السياسة الخارجية لدولة الإمارات  / النزاع حول الجزر والدبلوماسية الإماراتية

إذا كانت الإمارات تنتهج أسلوب الدبلوماسية البرلمانية أو دبلوماسية المنظمات في كثير من القضايا التي تهم المجتمع الدولي، وإن كانت الإمارات من أكثر الدول العربية تفاعلا مع القضايا القومية والإسلامية بصفة خاصة، ويظهر ذلك من خلال نشاطها كعضو في المنظمات الدولية والإقليمية، فإن قضية الجزر الثلاث المحتلة انحصرت ضمن اهتمامين أساسيين أولهما مسألة سيادة الإمارات على كل أراضيها، وثانيهما الحرص على العلاقات الإسلامية وحسن الجوار مع الجارة الإسلامية إيران. ومن هذا المنطلق جاءت الدعوات تلو الأخرى مطالبة إيران بالحوار الودي من أجل حسم القضية وإعادة الجزر إلى أصحابها دون اللجوء إلى أطراف أخرى.

ومنذ احتلال إيران للجزر العربية الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى في 29 نوفمبر 1971 والإمارات تحاول عن طريق الدبلوماسية البرلمانية الهادئة حل النزاع بالطرق السلمية، رغبة منها في إقامة العلاقات الودية مع جارتها المسلمة دون المساس بالمصالح القومية والوطنية لكلا الطرفين. ففي أول اجتماع للمجلس الاعلى في 2 ديسمبر 1971، أعلنت دولة الإمارات استنكارها للاحتلال الإيراني للجزر. ودعت إيران إلى احترام الحقوق المشروعة ومناقشة ما قد ينشأ من خلافات بيد الدول بالطرق المتعارف عليها دوليا. وبناء عليه فقد لجأت الإمارات إلى الأمم المتحدة لإيجاد الحل السلمي للمشكلة.

وقد انتهجت الإمارات الدبلوماسية الهادئة والتي تعتمد الوسائل السلمية في حل النزاعات، خاصة التفاوض. والتفاوض هو أحد المسئوليات الرئيسية للعمل الدبلوماسي والهدف الذي تعلنه الدولة من وراء لجوئها إلى التفاوض هو الرغبة في التوصل إلى اتفاق حول موضوع معين أو مشكلة معينة. والدول عندما تلجأ إلى التفاوض فإن سعيها يرتكز على افتراض رئيسي يتمثل في إدراكها بأن لها مصلحة في مشتركة في الاتفاق، بمعنى أن المزايا التي يخدمها الاتفاق لا تكون متاحة مع استمرار النزاع بينهما. كما لجأت الإمارات إلى الأمم المتحدة؛ ففي اجتماع مجلس الأمن رقم 1610 نوقشت قضية الجزر بناء على طلب المجموعة العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن دون أن يتخذ المجلس الأعلى أي قرار في هذا الشأن. وقد عملت دولة الإمارات منذ ذلك التاريخ وعلى مدى اثنين وثلاثين عاما من الاحتلال الإيراني للجزر على التوصل إلى تسوية سلمية في إطار من التفاهم والحوار لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

ورغم الجهود الإماراتية للتوصل إلى تسوية سلمية فإن إيران قامت يوم 24 أغسطس 1992 بانتهاك صارخ لمذكرة التفاهم بشأن جزيرة أبو موسى بهدف تكريس الاحتلال فيها. وقد أثار راشد عبد الله وزير الخارجية هذا الموضوع أمام الأمم المتحدة في 30 سبتمبر 1992 فقال: "لقد قامت السلطات الإيرانية باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير غير القانونية بشأن جزيرة أبو موسى انتهاكا لمذكرة التفاهم لعام 1971، لقد عبرت بلادي عن رفضها لهذه الإجراءات لما تمثله من انتهاك صارخ لسيادة ووحدة أراضي دولة الإمارات ومبدأ حسن الجوار إلى جانب تعارضها مع نصوص وروح مذكرة التفاهم التي تفتقر إلى العدالة والتكافؤ أصلا، والتي تم فرضها في ظروف التهديد باستعمال القوة والإكراه".

وانطلاقا من حرص الإمارات على التفاهم والحوار وتسوية المنازعات بالطرق السلمية، عقدت في مدينة أبوظبي يومي 27 – 28 سبتمبر 1992 لقاءات ثنائية بين البلدين بهدف التوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية، إلا أن الجانب الإيراني رفض مناقشة الاحتلال العسكري للجزر الثلاث. وكذلك الإمارات قد طرحت على الجانب الإيراني المطالب التالية:

1.    إنهاء الاحتلال العسكري لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

2.    تأكيد التزام إيران بمذكرة التفاهم لعام 1971 بشأن جزيرة أبو موسى.

3.  عدم التدخل بأي طريقة وتحت أي ظرف وبأي مبرر في ممارسة دولة الإمارات العربية المتحدة لولايتها الكاملة على الجزء المخصص لها في جزيرة أبو موسى بموجب مذكرة التفاهم.

4.  إلغاء كافة التدابير والإجراءات التي وضعتها إيران على أجهزة الدولة في جزيرة أو موسى وعلى مواطني الدولة وعلى المقيمين فيها من غير مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة.

5.    إيجاد إطار ملائم لحسم مسألة السيادة على جزيرة أبو موسى خلال فترة زمنية محددة.

وفي الذكرى الثانية والعشرين للعيد الوطني لدولة الإمارات عام 1993 طرح رئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مبادرة دعا فيها إيران إلى الحوار المباشر لإنهاء احتلالها للجزر الثلاث، وقال: "إننا ننادي بضرورة اللجوء إلى الحوار والالتزام بالطرق السلمية من أجل إنهاء هذا الاحتلال، وعودة الجزر الثلاث لسيادة الإمارات تمشيا مع القوانين والأعراف الدولية ومبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل بين الدول". وفي العيد الوطني الثالث والعشرين كرر رئيس الدولة الدعوة لإيران للاحتكام لمبدأ الحوار الموضوعي البناء أو اللجوء إلى التحكيم الدولي .

وفي اجتماع الدوحة الذي عقد في 18 نوفمبر 1995 بمبادة من دولة قطر استجابت الإمارات لهذه الدعوة واقترحت حرصا منها على نجاح هذه المفاوضات أن يتكون جدول الأعمال من النقاط التالية:

1.    إنهاء الاحتلال العسكري لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى.

2.  الالتزام بمذكرة التفاهم المبرمة عام 1971 بشأن جزيرة أبو موسى وإلغاء أية إجراءات أو تدابير تخالف بنودها.

3.    حسم مسألة السيادة على جزيرة أبو موسى.

4.  إحالة النزاع بشأن الجزر الثلاث إلى محكمة العدل الدولية إذا تعذر التوصل إلى حل تفاوضي خلال فترة زمنية محددة.

إلا أن اجتماع الدوحة لم يكتب له النجاح، وإزاء التعنت الإيراني ونتيجة لعدم استجابة إيران لجميع المحاولات الدبلوماسية التي بذلتها الإمارات لإنهاء الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، أعلنت قمم مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومجلس الجامعة العربية ووزراء خارجية إعلان دمشق ومعظم دول العالم تأييدها للتوجه السلمي لدولة الإمارات طرحت دولة الإمارات مبادرة تدعو إلى إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية