|
يمتد
نسب صاحب السمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي إلى قبيلة عربية راسخة في تاريخ المنطقة
والده الشيخ حمد بن عبدالله الذي استمر حكمه أكثر من خمسين سنة وتوفي عن عمر يناهز
الثمانين عاماً، وجدّه لأمه هو محمد بن يعرب بن أحمد بن سلطان من زعماء اليعاربة
المعروفين .
اشتهر جدّ صاحب السمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي الشيخ سعيد
بن سلطان في صحار لدى انتصاره الرائع في الحرب الضروس التي خاضها مع الفرس وعمره
حوالي ستين سنة .
الجد الأول في الأسرة الحاكمة هو الشيخ
محمد بن مطر ومنه صار الحكم في " الشرقيين " وراثياً ويقول المؤرخ عبدالله بن
عبدالعزيز آل سليمان. قاري ومُفتي البريمي. عن الشرقيين ، بأن الاسم إكتسبته
القبيلة من منازلها التي كانت تقع شرقي جلفار .
ويمتاز "الشرقيين " بشدة المراس والشجاعة ، ويرجعون
بأنسابهم إلى فهم بن مالك ، غادروا اليمن بعد انهيار سد مآرب ، واتجهوا شرقاً على
ساحل عُمان وهم من المساكرة الذين ينحدرون من الأزد كما أنهم هناوية شافعية .
وقد مدحهم القاضي أبو مسلم ناصر بن سلام بن عديم الرويحي
البهلاوي بأبيات شعرية .. وليست أبيات هذه القصيدة وحدها التي كشفت لنا عن جوانب
سامية من شخصية وأخلاق "الشرقيين" ، بل أن الحصون التي شيّدها في أنحاء متفرقة من
إمارة .
الفجيرة كحصن البثنة وقلعة دبا والتي يعود تاريخ بعها إلى أكثر من
300 سنة ، لا تزال إلى اليوم شامخة تروي هي الأخرى للأجيال بعضاً من صفات وعبقرية
الشرقيين في تلك الأثناء .
من هذه القبيلة وبين تلك الحصون ووسط أحداث كثيرة كانت
تدور في المنطقة ولد صاحب السمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ، وفتح عينيه على بدايات
تحول إيجابية كان يقودها والده الشيخ حمد بن عبدالله الذي قام بجهد كبير لتأكيد
استقلال الإمارة وهو ما حدث بعد فترات من الاضطراب وعدم الاستقرار عانت منها كثيراً
.. ومن غير شك أن والده كان أحد زعماء الفجيرة البارزين ليس فقط بطول مدّة حكمه
وإنما أياً بتحقيق الأمن والاستقرار لإمارته.
تولى سمو الشيخ محمد بن حمد الإمارة عام 1952 م ، بعد وفاة شقيقه
الأكبر الشيخ سيف بن حمد ، وواصل جهده في سبيل الحفاظ على كيان الإمارة ونهضتها ،
وقد طالب في بداية حكمه الحكومة البريطانية بالاستقلال والاعتراف به بموجب معاهدة ،
وهو ما ذكره المقيم البريطاني في تقرير لوزير خارجيته يقول فيه: "أحيطكم علماً أن
الشيخ محمد بن حمد الشرقي حاكم الفجيرة قد طلب مرة أخرى اعتراف حكومة صاحبة الجلالة
باستقلاله وإبرام معاهدة معه، وهذا طلب دوري جرى التملص منه حتى الآن ، وأحد أهداف
الشيخ تأجير حقوق النفط في أراضيه ".
إن هذه الشهادة البريطانية الموثقة تكشف عن طموح كبير مختزن بوعي
ووجدان صاحب السمو الشيخ محمد بن حمد ، طموح ينشد كافة السبل والإمكانيات الموجودة
والمحتملة عساه يخفف من وطأة العوز الاجتماعي ويحقق نهضة وتقدم شعبه وأهله لمكانة
هم أهل لها .. فالنفط في تلك الفترة لم يكن بالنسبة إلى سموه سوى الأداة المفترضة
لتجسيد المشاريع المعلقة بين سماء الأمل وأرض الواقع . نظراً لشحّ الموارد وقلة
الإمكانيات .
ومع هذا لم يستسلم سموه إلى مثبطات الواقع ولم ينسج رؤيته
النهوضية فقط من مداخيل النفط التي كانت سجالاً بينه وبين بريطانيا، بل كانت قناعة
سموه تنطلق من أن الثروة الحقيقية والثابتة هي تلك الكامنة في الإنسان أي في
المواطن المتعلم والمدربّ القادر على تحمل مسؤولية القيام بأعباء مشاريع التنمية
تفكيراً وتخطيطاً وتنفيذاً .
وقد حرص صاحب السمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي على ترسيخ التعليم
في الإمارة وتشجيعه وتحفيز الطلاب كما المعلمين ، وأخذت خطوات التعليم تتزايد
ودائرته تتسع ليشهد تطوراً ملموساً عام 1961 ، حين أنشئت أول مدرسة ابتدائية وكان
عدد طلابها في حدود التسعين طالباً وكانت هذه المدرسة النموذجية فاتحة خير في مجال
التعليم لا يزال مداه إلى الآن يؤتي ثماره بعد أن تمّ افتتاح عدد كبير من المدارس
لمختلف أطوار التعليم للبنين والبنات في أنحاء عدّة من إمارة الفجيرة .
وإذا انتقلنا إلى مجال الصّحة فإن أمرها كان ذا أولوية عند صاحب
السمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ، فقد تمّ افتتاح أول مستوصف طبي في الإمارة في شهر
فبراير من عام 1969 م وأتبع بآخر في مدينة دبا ن وهو ما أعطى إرتياحاً وشعوراً
بالأمان لدى سكان الفجيرة الذين تاقوا إلى مثل هذه المرافق الضرورية سنوات طويلة.
لقد حمل عام 1969م وفي ظلّ حكم صاحب السمو الشيخ محمد بن حمد
الشرقي لمواطني الإمارة الكثير من البشرى التي ترجمت أحلام الأمس إلى الحقائق
ملموسة تنبئ بغدٍ أفضل ، فبعد افتتاح المستشفى صدر القانون رقم (1) لسنة 1969 م في
السابع عشر من شباط الذي قضى بتأسيس بلدية في عاصمة الإمارة وأجاز تأسيس بلديات
أخرى في مدن أخرى من الإمارة طبقاً لنصوصه وبمرسوم يصدر عن الحاكم .. ونص قانون
تأسيس البلدية على إنشاء مجلس بلدي لا يقل عدد أعضائه على خمسة ولا يزيد على تسعة
يعقد جلساته مرة كل شهر وبشكل علني وحدد قانون البلدية الوظائف والمهام والخدمات
التي تقوم بها هذه الأخيرة كتنظيم الشوارع والمحلات العامة . وتنوير الشوارع ورشها
بالماء. وتعيين محلات وأسواق لبيع اللحوم والأسماك والخضار .. وغيرها من المهام
الكثيرة .
وصدر في 20 مايو 1969 أول قانون بتشكيل المحاكم ، وتم إنشاء
المحكمة الشرعية التي تشمل اختصاصاتها كافة أنحاء الإمارة ، وفي 28 أيار من نفس
العام أنشئت أول دائرة للشركة في الفجيرة ، وفي صيف 1969 م بدأ العمل لأول مرة في
شق الطرقات .. وقد تم في ذات السنة إنشاء المكتبة العامة التي أطلق عليها اسم مكتبة
خالد بن الوليد التي اشتملت في بدايتها على عدد قليل من الكتب قبل أن يتوسع حجمها
ونشاطها ويزداد عدد روادها لتصبح بعد ذلك قبلة لطلبة العلم والباحثين تضم بين
دفتيها آلاف الكتب في شتى فنون العلم واختصاصاته .
إن هذه البدايات التأسيسية السريعة والواثقة من خطواتها في مختلف
المجالات شكلت الانطلاقة العملية في تاريخ التطوير والتحديث الذي شمل بُنى الإمارة
الاجتماعية والاقتصادية وحدد رؤيتها المستقبلية وفق منهج سياسي واضح المعالم ومرحلي
في مخططاته وأهدافه ينسجم مع الإمكانيات المتاحة ويواكب حركة التغيير التي شهدتها
المنطقة .
وعلى الصعيد الخارجي كانت رؤية سموه ترنو إلى مد جسور التعاون
والإخاء مع باقي العالم العربي والإسلامي متخطياً في ذلك كل العقبات التي فرضتها
الوصاية البريطانية لعزل المنطقة والاستفراد بمقدراتها وفرض خياراتها عليها. ويجدر
أن نشير هنا إلى شهادة الدكتور سيد نوفل الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية
الذي يقول : في الخامس والعشرين من مارس لعام 1965 م حين كنت في دمشق في مهمة رسمية
زارني الشيخ محمد بن حمد الشرقي حاكم الفجيرة وتوابعها ، وكان يمر بدمشق في طريقه
إلى أداء فريضة الحج ، ووجدتها فرصة مواتية، فحدثته عن مشروعات التعاون الفني في
إمارته وإعداد الجامعة لتنفيذها ، ورجوته أن يُزودني برسالة تتضمن موافقته على
البدء في تنفيذ هذه المشروعات، وتقبل الأمر قبولاً حسناً ، وزارني في اليوم التالي
طبقاً للترتيب الذي أعددته معه ، وقدم لي الرسالة الآتي نصها :
محمد
بن حمد الشرقي
حاكم
الفجيرة وتوابعها
بناريخ 26 شهر 3 سنة 1965
السيد
الأمين العام لجامعة الدول العربية
بعد
التحية والاحترام
يسرني أن أبعث إلى سيادتكم مرحباً بمساعدة جامعة الدول
العربية التي تنوي تقديمها لنا ولإخوتنا ساحل عُمان ، ونشكركم على ما أبديتم لنا من
عطف واهتمام زائد ، ونسأل المولى عوّ وجل أن يوفق الجميع إلى ما فيه الخير .
وتفضلوا
بقبول فائق الاحترام
أخوك
المخلص
(محمد بن حمد الشرقي)
حاكم
الفجيرة وتوابعها
وسيذكر التاريخ أيضاً لصاحب السمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي أن
واحدة من أعظم إنجازاته هي ما أقدم عليه بإيمانه العميق وعمله الجاد والمتواصل
سعياً مع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وإخوانه حكام
الإمارات في سبيل إرساء دعائم الاتحاد وتحضير الأرضية الصلبة التي ارتفع عليه
بنيانه شامخاً وقوت به أركانه، ولم يأل سموه جهداً أو مالاً من أجل أن يصبح لحلم
الوحدة الذي راوده كثيراً رصيد في واقع الدولة وحياة الشعب .
لقد شاء قضاء الله وقدره أن يرحل صاحب السمو الشيخ محمد بن حمد
الشرقي في يوم الثلاثاء من غرة شهر رمضان المبارك الموافق يوم السابع عشر من شهر
سبتمبر عام 1974 م في إحدى مستشفيات لندن حيث كان يعالج هناك ، بعد مسيرة حافلة
بالجهد والجهاد تاركاً خلفه سجلاً معطراً بجسيم التضحيات وعديد الإنجازات ، ورُوعت
البلاد بفقدانه، وأُعلن الحداد لمدة سبعة أيام وتعطلت الوزارات والدوائر الحكومية
يومي الأربعاء والخميس .
وشُيعت جنازة الفقيد يوم الجمعة في مشهد مهيب يتقدمه صاحب السمو
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وأصحاب السمو حكام الإمارات وأصحاب السمو
الشيوخ ومعالي الوزراء وجمهور غفير من أبناء شعب دولة الإمارات. |