شخصيات / شخصيات من الإمارات / درويش بن كرم

مولده ومنشأه

ولد درويش بن كرم عبدالله عام 1919 م في أسرة عرفت بمكانتها السامية، فوالده كرم كان من الرجال المعدودين الذين شهدت لهم مدينة العين بمكانتهم ومواقفهم الجيدة في الدفاع عن الوطن والمحافظة على عزته وكرامته، فهو واحد من الفرسان البارزين الذين عرفتهم الصحراء بشجاعتهم وكرمهم ، والإنسان يتأثر بنشأته ويهتدي بما يسمع من مناقب آبائه وعشيرته، فيتعشق الكفاح من خلال مآثر الأجداد ومحامد السابقين، فكان منذ طفولته المبكرة يرافق أخاه حارب بن كرم في رحلات الغوص، فنشا الفتى على الرجولة ومكارم الأخلاق حتى أصبح غواصاً ماهراً0

نقطة التحول في حياته

دامت طفولة درويش كذلك حتى بلغ الثانية عشرة من العمر، وكانت رحلته إلى دبي لزيارة بعض الأهل والأقارب الموجودين هناك، وبالرغم من أن الزيارة لم تدم لا ثلاثة أشهر، إلا أنها كانت كفيلة بتغيير مجرى حياته، فلقد كان صديقه المقرب في دبي تلك الأيام يقضي عدة ساعات من يومه يتلقى تعليمه على يد أحد المطاوعة، فان درويش بدافع الفضول وشغف المعرفة والتعليم كان يرافقه، الأمر الذي  مكنه أن بتعلم القراءة والكتابة بتفوق خلال تلك المدة القصيرة، وتنتهي زيارته لدبي ليعود إلى أبوظبي ويعزف عن العودة إلى حياة البحر، ويعكف على ممارسة القراءة والكتابة والإطلاع، وكل ما من شأنه توسيع آفاق مخيلته وزيادة معرفته وعلمه وإشباع شغفه، كان درويش شغوفاً بالعلم، وكان دافعه في ذلك ذاكرته القوية حتى انه حفظ الأجزاء الثلاثين للقرآن الكريم وهو صبي في التاسعة من العمر، ولم بكن حتى ذلك الوقت يجيد الكتابة والقراءة مما يدل على قوة ذاكرته وذكائه الحاد و همته العالية، مما أهله لإتقان القراءة والكتابة في ثلاثة أشهر0

وبعد عدة أشهر بدأ بتجهيز خيمته من سعف النخيل لتكون أول مدرسة من نوعها في الإمارة، ويسميها المدرسة الأهلية، والتي عرفت بمدرسة درويش ، وفي تلك الخيمة قام باستضافة البنين والبنات من أطفال الجيران و الأقرباء والأصحاب وأبناء حيه السكني ، كانت تلك مع بدايات افتتاح المدرسة، أما فيما بعد فقد بلغ عدد طلبته من الفتيان والفتيات سبعين طالبا وطالبة في المتوسط ، وأحيانا كان العدد يصل إلى حوالي المائة أو يتجاوزها، وكان سن درويش حينها بين 13 إلى15 سنة تقريبا، وقد حفظت له الدولة وقدرت هذا العطاء فكرمته بجائزة خليفة بن زايد للمعلم . تركزت المواد التي كان يدرسها على القرآن الكريم ومبادئه وفقه العبادات والقراءة والكتابة ومبادئ الحساب ، ولم يبخل على طلبته بشيء من معارفه وعلومه التي جناها حتى ذلك العمر، ولم يكن همه الربح ، لذلك فغد كان يتقاضى من كل طفل (خمسية) أي في يوم الخميس من كل أسبوع نصف روبية فقط ، بينما كان يعفي أصحـاب الدخل المحدود من الدفع بالرغم أنه كان في حاجة إلى ذلك ، وحين بلغ السادسة عشرة سنة تولى إمامة في مسجد السليطي مقابل لست روبيات في السنة، وكانت مصروفات المسجد من إيجار دكان واحد وقف.

وبعد أن انتقلت المدرسة إلى غرفة بمنزل (مبارك السليطي)، والموقع بالتحديد كان في شمال سوق أبو ظبي المركزي الجديد حاليا، ثم أنتقل وبنى خيمة جديدة للمدرسة في جهة الشمال مقابل الحصن ، واستمرت المدرسة كما استمر درويش مؤذنا وإماما وخطيبا في مسجد الحصن، وكان هو الجامع الوحيد يومها تقريبا.

تخرج من المدرسة الأهلية على يد المربي الفاضل درويش بن كرم المئات من الطلبة والطالبات أبناء أبو ظبي ، بينهم معالي الدكتور (مانع سعيد العتيبة) مستشار صاحب السمو رئيس الدولة، وسمو الشيخ (محمد بن بطي )، و(حارب بن سلطان )، ولقد وجدنا ضمن مأثورا ته من الوثائق والمستندات قوائم بأسماء وعدد من طلبته.

خدماته في مجال التعليم

مارس درويش بن كرم التعليم 23 سنة، أحبه الناس من خلالها وعرفوا قدره ومكانته لأنه تفانى في خدمة العلم وتعليم أبناء المجتمع ، فهو كريم في عطائه ، مخلص في تدريسه ، محب لمهنته ، رحيم بطبعه، وفي عام 1963 كان ضمن وفد للتعاقد مع المدرسين من الأردن برئاسة سمو الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان رحمه الله ومن خلال إشرافه على مجالس الآباء قي المدارس المختلفة بأبوظبي ساهم في حل الكثير من المشاكل التي تعترض سبيل التعليم ، وكان سندا وعونا لدعم الكثير من الاحتياجات المدرسية، ولازلت أذكر وجهه المشرق بالإيمان وقد جاوز الستين من عمره وهو يشارك في احتفالات المد ارس التي كانت تقام لإكرام المتفوقين.

وقد أنشأ رحمه الله المدرسة الأحمدية الإنجليزية عام 1978 كملسسهة تعليمية خاصة غير تجارية، لا تسعى للربح ، وهي معترف بها من قيل وزارة التربية والتعليم في الدولة ولازالت قائمة حتى الان ، وهي مدينة للشيخ درويش بن كرم وغيره من المحسنين.

 أعمال جليلة في خدمة المجتمع

قيمة الإنسان بما يقدمه لأفراد مجتمعه من خدمات ونفع مصداقا لحديث رسول الله (خيركم ،خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمزي.

والمتتبع لحياة درويش بن كرم يجد سجلا عامرا في أعمال الخير، وفي كل صفحة من هذا السجل يدعو إلى التقدير والإكبار، والدافع إلى كل هذه الأعمال ما يرتجيه عند الله من ثواب عظيم وما يدخره من صالح الأعمال . ومن أعماله رحمه الله

·        مؤازرة الضعاف والمحتاجين فهو موئل اليتامى، وفعاله الطيبة هذه جاوزت بلده وامتدت إلى أنحاء شتى في العالم ولاسيما في شبه القارة الهندية.

·        بناء المساجد، وله مسجده المعروف في إمارة أبو ظبي ، وآخر في العين ، وإسهاماته في بناء مساجد الدولة ولاسيما في المدارس لا يعلمها إلا الله ، ففي أي مدرسة كان يطرح موضوع المسجد سرعان ما يبذل كل ما في وسعه ويتعهد بإيجاده.

·        أحياء مجالس الذكر والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان درويش ينظم حلقات (المالد) في الأفراح والمناسبات ، وكان يحضر مجالسه أفاضل المجتمع ، وقد قرأت في مخطوطاته عن ذلك الكثير وقد أجرى الله على يديه الخير الكثير.

·        كان درويش بن كرم طبيبا شعبيا طالما قصده الناس في معالجة أبنائهم ، فكانوا يلجئون !ليه للأخذ بوصفاته الطبية الشعبية من الأدوية، إضافة إلى قيامه بقراءة آيات قرآنية وأدعية على المرضى، فكان موفقا في مهمته لا يتقاضى أجرا من الناس ، فالكل يذكره بالخير ويترحم عليه.

·        وكان ختانا بارعا لمس حاجة مجتمعه لمطهرين للأطفال فحاول خوض هذا المجال حيث مارس الختان لأول مرة، ووفق في أدائه فاستمر في تقديم هذه الخدمة الاجتماعية، ولقد كانت خبرته في هذا الصدد في مشاهداته ومراقبته للمطهرين، وكان يهدي ا لأطفال بعد ختانهم شيئا من عنده ليطيب خاطرهم ويخفف عنهم آلام الختان ، وكان يقول : الأطفال أحباب الله وأنا لا أحب أن يخافوا مني أو يكرهوني ،وعملية الختان مؤلمة ولاشك ، لذا فإني أخاف من ردود ا لأطفال العاطفية تجاهي.

 ويذكر انه في أواخر عام 1971 قام بإجراء مائتي عملية ختان في 3 ساعات فقط ، وبحد انتهائه من تلك المهمة الشاقة وقع مغشيا عليه ، ولا أريد أن أعقب على هذه الواقعة بأكثر من قولي إن فريقا من الأطباء المختصين بأحدث المعدات الطبية يعجزون عن أداء هذا العمل في ثلاث ساعات ، فقد كان واحدا من الرجال المعدودين رحمه الله وأعلى مقامه في الدارين.

فلكيا ومأذونا

لقد كان درويش ملما بمعرفة التقاويم والمواسم ونظام البروج والزراعة ، وفي هذا الصدد ، فقد وجدنا ضمن أرشيف مأثوراته طبعة من تقويم (العيوني) مطبوع على نفقة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، الإشراف لدرويش بن كرم ، وهو كاتب كلمة الناشر فيه . . وتجدر الإشارة إلى انه كان مأذونا لعقد القران لأكثر من نصف حالات الزواج التي تمت بزمانه في أبوظبي، وقد أدى فريضة الحج ثلاث وعشرين مرة.

من ابتكارات الشيخ درويش رحمه الله في رمضان في الأربعينات من هذا القرن، أي قبل وجود المصابيح الكهربائية، انه كان يحمل المصباح (الفانوس) الذي يضاء بالزيت ويذهب إلى المسجد ويضعه في مكان مرتفع على المئذنة ليراه الناس ، فان كان مضيئا يعرف الناس أن وقت الإمساك لم يحل بعد، وان كان قد أطفأه فمعنى ذلك أن الإمساك عن الطعام لم يحل ولم يصح تناول الطعام، إضافة إلى الآذان الذي كان يرفعه، وقد رأيت في بعض مخطوطاته بعض الكلمات التي كان يقولها في وداع رمضان ، (الوداع ،الوداع شهر القران ...الوداع ،لوداع شهر الغفران). فهو يذكر بوداع رمضان في صوته الندي.

ومن المهام الرسمية التي أوكلت إليه ، منصب رئيس ديوان الحاكم ، وكانت هذه المهمة يومها تعني أو تشمل الإشراف على كثير من الخدمات الحكومية، لذا فان بين الوثائق ومحتويات أرشيف بن كرم نجد بعض ما يوضح طبيعة تلك المسؤوليات والمهام ، فشملت مهمة رئيس الديوان أيضا مسؤولية صرف رواتب الشرطة والموظفين، وأيضا إصدار جوازات السفر وموافقة الشيوخ في الأسفار، وهناك العديد من القوائم بخط درويش بن كرم توضح أسماء رجال الشرطة في أبوظبي آنذاك، وأيضا قيمة رواتبهم الشهرية وغير ذلك لمن المصروفات، وقد استمر درويش رئيسا لديوان الحاكم في أبوظبي لمدة 3ا سنة، ولمدة 13 سنة كان وكيلا لأعمال سمو الشيخ خالد بن سلطان ، فقد أشرف على بناء العمارات والفلل السكنية وغيرها من المعالم العمرانية الأولى للشيخ خالد في منطقة الخالدية، وعلى هذا الأساس سميت المنطقة المعنية بالخالدية، وكان حريصا على إتقان العمل وأداء الأمانة، يتابع الأمور بدقة وملاحظة شديدة ويحرص على إعطاء العمال أجورهم ، ولطالما أعطاهم الأجور قبل انتهاء الشهر وزادهم تشجيعا على العمل فهو يحاسب المقصر ويجزل العطاء للمحسن.

 كان يحب الزراعة رغم الظروف الصعبة، فقد اشرف على زراعة النخيل ووقف مع العمال في الشمس المحرقة وهو يحدد ويشير إلى أماكن الزرع ، وكثيرا ما كان يضع الغراس، بيده ويشرف عليها أو يسأل من قبل المشرفين، فيبدع في الإجابة لأنه أوتي معرفة واسعة، ولقد سر كثيرا حينما رأى صير بني ياس عامرة بأنواع الزهور والمزارع الزاهية بأشكال المزروعات ، وهو أول من استخدم المهندسين الزراعيين، وباشر بزرع الحمضيات ولاسيما في مزرعته في القطارة بالعين، وكان حريصا على الثروات الحيوانية ولاسيما الأبقار الهولندية، إضافة لاهتمامه بالإبل ومعرفته بها، وكثيرا ما كان يتحف جلاسه بالحديث عنها وعن أصحابها.

وكان شاعرا ينظم الشعر الشعبي دون تكلف ، فهو يحفظ الكثير ويروي الكثير، وكل قصائده كانت تتصف بالصدق والإبداع، وحمد الله على عطائه للمتقين. وبعد حياة جليلة بالأعمال من أولها إلى منتهاها، أدركته المنية التي هي نهاية كل مخلوق بعد أن داهمه المرض وسافر للعلاج في لندن ، ولكن إرادة الله سبقت (من أحب الله أحب الله لقاءه) ليجزيه الجزاء الأوفى فانتقل إلى رحمة الله في السابع من فبراير عام 1985م.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية