شخصيات / شخصيات من الذاكرة / خلفان بن مصبح الشويهي

هو الشاعر خلفان بن مصبح بن خلفان الشويهي أبا , الشامسي أما , من سكان إمارة الشارقة ولد على وجه التقريب عام 1923 في منطقة الحيرة من أعمال الشارقة , وكانت وقتهـا مدينة معتبرة ذات صيت تجاري مدو , وشهرة ذائعة , لكونها حاضرة تجارة متصلة بأعمال اللؤلؤ . ويشاء القدر أن يتيتم خلفان ويذوق طعم المرارة وألم الفراق , وهو لما يزل ذاعم الظفر صغيرا لم يكد يتخطى الخامسة من عمره فقد قتل والده في حرب أهليه وقعت في الشارقة عام 1952م فكفله جده لأمه السيد عبيد بن حمد الشامسي , فأحسن كفالته وقام على تربيته قيام الأب على تربية ولده فكان أحب أولاده إلى قلبه وأقربهم إليه ولعله أراد أن يعوضه بذلك عما فقده

تعليمه وثقافته :

    وقد تلقى خلفان تعليمه كبقية أترابه في ذلك في أحد كتاتيب المدينة العامرة على يد أستاذ من الزبير هو الشيخ مشعان بن ناصر وكانت جرعته الأولى في التعليم تعلم أصول الكتابة والقراءة والخط وبعض مبادئ من النحو وحفظ قصار السور وبعض آيات من القرآن الكريم وشرح معانيها , ومبادئ الحساب وغير ذلك من المواد التي يتلقاها عادة الأطفال في مثل سنه . وبعد فترة انتقل الأستاذ مشعان من الشارقة إلى رأس الخيمة ليقوم فيها بنفس المهمة . فما كان من الشاعر إلا أن سافر خلفه تحدوه رغبة جامحة في مواصلة التعليم على يد أستاذه , بمباركة وتشجيع من جده وهناك استمر في التتلمذ عليه . وأظهر الفتى نبوغا ملفتا للنظر , ومواظبة على الدروس واستذكارها . وحفظ ما يعهد إليه . وكانت مدة إقامته في رأس الخيمة سنة واحدة فقط عاد بعدها إلى الشارقة .

    ولما شب خلفان عن الطوق , وبلغ السابعة عشرة من عمره , وهي سن كفيلة في مثل تلك الأيام بتمكين صاحبها من الاعتماد على نفسه وتقرير أمور حياته ومستقبله , وانتقل من الحيرة إلى الشارقة مع جده ., وأخذ يمارس معه التجارة اللؤلؤ . غير أن خلفان لم تلهه التجارة وتأمين لقمة العيش عن طلب المعرفة وحب المطالعة . فكان لا يزال وثيق الصلة بقراءة الكتب لا ينفك عنها وخاصة الأدبية منها . يطلع عليها بنهم بالغ وحب مستفيض . ويستزيد منها ما استطاع ويستفرغ من خلال صفحاتها هوايته التي ملكت عليه مشاعره وأسرت أحاسيسه ومما يرويه عنه صديقه الشاعر سلطان بن على العويس في هذا الشأن أن خلفان كان شغوفا بالقراءة مغرما بحفظ قصائد شعراء العرب , كالمتنبي والبحتري وأبي تمام وغيرهم من الشعراء ومطالعة أمهات كتب الأدب شعرا ونثرا , كالأغاني والعقد الفريد وغيرها من كتب الأدب ولا شك أن سعة إطلاعه الأدبي وقراءاته المستفيضة في آثار العرب , وحفظه لكثير من أشعارهم أورثته ثقافة أدبية مكنته من تقويم لسانه , وسبق أقرانه : كسلطان العويس , والشيخ صقر بن سلطان القاسمي في نظم الشعر مبكرا فقد بدأ بنظم البيت أو البيتين في البداية قرضه للشعر يجيد في بيت ويتعثر في آخر وهكذا إلى أن تمكن من نظم قصيدة بكاملها .

    ويسترسل الشاعر سلطان العويس في روايته فيقول : " كنا ثلاثة أرتاب جمعتنا الطفولة , أنا والشيخ صقر بن سلطان القاسمي والشاعر خلفان بن مصبح , وربطت الزمالة بين قلوبنا فلا نكاد نرى الا جميعا وقلما نفترق وتخطينا مدارج الصبا الى عتبات الشباب ونحن  كما كنا على سابق العهد ويشاء الله أن يعضد صداقتنا أكثر فأكثر فيجمعنا على أمر مشترك بقدر بيننا , نجد فيه ضالتنا , ونقع منه على لذتنا ومتعتنا الحقيقية , مضحين بغيرها من متع ونزوات الشباب , المتمثلة في قتل أوقات الفراغ وإزجائها بما لا ينفع ولا يفيد من الهذر واللهو فتنبت بيننا ظاهرة حب الأدب والشعر , وتنمو هذه البذرة الطيبة في نفوسنا , وتستحوذ على مشاعرنا ونشغلنا عما سواها فننكب – ثلاثتنا – على مطالعة أشعار العرب والحفظ منها ما شاء لنا الوقت والجهد , وقراءة كتب الادب , ننهل من معينها نهل الظامئ من الماء البارد وخدمتنا في ذلك كتب والى على العويس ووالد الشيخ صقر رحمهما الله اذ كانت لدى كل منهما في بيته مكتبة كبيرة تمتلئ رفوفها بأفضل الكتب العربية وأقيمها في الدين والأدب وكنا نقضي في رحابهمها وقتا طويلا وتقتصر مطالعتنا على الكتب الأدبية فقط وتتحدد هوية جلساتنا في مراجعة ما قرأناه واستذكار ما حفظناه ولا نكاد نخرج عن هذا الأطار الأدبي ونستفيد من مجموع تلك القراءات والمطالعات , ثقافة أدبية بقاسم مشترك بيننا , برز في نظمنا للشعر جميعا وإن كان أسبقنا إليه هو خلفان بن مصبح بفترة يسيرة "

مرضه :

    غير أن الوقت لم يطل بخلفان فابتلي – رحمة الله بمرض – عضال في عظام الظهر عانى منه الأمرين واحتمل بنفس صابرة وعزيمة ثابتة آلامه المبرحة وسبب مرضه أنه كان سفارا على سفينة تجارية لجده عبيد بن حمد يمخر بها البحار ويجوب الموانئ والأقطار كعدن وسقطرة وبلدان الخليج وغيرها وحدث ذات مرة أن تعثر خلفان في مشيته على سطح السفينة فسقط من الجامرة الى خنها ( الجامرة : الفتحة التي على سطح السفينة والتي ينزل بواسطتها إلى داخلها والخن هو داخل السفينة ) فأصيب بشج في رأسه وضربة بليغة في ظهره وبالتداوي برئ ممن برأسه ولكن زاد به ما بظهره واشتد عليه , وتنامى به الألم إلى درجة أنه لم يعد قادرا على الحركة في آخر أيام حياته . ولم يكن من طب يتداوى به في البلاد آنذاك سوى العلاج البلدي والوصفات الشعبية المنتشرة في أنحاء الإمارات وكان الشاعر يتعاطى كل ما يوصف له منها ..

سفره إلى الهند للعلاج :

    ولم يفد خلفان أدنى فائدة من ذلك العلاج البدائي , وأخذت صحته تسوء يوما بعد آخر الى درجة تهدد بالخطر مما اضطر إلى أن يسافر عام 1943 بصحبة خاله راشد بن عبيد الشامسي إلى الهند إلى منطقة تدعى ( مرج ) مختصة بعلاج مرض السل لجفاف هوائها وكانت شهرتها تطبق آفاق الإمارات إلى وقت قريب إذ كانت متنفس الأهالي في العلاج فمن رغب العلاج سافر إليها وبقي الشاعر في مرج مدة سنتين متواصلتين يتطبب من مرضه وأجريت له عملية في ظهره إلا أن الأمل كان مفقودا فيها لكون المرض قد استحكم في جسمه وانتشر فيه الهشيم .

وفاتــه:

    ولم تقو نفس الشاعر على الصبر ولم يطق الفراق أكثر مما احتمل وشده الحنين وفاض به الشوق فعاد أدراجه إلى الشارقة تلك الأرض الطيبة التي منها خرج وإلى جوفها سيعود عاد يحمل معه داءه العضال محمولا لا يستطيع المشي أو القدرة على الجلوس والحركة فأصبح ممددا على الفراشة تقوم والدته على خدمته طول يومها وتسهر ليلها .

    ومما يروى أن الشيخ صقر بن سلطان القاسمي والشاعر سلطان العويس كانا لا ينقطعان عن عيادة خلفان في مرضه يزورانه باستمرار ويجلسان عنده طويلا يسامرانه ويأخذان مما في نفسه من كرب وضنى وكإن أكثر ما يريح خلفان في مرضه زيارة صديقيه صقر وسلطان ينتظرهما ولا يكاد يطيق صبرا عنهما وبقي خلفان في الشارقة سنة أخرى يصارع المرض , ويتحمل الألم والضنى , بما لا طاقة له به , والداء يسري في أوصاله بسرعة بالغة يمزق خلاياه , وينهش بأنيابه بقايا الحياة فيه وجسمه المهترئ يذبل شيئا فشيئا حتى غدا حطاما أشبه ما يكون بالهيكل والسعال المسعور بصوته المحشرج يكاد يمزق قفص صدره , ويخرج من خلال أضلاعه البارزة ونفسه المتقطع يعلو وينخفض وعيناه الغائرتان يغيض فيهما ماء الحياة ورواؤها إلى أن تشخص نفسه إلى السماء مؤذنه بعروج الروح لخالقها عام 1946 بعد فصل من المعاناة والصبر الطويل مخلفة وراءها جثة هامدة يعز فيها اللحم ويكثرب الجلد والعظم ... فرحمه الله رحمة واسعة .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية