شخصيات / شخصيات من الذاكرة / علي بن قمبر

   هو الشاعر الإماراتي: علي بن محمد بن حسن المعروف بعلي بن " قنبر"، وهو لقب عرف به والتصق باسمه بعد أن عاش فترة من الزمن في كنف أمه-التي تنحدر من أصول فارسية- وذلك بعد طلاقها من أبيه، وكانت من أسرة " قنبر"، أما والده محمد بن حسن فقد اختلفت الروايات حول نسبه، يقول ابنه إبراهيم  إنه ينحدر من قبيلة السويدي، إما حفيده علي عبيد علي فيقول  إن والده كان قد أخبره أنه هاملي ينحدر من قبيلة الهوامل، وكلتا القبيلتين تنحدر من حلف بني ياس، أحد أكبر الأحلاف في تلك الفترة وأقواها.

  وقد ولد شاعرنا في " لنجه " أحد الموانئ الرئيسة في الخليج العربي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، التي أصبحت بفضل موقعها الاستراتيجي بالقرب من مضيق هرمز، حلقة وصل للتجارة في الخليج العربي، وكانت أحد أهم موانئ تصدير اللؤلؤ، ومركزاً لتجارة العبور والتوزيع إلى بقية مرافئ الخليج العربي، ومستودعاً لتخزين البضائع القادمة من الدول الأجنبية، وكان محمد بن حسن والد شاعرنا أحد هؤلاء التجار الذين يجوبون سواحل الهند وزنجبار ولنجه متاجرين باللؤلؤ.

   يذكر إبراهيم بن علي بن محمد أن جده كان يلقب بعبيد الأعور نظراً لأنه كان يرى بعين واحدة، ويبدو أنه كان من المقربين إلى الشيخ زايد بن خليفة الأول حاكم إمارة أبوظبي ( 1855-1909م ) الذي أسند له مهمة الإشراف على السفرات البحرية التجارية الخاصة بالإمارة، وفي إحدى سفراته التي شملت زنجبار ولنجه –التي يمكن تحديد تاريخها ما بين العقدين الثامن والتاسع عشر- سمع في أثناء وجوده في لنجه أن امرأةً من عرب فارس تقرأ القرآن بصوت عذب وتجوده، فأعجب بها وسأل إن كانت متزوجة، فلما علم أنها عزباء تقدم طالباً يدها، فوافقت على طلبه، وتزوجها، وهذه الرواية بحسب ما يذكره المدني في كتابه عن الشعر الشعبي في الإمارات.

  ويكمل المدني في رواية عن أحد أبناء شاعرنا –دون أن يذكر اسمه- قصة ذلك الزواج فيقول : إن جده كان قد أرسله الشيخ زايد بن خليفة الأول إلى زنجبار في تجارة له،وعند عودته مرّ بـ " لنجه " فتزوج امرأة هناك هي أم الشاعر، وعندما علم الشيخ زايد بن خليفة بأمر ذلك الزواج نصحه أن يطلقها وأن يتزوج امرأة ظبيانية، فاستجاب لنصحه وطلقها، ثم أخبر فيما بعد أن طليقته حامل وأنهـا ولدت صبياً، فأوصى أن يسمى علياً .

  وعلى وجه التقدير لا التحديد يمكننا الاستنتاج أن تاريخ ولادة شاعرنا كانت خلال الفترة ما بين ( 1875-1885م ) .

طفولته

   يشير الدكتور أحمد المدني في كتابه: ( الشعر الشعبي في دولة الإمارات العربية المتحدة) إلى أن شاعرنا بقي سبع سنوات في كنف والدته التي بقيت في لنجه، وتزوجها بعد ذلك أحد التجار ويدعى "محمد الكمشكي" الذي ربما كان عمانياً بدليل أنه نزح بها إلى مطرح في سلطنة عمان مع ابنها علي ليستقروا فيها، وعاش بذلك السنوات الأولى من عمره في سلطنة عمان، وربما كان لتلك المرحلة دور في اشتهاره بلقب ابن قنبر الذي هو أساساً لقب عائلة والدته.

  ورواية الانتقال إلى مسقط ينفيها أصغر أبناء الشاعر وهو إبراهيم مؤكداً أن والده بقي مع أمه في لنجه إلى أن توفيت، حيث استدعاه والده بعدها إلى أبوظبي.

انتقاله إلى أبوظبي

   بعد انتقاله للعيش مع والده في أبوظبي أدخله الكتاب، فتعلم فيه على الطريقة التقليدية الإلمام بقواعد الحساب وأصول الدين، وأجاد القراءة والكتابة، ثم عمل بعدها كاتباً لدى تجار اللؤلؤ، وتنحصر مهنة الكتـّاب عند تجار اللؤلؤ بالأمور الحسابية كحساب الأرباح والمصاريف والديون والأجور، وتسجيل أوزان اللؤلؤ وكل ما يتعلق به .

  ويجرنا الحديث عن عمله وسنه إلى التساؤل أيضاً عن الفترة التي تزوج فيها، وهي زيجته الوحيدة، لكنها غير معروفة التاريخ، وزوجته هي موزة بنت محمد بن عبيد السويدي، ورزق من تلك الزيجة بأربعة أبناء، وابنه واحدة، هم: عبيد الذي قرض الشعر مثل والده وتوفي في 18/12/1982م، ومحمد الذي توفي في مرحلة مبكرة من حياته، حيث لم يتعد السنوات السبع عند وفاته، ثم إبراهيم الذي كان الأكثر قرباً منه ومرافقة له، وأخيراً سعيد أصغرهم، الذي توفي عام 1970م.

   أما مقر إقامته في أبوظبي، فقد كان بيته مقابل قصر الحصن حالياً.

  وكانت الفترة التي شهدت تولي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان الحكم في إمارة أبوظبي بين عامي (1909-1912م) خلفاً لوالده الشيخ زايد بن خليفة الأول، قد شهدت برغم قصر فترة حكمه رخاء اقتصادياً لا مثيل له، خاصة في تجارة اللؤلؤ، وكان للإمارة العاملة يومها في هذا النشاط أكثر من 410 مراكب، كما كان عدد الغواصين والعاملين عليها 5570 عاملاً بما يمثل نسبة: 20% من عدد غواصي الخليج العربي كله.

  وبالنسبة لشاعرنا فقد كانت تلك الفترة تمثل ريعان شبابه، وكان من الطبيعي أن يترك مهنة الكتابة ويتجه إلى الغوص، أسوة بالكثير من الشباب في عصره ومجتمعه، إلا أنه تقلب في أعمال مختلفة بعدها، ويبدو أنه أظهر تفوقاً على غيره من أقرانه في البحر، فتولى قيادة سفن الغوص، وكان نوخذة في سنبوك حارب بن عتيبة، كما عمل في صمعاء (ابن خديّة)، وقضى في هذه المهنة فترة طويلة من حياته.

  ويشير ابنه إبراهيم إلى أنه كان مقرباً من الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان حاكم أبوظبي بين عامي (1912-1922م ) .

تركه للغوص

  ولم يقف في وجه ابن قنبر سوى التقدم في السن الذي حكم عليه أن يترك البحر، وقد كان للألم الذي أصابه في رجله دور في وقف تلك العلاقة، ورجوعه مرة أخرى إلى مهنة الكتابة .

  عندما تولى الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، الذي عرف بميله للأدب وحفظه الشعر، حكم إمارة أبوظبي ( 192-1966م ) عمل لديه كاتباً ومراسلاً، كما أسس في الوقت نفسه فرقة للمالد ترأسها هو، إذ كان ذا صوت شجي .

  ولم نستدل خلال الفترة من بداية قرضه الشعر على ما يوضح اتصاله بشعراء عصره، برغم أنه كان من معاصريه وفي الإمارة نفسها الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي ( 1875-1912م )، كما أن عدم وجود مساجلات شعرية بينه وبين غيره من الشعراء –باستثناء قصيدتيه مع سالم الجمري وابنه عبيد- وعدم ذكره اسماء شعراء من الإمارات أو دول الخليج في قصائده، وعدم ذكر اسمه في قصائد غيره من الشعراء يطرح أمامنا تساؤلات عدة منها ما درجة علاقاته الاجتماعية مع أفراد مجتمعه، وهل كان ميالاً إلى التعامل معهم ؟

  يشير حفيده علي عبيد إلى أنه كان يرتبط بعلاقات اجتماعية جيدة بأغلب أفراد مجتمعه، وكان يحب تكوين العلاقات والتواصل معهم ، مما ينفي أنه كان يحب العزلة وعدم الاختلاط مع الآخرين .

انتقاله إلى دبي

  في منتصف الثلاثينات رحل ابن قنبر عن إمارة أبوظبي وانتقل للعيش في إمارة دبي، وكان في منتصف الخمسينات من عمره حينها، واختلفت الروايات حول سبب ذلك الانتقال، فالدكتور أحمد المدني أشار إلى أن خلافاً وقع بينه وبين صاحب السفينة التي كان ربانها، نزح على أثره مع أبنائه من أبوظبي إلى دبي، فسكن منطقة الضغاية ( ديرة )، ولا نعلم مدى صحة هذه الرواية حيث نلاحظ أنها تتعارض مع كونه كبيراً في السن حينها، وأنه اتجه للعمل كاتباً .

  من ناحية أخرى بقي ابنه عبيد في أبوظبي، حيث خلفه في مهنته كاتباً ومراسلاً عند الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان وعمل عنده ثلاث سنوات لحق بعدها بوالده في دبي .

  أما ابنه إبراهيم الذي ولد في أوائل الثلاثينات فيذكر أنه سافر مع والده بحراً إلى المملكة العربية السعودية حيث حل في ضيافة الملك عبدالعزيز بن سعود مؤسس المملكة العربية السعودية لأيام عدة، وقد كان انتقاله للعيش في دبي  تحديداً بعد تلك السفرة، حيث كان يبحث عن علاج لآلام رجله، وهذه الرواية هي الأكثر صحة وتحديداً لسبب انتقاله وتاريخه.

  أما ما يؤكد تاريخ الانتقال فهو نظمه قصيدة في أحداث حريق ديرة الشهير الذي وقع في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين.

  ويشير في عدد من قصائده التي نظمها إلى اتصاله بعدد من حكام الإمارات في الشارقة وعجمان ورأس الخيمة، وهو ما يؤكد اتصاله بهم، وربما كان هذا الاتصال بعد انتقاله إلى دبي .

  وعند قدومه إلى دبي أكرمه الشيخ سعيد بن مكتوم وقربه منه، فلازمه، وكان الشيخ سعيد قد طلب منه بعد قدومه أن يختار أرضاً في منطقة الضغايه ليقيم عليها بيتاً له، وبعد البحث وقع اختياره على أرض كان يملكها السيد محمد بن مدية الذي تنازل عنها له عندما علم برغبة الشاعر فيها دون مقابل، تقديراً له ولمكانته عندهم، ثم تحمل الشيخ سعيد بن مكتوم تكاليف بناء الدار .

  وقد تعرف في دبي إلى شاعرين معروفين هما : علي بن بطي الظفري وسالم بن محمد الجمري (1910- 1990 م ) الذي وجدنا بينه وبين شاعرنا مساجلة شعرية بعد وفاة صديقهما محمد الخطيبي الملقب بـ " الخطيبي بو علي" الذي توفي في عرض البحر في قصة تعود أحداثها إلى بداية الأربعينيات، وهذه المساجلة هي الوحيدة التي وجدناها بين شاعرنا وشاعر آخر غير ابنه عبيد .

  وهذه الحادثة هي ما أمكن الاستدلال به على صلته بالشعراء في تلك الفترة وتحديداً في دبي، كم يبدو من تألفه لمخطوطة كتاب " باقة من الشعر الشعبي الخليجي "، الذي أظهره الشاعر أحمد بن خليفة الهاملي للنور تحت المسمى المذكور، أن صلة وثيقة ربما تكون قد جمعت بين الاثنين بعد قدوم ابن قنبر إلى دبي.

   وكان مقرباً جداً من الشيخ عبيد بن جمعة آل مكتوم الذي كان مشجعاً للشعراء والأدب، فلازمه وكان دائم الحضور في مجلسه .

  وفي عام 1939م انتهى من إنجاز مخطوطته الأدبية الوحيدة التي ضمت قصائد لمختلف شعراء النبط وبعض الفصيح، وقد يكون كتبها بناء على توصية من الشيخ عبيد بن جمعة آل مكتوم، أو لإشباع رغبته في التدوين والتاريخ ، أو للاثنين معاً.

  وكما عاصر شاعرنا الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) في أثناء إقامته في أبوظبي، عاصر أيضاً في السنة التي أنهى فيها مخطوطته ذاتها ( 1939م) الحرب العالمية الثانية التي بدأت في تلك السنة، وانتهت عام 1945م، وهي السنة التي شهدت تاريخ وفاته تقريباً .

 وفاته

    كان شاعرنا يعاني قبل انتقاله إلى دبي من مرض عضال. يقول ابنه إبراهيم: كان مصاباً بداء سلس البول، إضافة إلى آلام في رجليه، ربما كان سببها الروماتيزم، مما اضطره بعد انتقاله لاستخدام عصا تسنده في المشي ويتعكز عليها أحياناً، وهو يشير في قصيدة أرسلها إلى الشيخ سعيد بن مكتوم، يمتدحه فيها – وذلك قبل قدومه دبي- إلى تلك الآلام المبرحة في رجليه التي سببت له السهر، ولم يجد معها الدواء أو الكي نفعاً .

  وبعد انتقاله تكفل الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي ( 1912-1958م) بسفره إلى البحرين للعلاج، وسافر مع الشيخ جمعة بن مكتوم إلى هناك، كما رافقه ابنه إبراهيم في ذلك السفر، وفي المنامة كان الدكتور الإنجليزي "هارسون همص" معروفاً ومشهوراً على مستوى المنطقة، وهو الذي أجرى عملية جراحية له .

  لكن المنية وافته هناك بعد شهر من العملية ليدفن في المنامة عام ( 1945م) وهو في منتصف الستينات من عمره تقريباً، وقد تضمن هذا الديوان قصيدة قالها في أثناء وجوده هناك، ربما تكون هي من أواخر ما قاله من شعر في حياته، يصور فيها آلامه، شاكياً الغربة وفراق أهله وأصدقائه، وباعثاً لهم سلامه، مختصاً في ذلك الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي والشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية