|
كل كتابة عن
أي حاكم تبقى عرضة للاتهام بالمحاباة والمجاملة باستثناء
الكتابة عن حاكم الشارقة ، هذا المثقف العربي المسكون بهموم
أمته والذي يصح اعتباره نموذجاً للحاكم الذي تنسجم تصرفاته
العملية مع المشاعر الوطنية والقومية والإسلامية ، وتتناغم
دونما تناقض أو تعارض أو انشطار .
د . عبدالعزيز المقالح
عندما نتحدث عن سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي تتبادر
إضاءات من الكلمة الطيبة بأصلها الثابت وفرعها في السماء تؤتي
أكلها كل حين ، فالدلالة الأولى هي إيمانه بالثقافة منطلقة من
الكلمة تأليفا وبحثا ومعرفة فيما كتبه من دراسات ، وما شجع عليه
من طباعة ومعارض للكتاب ومسابقات لا تقتصر على الشارقة أو
الإمارات العربية المتحدة ، وإنما تتسع لوجوه الشباب العربي ،
والدلالة الثانية هي الثقافة طيبة إذ تتخذ لبوس مشروع مرتبط
برؤية تمزج تجربة القديم بالواقع المؤسس لمستقبل عربي يستند إلى
وعي بالذات في إيجابياتها وفي ما اعتراها من وهن وسلبيات ، وكان
سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي قد صدق القول بالعمل
عندما قدم دراساته وترجماته وتحقيقاته في تاريخ الخليج العربي
والجزيرة العربية على نحو متكامل وكذلك في إعماله الأدبية
المسرحية والروائية ، والدلالة الثالثة هي ديمومة العطاء الثقافي
بتوفير الأسباب له وهو ما نسميه بالبنى التحتية من دور الكتب
والمسارح والمتاحف والمؤسسات الثقافية التي تشكل نهرا يتدفق مع
الأيام والأجيال ويزداد غنى بالتجربة والروافد .
إن
سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي كان في طليعة المثقفين
العازفين عن الحكم ، والذين لا يريدون التفريط بحريتهم ومواهبهم
مهما كانت الإغراءات المتعلقة بالسلطة كوسيلة للعمل العام ، ومن
حسن الحظ انه قبل الدخول في معمعة السلطة نجح في تحويل الشارقة
في سنوات قليلة إلى واحة للثقافة والمعرفة ، وغدت المركز الثقافي
لدولة الإمارات العربية المتحدة عبر أنشطتها السنوية كمعارض
الكتاب ، والندوات ، والمؤتمرات ، وعبر مكتباتها ومسارحها
ومتاحفها وإصداراتها الثقافية المتنوعة ، واستطاع سمو الشيخ
الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ان يثبت علميا ان الحاكم المثقف
قادر على ان يكون له ملمحه الاستثنائي الخاص في سياق تعامله مع
الإنسان والأرض والمستجدات المحلية والعربية والدولية .
وسوف يدهشنا أكثر نجاحه في الجمع بين شؤون الحكم ومتابعة
الإنجازات اليومية في الإمارة ، وتركيزه على مواصلة البحث العلمي
، ومواكبة الرؤى المستقبلية ، والحرص على مواصلة محاضراته في قسم
التاريخ بجامعة الشارقة من جهة ثانية ، حتى لا تقوم قطيعة بينه
وبين دوره الأكاديمي وتحصيل الخبرة الصادقة في هذا المجال الذي
كان بالنسبة إليه الحلم الأساس ، وهي ميزة فريدة ونادرة وغير
مسبوقة من حاكم ، وسمة حضارية .
إن مشروع الشارقة الثقافي واكبته صناعة ثقافية ومرافق معمارية
شامخة انطلقت من قناعة سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
بدور الثقافة في المجتمع ، وأثرها في تطوير الذائقة الفنية
والجمالية وتهذيب النفس وتوسيع المدارك والملكات الفكرية
والإبداعية ، حيث عمل سموه على تنفيذ مشاريع التنمية الثقافية
والحفاظ على التراث الثقافي والتفاعل الايجابي مع الثقافات
الأخرى وتفعيل وسائط الثقافة بين الفئات المختلفة من خلال
المراكز والمرافق الثقافية والعلمية والفنية .
الشارقة عاصمة الثقافة العربية
إن سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي هو الحاكم المثقف
الواعي لدور الثقافة والمثقفين في صنع الأوطان وبناء الإنسان ،
ما فتئ يعمل من اجل ترسيخ القوام الثقافي لإمارة الشارقة ، من
خلال الرعاية المباشرة للمثقفين والمبدعين في كل المجالات
الثقافية والفنية في تنمية الإنسان الإماراتي ، باحتضانه لمعظم
جمعيات النفع العام في إطار العمل لخلق بنية تحتية تضم مختلف
الفضاءات الثقافية المعنية بالإبداع الإنساني بوجوه كافة ، وقد
أثمرت هذه الجهود الثقافية الكبيرة اعترافا عربيا واسعا بالشارقة
، فاختيرت عاصمة عربية للثقافة في عام 1998م مع إنها ليست عاصمة
سياسية ذلك ان المدن التي اختيرت عواصم ثقافية كانت العواصم
السياسية لدولها ، ولكن اختيار الشارقة جاء بناء على مقاييس
الفعل الثقافي .
وقد تم ترشيحها من قبل المؤتمر العام للمنظمة الدولية للتربية
والثقافة والعلوم " اليونيسكو " لنيل لقب عاصمة العرب الثقافية
لعام 1998م ، تقدرا للتوجه الثقافي الذي أولاه سمو الشيخ الدكتور
سلطان بن محمد القاسمي جل اهتمامه ورعايته .
الدوائر والمؤسسات الثقافية في الشارقة
دائرة الثقافة والأعلام
أصدر سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مرسوما أميريا في
30 أبريل 1981م ، يقضي بانشاء " الدائرة الثقافية " تعزيزا
للجهود الثقافية المبذولة ، وحرصا على تصعيد وتوسيع قاعدة العمل
الثقافي الخلاق ، ليصل إلى المواطن في كل مكان ، ولقد حرصت
الدائرة منذ قيامها على تحقيق ذلك عبر ثقافة عربية إسلامية خالصة
، تؤثر وتتأثر بالثقافة الإنسانية في مفهومها الشامل والواسع ،
ومنطلقة من شعار سموه : "
كفانا من ثورة الكونكريت ولنتحول إلى بناء الإنسان " .
وعبر السنوات الماضية أنجزت الدائرة هيكلتها الإدارية التي تتطور
باستمرار تبعا لتوسيع طبيعة عملها لتشمل كافة مدن وقرى الإمارة ،
كما نفذت أنشطة في كافة المجالات الموكلة إليها ، والتي تتفق مع
الأهداف العليا .
وتقع دائرة الثقافة والأعلام في ميدان الثقافة وتتخذ من عبارة :
" من الأصول نستمد الحكمة .. والى المستقبل نبحر " شعارا لها ،
ومن جميع أرجائها وأركانها يفوح عبق الثقافة وأريج التراث ، وفي
مكاتبها تشهد خلايا النحل تعمل بدأب مستمر وتركيز واضح ، فالجميع
همه وشغله الشاغل الهم الثقافي والتحضير والتنسيق لأنشطة
وفعاليات ثقافية تمتد على مدار العام ، وتشمل جميع المجالات
المرتبطة من فنون وآداب ومعارض وندوات ومؤتمرات وورش عمل وزيارات
وأيام ثقافية .
قصر الثقافة
يقع قصر الثقافة على الجانب الأخر من ميدان الثقافة ، ويتبع
دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة والذي يعتبر صرحا ثقافيا علميا
شامخا ، يساهم في الحياة الفكرية والثقافية ، ويقدم خدمة ثقافية
للمؤسسات والهيئات الرسمية والشعبية بالدولة .
افتتح القصر رسميا في شهر مارس عام 1987م ، بحضور صاحب السمو
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وسمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
، وقد شهد قصر الثقافة العديد من الأنشطة الثقافية والفكرية
والفنية الكبرى ، كالمؤتمرات والمسرحيات والأمسيات الموسيقية
والشعرية والندوات والمحاضرات والعروض السينمائية وغيرها من
الفعاليات الثقافية المتعددة .
وقد أطلق عليه اسم " قصر الثقافة " في الحفل الختامي للدورة
العاشرة لأيام الشارقة المسرحية في 27 من مارس 2000م ، بعد أن
أجريت عليه عمليات الصيانة والترميم وإضفاء اللمسات
الجمالية الفنية وهي من وحي الطراز المعماري العربي الإسلامي .
وفي القصر العديد من القاعات ، كالقاعة الرئيسية وهي أكبر
القاعات ، وبها خشبة مسرح مجهزة بأحدث الوسائل التقنية الحديثة
في الصوت والإضاءة وبقية المكملات الفنية ، وعلى يمين مدخل القصر
توجد قاعة المؤتمرات وهي مجهزة بأحدث الوسائل التكنولوجية
والترجمة الفورية ، وتتبع هذه القاعة العديد من الغرف تستخدم
لاجتماعات اللجان والسكرتارية واستراحة المحاضرين .
جمعية الإمارات للفنون التشكيلية
يتمتع مقر الجمعية بموقع استراتيجي في وسط ساحة الفنون في بيت
اثري بمنطقة الشويهين في جو عمراني هادئ ، يحيط بها من كل جانب
مرافق تشكيلية كمتحف الشارقة للفنون ومركز الشارقة للفنون ومراسم
الفناين ومقهى للفنون .
وتقوم دائرة الثقافة والإعلام بالاهتمام بالفنون التشكيلية
ورعاية المواهب الشابة وصقلها بالدورات المختلفة ، وتمثيل فناني
الإمارات في المحافل الرسمية ، ودعمهم في كل المجالات من خلال
جمعية الإمارات للفنون التشكيلية .
مركز الشارقة للفنون
مركز الشارقة للفنون يتخذ من " بيت السركال " مقرا له ، هذا
البيت المتميز من الناحية المعمارية والجمالية ، ويقع منطقة الشويهين الذي شهد مع صاحبه الكثير من الأحداث السياسية
والاجتماعية ، وكان من أهم البيوت قاطبة في الثلاثينيات
والأربعينيات من هذا القرن .
ثم آل البيت إلى الشيخ محمد بن صقر القاسمي ، والد سمو الشيخ
الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي أهتم به ، وأضاف إليه عددا
من الدكاكين ، حيث سميت الدكاكين المجاورة والمقابلة له بسوق "
محمد بن صقر " ، ويقدر عمر هذا البيت بمائة وخمسين عاما ، وتم
بناؤه على عدة مراحل زمنية .
ومركز الشارقة للفنون يتولى تقديم الرعاية الدراسية للناشئين من
الفئات العمرية ما بعد الثانية عشر ، والذين تجاوزوا بكفاءة
مرحلة التأهيل في مراكز ثقافة الطفل حتى يلتحقوا بعد ذلك بدورات
مختلفة في مجالات الفنون البصرية والتذوق الفني .
وفي هذا الإطار تتولى مجموعة من الفنانين المحترفين وضع مفردات
هذه الدورات والإشراف عليها ، علما بان المفردات تشمل دراسة
أحوال الرسم والجرافيك والخط والنسيج وغيرها من مجالات الفنون .
التحفيز المادي والمعنوي
ولم يغفل سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي دور التحفيز
المادي والمعنوي على الثقافة في العطاء ، ومكافأة أولئك الرجال
الذين نذروا حياتهم خدمة للثقافة وإعلاء لشأنها ، وتحقيقا لذلك
تقدم الشارقة العديد من الجوائز الثقافية لمكافأة الأعمال
والجهود الفنية والفكرية والترويجية التي تسهم في تنمية الثقافة
العربية ونشرها .
أهم
أعماله في مجال الثقافة :
وفي مجال الثقافة فقد قام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن
محمد القاسمي، بالأعمال السامية التالية:
ـ
أصبحت إمارة الشارقة في عهد سموه مقراً لأكثر من عشرين جمعية نفع
عام ومؤسسة ومنتدى ثقافياً وفكرياً، وفي عام 1998م، اختارت
اليونسكو إمارة الشارقة عاصمة ثقافية للوطن العربي.
ـ
أنشأ معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي يعتبر من أهم المعارض على
مستوى الوطن العربي وبينالي الشاقة الدولي للفنون، وعزز المكانة
الثقافية لإمارة الشارقة وأبرز معالمها بإنشاء المؤسسات التي
تمثل المتاحف والفنون وساحة الآداب .
|