كنت شاهداً ـ 1

سليم الزبال

          وبينما كان المسئولون الإماراتيون يرحبون بالوفود العربية والأجنبية التي قدمت للتهنئة بمولد دولة الإمارات ، كانت قوات الاحتلال الإيراني من جهة أخرى وفي الوقت نفسه ترسخ أقدامها في جزرنا العربية الثلاث الأصلية : أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى التي احتلتها قبل يوم واحد من مولد دولة الإمارات العربية المتحدة ، ضاربة بعرض الحائط علاقات الود والإخاء والصداقة التاريخية بين الشعبين العربي والإيراني .

          إن أهمية هذه الجزر لا تنحصر فقط في تحكمها بحركة مرور السفن من مياه الخليج العربي وإليها ، بل يضاف إلى ذلك حقول نفطها البحرية ، فقد كان مؤكدا ومعروفا ان النفط موجود تحت مياه جزر أبو موسى .. وهذا ما كشفت عنه الأيام ، إذ سرعان ما تفجر البترول من حقل مبارك بعد مرور سنة واحدة على الاحتلال الإيراني للجزيرة ..  كان إعلان الانسحاب البريطاني من الخليج بمثابة الضوء الأخضر الذي أوحى لشاه إيران بحلم قال عنه "" إن هذه الجزر الثلاث هي أراض إيرانية  ""  لأن والدي قد ذكرني بسيادته عليها قبل الحرب العالمية الثانية "" .   

          الأوائل إلى أبو موسى

          وهكذا دخلت جزرنا الثلاث إلى دائرة الصراع الإقليمي وبالتالي أصبح الوصول إليها ممنوعا .. وخاصة على الصحفيين .. ولكنني استنادا إلى علاقة الود التي كانت تربطني بالشيخ خالد بن محمد القاسمي ، حاكم الشارقة في ذلك الوقت ، رجوته بحرارة ان يسمح لنا بالتوجه إلى أبو موسى ، ولم يتأخر رحمه الله ، في الاستجابة إلى رجائي .. وهكذا كنا أول من زار وكتب عن جزيرة ابو موسى في عام 1968 م .

          وانطلقت بنا الصقر ، هي سفينة خشبية كبيرة من نوع السنبوك مزودة بمحرك قوة 280 حصانا ، فوق مياه هادئة وشمس ساطعة .. حتى لاحت لنا عن بعد كتلة سوداء صماء وكأنها جبل انشق عنه البحروهتف البحارة بصوت واحد "" أبو موسى أمامنا ..  أبو موسى أمامنا "" .

          وراح مرافقنا الشيخ صقر بن محمد القاسمي نائب حاكم الشارقة ورئيس الشرطة والأمن العام يردد أسماء الجبال والتلال ..  هذا جبل عالي .. وهذا جبل محروقة .. وذلك تل العماميل .. أسماء في غير أماكنها فالجبال التي يتحدث عنها لا يزيد ارتفاع أكبرها عن 360 قدماً .

          واقتربنا من الجزيرة ، بعد رحلة استغرقت أربع ساعات ، وراح النوخذا القبطان يهدئ من سرعة الصقر .. وتسمرت عيوننا على قاع المياه الشفافة اللازوردية ، وهي تكشف لنا خط الدفاع الأول عن الجزيرة .. صخور متراصة مدببة كالحراب ذات حواف مثل حد الموس .. صخور قادرة على تمزيق قاع أية سفينة إذا اصطدمت بها .

          وعلى الساحل تجمع الأهالي .. الأطفال تركوا المدرسة وجاءوا مع أستاذهم .. والنساء تركن بيوتهن وانضممن إلى أطفالهن للترحيب بالقادمين .

          أرض الأرجل الحمراء .

          تشتهر جزيرة أبو موسى بوجود مناجم الأكسيد الأحمر الثمين في ربوعها .. وأردنا الإطلاع على أماكن استخراجه  .. اتجهنا صوب شرق الجزيرة في سيارة حمراء  ..  فوق طريق أحمر .. في اتجاه جبل أحمر  .. كل نشئ كان مصبوغا بلون الأكسيد الأحمر ، فوق هذه الجزيرة المعزولة الهادئة  .. حتى مياه الآبار العذبة كانت تميل إلى الاحمرار فيما عدا البئر الذي حفرته الشركة المنقبة على عمق 30 قدما  .. ونظرنا إلى أقدام الرجال فوجدناها مصبوغة باللون الأحمر ، فأطلقنا عليهم تسمية " أصحاب الأرجل الحمراء " أسوة بإخوانهم في المغرب العربي " أصحاب الوجوه الزرقاء " .      

          وجلست مستمعا إلى المسئول عن هذا المنجم الذي قال : ما من شك أن أكسيد الحديد الأحمر في جزيرة أبو موسى هو من النوعية الممتازة النقية التي لا تحتاج إلى تصفية كبيرة .

          ويستعمل الأكسيد في صناعة الطلاء الأحمر المانع للصدأ ، وأحيانا في صناعة أحمر الشفاه للسيدات ، وفي الجزيرة ثلاث مناجم بدأ استغلال ها لأول مرة عام 1934 ، من قبل شركة بريطانية حصلت على امتياز لمدة 22 سنة ولكنها توقفت خلال الحرب من 1940 حتى 1947  ، ثم تجدد الاتفاق مقابل دفع 50 ألف روبية سنويا لحاكم الشارقة .

          كان الأكسيد يستخرج من مناجم يصل عمقها نحو 50 قدما ، فبعد إزالة الطبقة الأرضية العليا بواسطة الديناميت ، يبدأ الحفر بالجرافات اليدوية لاستخراج خام الأكسيد الذي ينقل باللوريات إلى الساحل لشحنه  .. وكانت الكمية المستخرجة نحو 30 ألف كيس وزنها نحو إلفي طن تصدر إلى بريستول في بريطانيا .. لهذا كان يتم الشحن مرة واحدة في شهر يونيو من كل عام .

          وعندما كنا هناك في عام 1968 ، كانت الشركة في طريقها لتصفية إعمالها فهبط توظيف عمالها ومستخدميها من 500 إلى 100 ، وسرعان ما تم الاستغناء عنهم عندما توقفت الشركة تمما بعد استغلال دام 34 عاما ، لم تقم خلالها بأي مشروع صغير أو كبير لتطوير الجزيرة  ..  كل ما فعلته هو دفع اجر العمال ، وكانت تتراوح بين 6 إلى 16 روبية يوميا .

          البحر أكثر كرماً .

          كان العمل في المناجم يتم خلال شهور الشتاء الستة فقط ، من أكتوبر حتى أبريل .. أما في فصل الصيف فكان من المستحيل إقناع الأهالي بالعمل في المناجم ، إذ كانوا يتوجهون صوب البحر ..  في أعماقه يغوصون ..  وبأسماكه يتاجرون ويعيشون .. يخرجون كل صباح في قواربهم مع أذان الفجر ولا يعودون إلا بعد إن يرخي الليل سدوله .. أربعين قاربا تخرج يوميا تحمل " الدوابي " أي أقفاص السلك ذات الفتحة الصغيرة ، يلقونها في قاع مياه الخليج في الصباح ، ليعودوا إلى جمعها في المساء ..  يخرجون منها الأسماك لبيعها إلى شركات الصيد الإيرانية التي ترسل سفنها يوميا إلى الجزيرة ، تشتري أسماكها بأبخس الأثمان ( المن = 4 كيلو جرامات ) بأربعة ريالات ، أي اقل من ربع دينار .. والصياد مضطر للبيع بالسعر الذي تفرضه الشركات لعدم وجود ثلاجات يحفظ فيها أسماكه .

          ولكنه كان يوازن ميزانيته بكمية السمك الكبيرة التي يصطادها ، فموسم الصيد جيد جداً  ..  حتى إن دخل الصياد كان يصل في بعض الأحيان إلى 100 روبية يوميا عندما كان يبيع أسماكه في أسواق دبي والشارقة .

          وكانت جزيرة أبو موسى ميناء استراحة للسفن والزوارق الإيرانية القادمة من بندر عباس في طريقها إلى دبي .

          كانت مركزا لحاكم الشارقة .

          وحاولت استقراء تاريخ أبو موسى وماضيها ..  فقمت بزيارة لأطلال المنزل الذي شيده حاكم الشارقة الشيخ سالم بن سلطان منذ أكثر من 150 سنة ، حيث كانت أبو موسى مركزه المفضل عند الأزمات ، يمضى فيها الشهور مع حاشيته وخيوله  ..  واليوم لم يتبق من المنزل سوى بعض الجدران والأعمدة المتصدعة ، تحوم حولها أغنام هزيلة تقضم الإعشاب القليلة النامية حول الإطلال .. أما مزرعة النخيل التي كانت تضم نحو 300 نخلة ، يزرع تحت ظلالها الشعير والقمح والبصل فقد اندثرت تماما ..  بينما في الماضي كانت تصدر منتوجها الزراعي إلى الشارقة وبقية الإمارات .

          اللوز الهندي في الحوش .

          هكذا كانت الحال منذ مئة عام ..  أما عندما زرناها في عام 1968 ، فقد افتقدنا فيها أمجاد الماضي .. لم نجد لها أثراً في طول الجزيرة البالغ سبعة كيلومترات .. أو في عرضها الذي لا يزيد على الخمسة كيلومترات  .. إن تربة جزيرة أبو موسى طيبة صالحة للزراعة في مجموعها ، والمياه متوفرة في الكثير من آبارها العشرين ، لكن نقص اليد العاملة هو المشكلة التي تعاني منها الجزيرة ، ومن اجل هذا يكتفي أهلها بزراعة أشجار اللوز الهندي في حوش منازلهم حول البئر الذي يشرب منه أهل هذا المنزل .

          وتمتلئ الآبار بالماء العذب عندما تهطل الأمطار ، ولكن ملوحتها تزداد عندما تشح الأمطار كما حدث في السنوات الخمس السابقة ، مما أضطر الأهالي إلى استيراد الماء بالسفن من الشارقة .

          والطعام اليومي في الجزيرة هو السمك والعيش ( أي الأرز ) ، أما الخضروات فلم يذوقوا طعمها في حياتهم  .. ولكنهم على الرغم من هذه الحياة الجافة القاسية لا يترددون لحظة في التضحية بخروفهم أو معزتهم في سبيل أكرام أي ضيف يحل عليهم .

          غزة وعين شمس في أبو موسى .

          ودخلت أبو موسى عهداً جديداً في عام 1966 ، عندما قرر حاكم الشارقة الشيخ خالد بن محمد القاسمي فتح مدرسة ابتدائية في الجزيرة على حسابه الخاص ، واختار لها محمود الحمارنه من غزة وزوجته سامية محمد حافظ من عين شمس بالقاهرة ليكونا أول معلمين في جزيرة أبو موسى .

          لقد تغيرت صورة الحياة في أبو موسى تغيراً جذريا بعد افتتاح هذه المدرسة هذه المدرسة يوم 24/10/1960 .

          كان الأهالي