في
يونيو سنة 1855 اختارت عائلة آل نهيان الشيخ / زايد بن خليفة ، وكان لا يزال شابا
في العشرين من عمره لحكم الإمارة خلفا لابن عمه الشيخ / سعيد بن طحنون ، وقد
حالفه توفيق كبير من الاستقرار والهدوء والتلاحم بين القبائل .
وصف المؤرخون الشيخ / زايد بالحكمة وسداد الرأي والجلد والهيبة ، وبفضل هذه
الصفات الحميدة فهم الشيخ / زايد المتغيرات السياسية ، وساعده هذا على الاستمرار
في الحكم منذ عام 1855 وحتى 1909 .
على إن عصر زايد الكبير لم يخل من أحداث جسام أثرت في تاريخ إمارة أبوظبي ، فحين
اختارته الاسره الحاكمة ليتولى حكم الإمارة لم يكن الطريق ممهداً ، ولكنه استطاع
بحنكته ودرايته أن يذلل العقبات ، ويتخطى الصعاب بإقامة علاقات الصداقة بين بني
ياس والقواسم ، وبدأ عهدا من السلام والتعاون معهم ، كذلك تعاون الشيخ / زايد
الكبير مع آل مكتوم في دبي ، واتجه ببصره نحو البريمي ، ووطد نفوذه فيها ،
واستطاع بأفقه الواسع إن ينهي هجرة القبيسات خارج أبوظبي ، إذ سمح لإفرادها أن
يرجعوا وأعاد إليهم كل ممتلكاتهم .
وتوطدت في عهده العلاقات التقليدية بين أبوظبي وعمان ، وتبودلت الزيارات بين
الحكام ، وذكر السيد برسى كوكس في اكثر من موضع في مذكراته الصلاحيات الواسعة
للشيخ / زايد الكبير بقوله : لقد ظل زايد بن خليفة حتى اليوم الأخير من حياته في
عام 1909 يحتفظ بصلاحيات مطلقة لم تتعرض للتحدي في السنوات الثلاثين الأخيرة من
حكمه ، ولم يسبق لأي من حكام آل بو فلاح أو غيرهم من شيوخ الساحل ان مارس نفس
السلطان الذي وصل إليه زايد في شرق الجزيرة العربية .
وعلى صعيد الإصلاحات فقد شهد مجتمع أبوظبي خلال عهده الطويل تطورا ملحوظا في شتى
المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فقد انتعشت التجارة وشهدت الزراعة
توسعا ملموسا .
ولم تكن جهود الشيخ / زايد بن خليفة قاصرة على ما حدث في المجتمع من تطورات
سياسية أو اقتصادية ، ولكنها أحدثت كذلك تطورا كبيرا في النواحي الفكرية
والثقافية ، وليس هناك أبلغ من الوصف الذي اضفاه الرحالة والمؤرخ كلارنس مان وذلك
حين قال : إن الشيخ الحالي لابوظبي الشيخ / زايد بن خليفة يحكم إمارة مترامية
الأطراف ، وهو أقوى شخصية في إمارات الساحل المتصالح ، ويمتد سلطانه إلى بريمي .
وبنى الشيخ / زايد الكبير قلعة الجاهلي المهيبة عام 1898 ، وهي تعتبر تحفة أثرية
عظيمة مازالت قائمة حتى الآن .
يقول كيلي : وكان زايد الذي ارتقى سدة الحكم أقوى شيوخ المشيخات المتصالحة ، وكان
زايد بن خليفة قد وسع سلطانه في الشطر الأكبر من الأرض الداخلية المجاورة لساحل
عمان المتصالح ، بل وحتى منطقة الظاهرة ، حيث بات نفوذه متفوقا على نفوذ سلطان آل
بوسعيد .
وتوفى زايد الكبير في عام 1909 ، وترك شئون إمارة أبوظبي وهي مثال للأمن والنظام
، أمانة في يدي أبنائه وأحفاده من بعده .