامعة الدول العربية التي كانت ترنو لإعادة الإمارات
لحظيرتها الطبيعية وإزالة ما بينها من حواجز استعمارية على أداء عملها في المنطقة
وتقديم الدعم لهذه الإمارات، وأبدت بريطانيا اعتراضاً شديداً على نشاط جامعة الدول
العربية باعتباره منافياً للمعاهدات والعلاقات الخاصة التي تربط بريطانيا بإمارات
الساحل، وأعترضت كذلك على البعثة الفنية التي أرسلتها الجامعة العربية لدراسة
احتياجات المنطقة، لكن إصرار الجامعة العربية وتعاون حكام وأهالي المنطقة أعطى
مزيداً من مؤشرات التفاؤل بخصوص مستقبل الإمارات الطامحة إلى الاستقلال والوحدة .
وحين أعلنت حكومة العمال البريطانية قرار انسحابها من
الخليج عام 1968 م في موعد أقصاه نهاية عام 1971م، واجهت الإمارات قضية هامة، وهي
مسؤوليتها الجديدة في المنطقة والحفاظ على الاستقلال وتعزيز روابطها وأخوتها
التاريخية، وكان طبيعياً أن تلتقي رغبة وإرادة حكام الإمارات ، حول خيار استراتيجي
وحتمي يحمل همًّا مشتركاً هو همّ الوحدة الذي تطلعت إليه أجيال المنطقة جيلاً بعد
جيل .
ومن المفيد هنا أن نذكر بأهم الخطوات والاجتماعات التي تمت
بين أصحاب وحكام الإمارات والتي أسفرت عن ميلاد دولة الإمارات العربية المتحدة :
في 18 فبراير عام 1968م ،اجتمع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل
نهيان وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم لدراسة ما قد يترتب عن الانسحاب
البريطاني وتَمَّ الإعلان عن إتّحاد ثنائي يضم إمارتي أبوظبي ودبي، وتقرر دعوة
أصحاب السمو حكام الإمارات وحاكمي قطر والبحرين للتشاور في القضايا التي تهم مستقبل
المنطقة .
استجابة لدعوة صاحبي السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وراشد بن
سعيد آل مكتوم اجتمع في دبي في الفترة ما بين 25-27 فبراير 1968 أصحاب السمو حكام
إمارات الساحل وحاكمي قطر والبحرين، وأسفر الاجتماع عن صدور بيان مشترك يعلن قيام
اتحاد بين الإمارات التسع يحمل اسم اتحاد الإمارات العربية ، وحدّدت بنود الاتفاقية
المشتركة السبعة عشر ملامح الدولة الجديدة ككيان سياسي مُوَحَّد .
عقدت الدورة الموالية خلال الفترة ما بين 21-25 أكتوبر 1969 وتم
خلال اليومين الأّولين بالإجماع انتخاب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
حاكم أبوظبي رئيساً للاتحاد لمدة عامين. كما أنتخب صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد
آل مكتوم حاكم دبي نائباً للرئيس لنفس المدة، وتمّ اختيار أبوظبي عاصمة اتحادية
مؤقتة، وتم الاتفاق على ميزانية الاتحاد بحيث تُغطي تكاليف الحكومة، وتم حل المجلس
الاتحادي المؤقت وتكوين مجلس الوزراء الاتحادي ليقوم مقامه وكذا تعيين الشيخ خليفة
بن حمد آل ثاني رئيساً لمجلس الوزراء، والموافقة على تكوين المجلس الوطني الاستشاري
بعدد أعضاءٍ متساوٍ بين الإمارات التسع .
في آخر أيام الاجتماع أي يوم 25 أكتوبر 1969 تباينت وجهات النظر
بشأن تفاصيل الاتحاد التساعي وقرر المجلس الأعلى تأجيل إجتماعه هذا ، وإرجاء ما
تبقى من جدول الأعمال إلى اجتماع لاحق .
أرسل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وفداً إلى كلُّ من
قطر والبحرين لاستطلاع موقفهما ، وقّدم الوفد كل ما يمكن بذله في سبيل إنجاح
المساعي وتحقيق الاتحاد، وبعد عودة الوفد بفترة بسيطة، أعلنت حكومتا البحرين وقطر
إلى حكومة أبوظبي عن عزمهما بتفضيل الاستقلال المنفرد .
في الاجتماع الذي إنعقد في دبي يوم 18 يوليو 1971 والذي ضم حكام
إمارات الساحل السبع، قرر الحكام أنه إستجابة لرغبات شعوبهم العربية إقامة دولة
اتحادية باسم " دولة الإمارات العربية المتحدة " لتكون نواة لاتحاد شامل يضم باقي
أفراد الأسرة من الإمارات الشقيقة التي لم تمكنّها ظروفها من الانضمام إلى الاتحاد
في ذلك الوقت، وصدر دستور مؤقت لتنظيم شؤون هذه الدولة، ولكن رأس الخيمة لم تعلن
إنضمامها في ذلك اليوم إلى الاتحاد، وبذلك بدأ مشروع الدولة بست إمارات هي : أبوظبي
، دبي ، الشارقة ، عجمان ، أُم القيوين والفجيرة .
كانت الإمارات الست على موعد حاسم مع تاريخها المعاصر يوم 2 ديسمبر
من عام 1971 عندما عقد حكامها اجتماعاً تاريخياً تضمن التصديق على الدستور المؤقت
للاتحاد ، وأعلنوا قيام دولة الإمارات العربية المتحدة لتبزغ إلى الوجود كدولة
مستقلة ذات سيادة ، وكجزء من وطننا العربي دولة ترمي إلى تحقيق ازدهار شعبها ونهضته
ومناصرة القضايا العربية والإسلامية، وكان الشعور الذي غمر الحكام والشعوب في
الإمارات وفي العالمين العربي والإسلامي ممزوجاً بالفرح والأمل لنجاح هذه التجربة
الوحدوية المتفردة في تاريخنا العربي المعاصر، ولاشك أن الطموحات كانت أكبر من أن
تحملها أو تعبر عنها في تلك اللحظات أي كلمات ، وفي نفس اليوم تقرر انتخاب صاحب
السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيساً للدولة لمدة خمس سنوات وصاحب السمو
الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً للرئيس لنفس المدة .
وعلى إثر قيامها انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة غلى جامعة
الدول العربية في يوم 6 ديسمبر من عام 1971 وإلى منظمة الأمم المتحدة في يوم 9
ديسمبر من عام 1971 .
وفي 10 فبراير 1972 وافق المجلس الأعلى للاتحاد بالإجماع على إنضمام
إمارة رأس الخيمة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن أعلنت عن رغبتها في
ذلك، وهو اليوم الذي أخذت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة شكلها الحالي .
ومنذ إعلان تأسيس الدولة الذي يصادف الآن ذكراه الثلاثين لم
تلبث دولة الإمارات من أن تحقق في كل يوم مكاسب جديدة تضيفها إلى رصيدها الاتحادي
لصالح شعبها في رقيّة وعِزَّته ونهضته ولصالح الأمة العربية وقضاياها العادلة وفي
سبيل تضامنها والذود عن كرامتها وأيضاً لصالح الشعوب الإسلامية والقضايا الإنسانية
. |