التراث / متحف العين/ الآثار - العصور البرونزي المبكر

مدافن جبل حفيت ـ ( الخزانات 106 ـ 107 )

     وبعد آثار العصور الحجرية تم عرض أثار العصر البرونزي مبتدئين بأقدم البقايا المعمارية المعروفة بالدولة والتي ترجع إلى أواخر الإلف الرابع قبل الميلاد ( بحدود 3200 ـ 3000 ق . م ) ، ومن هذه البقايا توجد المئات من الأكوام الحجرية التي تنتشر على إطراف السفوح الشرقية والشمالية من جبل حفيت .

     وهناك بعض من الصور الفوتوغرافية توضح هذه الأكوام التي تمثل مدافن القوم الذين كانوا يسكنون منطقة العين خلال تلك الحقبة الزمنية البعيدة ، ومن معروضات هذا الجناح نماذج قليلة من أقدم الأواني الفخارية المكتشفة عثر عليها داخل هذه المدافن ، وأهمها آنيتين صغيرتان مزينتان بزخارف جميلة وهما من نوع الفخار المعروف في بلاد وادي الرافدين في الحقبة الزمنية المسماة بعصر جمدة نصر . وهاتان الآنيتان ربما تكونان قد استوردتا من هناك مما يشير إلى العلاقات التجارية ما بين وادي الرافدين والخليج العربي منذ نهاية الإلف الرابع قبل الميلاد .

     لقد نمت هذه العلاقات وتطورت في الإلف الثالث قبل الميلاد ، ونرى ذلك موضحا في الخارطة الملونة المفصلة الموجودة بالمتحف التي ترينا خطوط الطرق التجارية القديمة والتي كانت تربط وادي الرافدين بوادي السند مرورا بمملكة دلمون ( البحرين ) وماجان الذي يتفق مع معظم الآثاريين على وضعها في منطقة جنوب شرق الجزيرة العربية ( دولة الإمارات وسلطنة عمان ) . وتذكر الكتابات المسمارية المكتشفة في وادي الرافدين والتي تعود إلى الإلف الثالث قبل الميلاد إلى ان بواخر محملة بنحاس ماجان قد رست في مواني اكد واور في جنوب العراق منذ عهد سرجون الاكدي وحفيده نرام سن . ان هذا الدليل المادي يشير إلى عمق العلاقات التجارية بين جنوب شرق الجزيرة العربية ووادي الرافدين منذ ذلك الحين ، كما وان قائمة السلع التي تم التبادل فيها طويلة ولا مجال لمناقشتها ، ولا بد من الإشارة هنا إلى التنقيبات الأثرية التي جرت في المناطق الداخلية من سلطنة عمان والتي دلت على استغلال مادة النحاس منذ الإلف الثالث قبل الميلاد .

العصر البرونزي والمستوطنات السكنية المبكرة

( الهيلي )

     بالرغم من ان المنقبون لم يعثروا على اي مستوطنه سكنية معاصرة للمدافن الأثرية في منطقة جبل حفيت ، فان أقدم المستوطنات السكنية المكتشفة في الدولة ترجع في تاريخها إلى النصف الأول من الإلف الثالث ق . م . ومن ذلك العصر توجد مستوطنه سكنية في منطقة هيلي بمدينة العين تسمى " مستوطنة هيلي 8 " وفي خزانة العرض رقم 108 والكائنة على يسار الخارطة توجد صورة فوتغرافية لهذه المستوطنة التي لها شكل دائري تتوسطها بئر للماء . كما وعرضت بعض من النماذج الفخارية المكتشفة حولها والتي تعود إلى ثلاثة ادوار زمنية ، ويعود أقدم دور زمني في هذه المستوطنة إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام . وكما تدل المكتشفات ان الإنسان قد استمر في استيطان هذه البقعة على ما يزيد من الألف عام . وهذه المكتشفات رغم قلتها على قدر كبير من الأهمية ، حيث يمكن ان تكون دليلا على حياة مستقرة مارس الإنسان فيها زراعة الحنطة والشعير والذرة البيضاء وعرف زراعة النخيل وتبادل البضائع مع العالم الخارجي .

 

مدافن هيلي وطرق دفن الموتى قديما

     ان أهم ما امتاز به الإنسان الذي عاش في الإلف الثالث قبل الميلاد هو اهتمامه الكبير بموتاه حيث نرى من ذلك العصر العديد من المدافن الجماعية المبنية بأشكال دائرية من الحجر المنحوت ، لقد امتازت هذه المدافن بان لها في العادة مدخلين يؤديان إلى غرف عديدة استعملها الإنسان لدفن موتاه الذين زودهم بالهدايا والحاجيات الشخصية ، واهم هذه المدافن والتي تعود في تاريخها إلى 2500 سنة قبل الميلاد وبعد ذلك بقليل هو مدفن هيلي الكبير الكائن داخل حديقة الهيلي. لقد أعيد بناء هذا المدفن والذي يبلغ قطره حوالي 12 متر وعرض نموذج صغير له داخل أحدى الخزانات في المتحف ( خزانة110) . وقد سمي المدفن بهذا الاسم نسبة إلى المنطقة التي يقع فيها (هيلي) والتي لا نعرف أصل تسميتها. ان مداخل هذا المدفن تحمل زخارف نافرة لأشكال حيوانية وآدمية جميلة وأبرزها حيوان المها "الوضيحي" وهو من الحيوانات الأصلية في الجزيرة العربية.

  اما المكتشفات الأثرية التي تم التنقيب عنها في مدافن هيلي والتي تعود إلى الإلف الثالث ق.م فمعروضة في أجزاء من القاعتين الثالثة والرابعة (الخزانات 110-126) . ففي القاعة الثالثة عرضت إشكال متنوعة من الفخاريات منها الأحمر الرقيقي المزين برخارف جميلة ومنها أواني التعليق المحلية الصنع وبعض من الأواني المنزلية وهي عميقة مفتوحة مزينة بخطوط متموجة تدور حول الطرف العلوي من الآنية .

  وفي مدخل القاعة الرابعة على جهة اليمين عرض خنجر من النحاس (خزانة 115) ومزيد من أواني التعليق (خزانة 116) وقلائد من العقيق الأحمر كانت تزين صدور النساء والأطفال (خزانة 117) . ويمكن ان يكون حجر العقيق قد استورد من الهند حيث تتوفر المادة الخام هناك . وفي خزانة أخرى من نفس هذا الجانب (خزانة 118) توجد مجموعة من الأواني المنزلية المذكورة أعلاه حيث نرى الخط المتموج وقد استعمل عنصرا أساسيا في زخرفة هذه الأواني . والى جوار الأواني المنزلية توجد خزانة صغيرة عرض فيها نماذج من الأواني الفخارية التي اكتشفت في مدافن هيلي وكلها تعود إلى فترات لاحقة من مدافن الألف الثالث ق.م ، تشتمل على جرار وأقداح وأواني صغيرة جداً . ويشاهد الزائر في ركن الجهة اليمنى من نفس القاعة خزانتين (120 و 121) عرضت فيهما مجموعة كبيرة من أواني الحجر . لقد صنعت هذه الأواني من الحجر الصابوني المسمى بحجر الكلورايت وهي تمثل كؤوسا مزينة بصفوف من الدوائر المتداخلة وإطباق صغيرة غير عميقة ذات إشكال نصف دائرية مزينة في العادة بصف واحد من الدوائر المتداخلة تدور حول الفوهة ، وصناديق صغيرة أشبه بالعلب مقسمة من الداخل إلى قسمين . كما وتوجد بعض من الأغطية المستطيلة المزينة بالدوائر كذلك .

   لقد اشتهرت ماجان ( دولة الإمارات وسلطنة عمان ) قبل أكثر من أربعة آلاف عام بصنع مثل هذه الأواني والتي يبدو إنها قد وصلت إلى مناطق أخرى من الخليج العربي ووادي الرافدين . ومما يجدر ذكره ان صناعة الأواني الحجرية قد استمرت لأكثر من إلفي عام كما سنرى فيما بعد .

   ولما كان الفخار يعتبر مفتاح الآثار ، ولكونه يشغل جانباً كبيراً من مكتشفات هيلي الأثرية فقد تم توضيح الطرق المختلفة التي كانت تستعمل في صناعة الأواني الفخارية . فالرسومات والإشكال التوضيحية ترينا طريقة الضغط بالإبهام وطريقة الحلزونات وطريقة الدولاب .

   والى الأسفل من هذه الرسومات هناك ثلاثة خزانات صغيرة (122-124) عرضت فيها نماذج أخرى من الجرار الفخارية المزينة بزخارف جميلة وعدد من الأواني المصنوعة من حجر الكالسايت . ان أبرز الأواني الفخارية المعروضة في هذه المجموعة هي تلك الجرة الصغيرة المزينة برسم طاووس وربما تكون هذه الجرة قد استوردت من وادي السند حيث ان مثل هذا العنصر الزخرفي كان معروفا في حضارة هرابا في السند آنذاك .

  وعلى يسار رسومات الفخار التوضيحية ومن منطقة هيلي كذلك توجد خزانتان تحويان أوان فخارية رمادية اللون ذات جدران رقيقة جداً (125 و 126) . وهذه الأواني أما أن تكون ملونة أو محززة  ، والملونة منها ذات أشكال حيوانية أو هندسية . ومن الزخارف الحيوانية أشكال لماعز أو وعول ، وهذا العنصر الزخرفي هو ميزة من ميزات فخاريات الإلف الثالث قبل الميلاد. أما المحززة فمزينة بخطوط متعددة والبعض منها يشكل ما يشبه الزخرفة المعمارية. ورغم ان هذا النوع من الفخار معروف في الجزء الجنوبي الشرقي من إيران كذلك ، لكننا لا نزال نجهل المصدر الحقيقي لهذا الفخار، ويجب ان لا يستبعد احتمال وجود أكثر من مركز لإنتاجه.

مستوطنة أم النار ومدافنها

   وفي القاعة الرابعة كذلك وبعد معروضات مواقع هيلي يرى الزائر للمتحف آثار موقع جزيرة أم النار الواقعة قرب مدينة ابوظبي ، وهذا الموقع هو أول موقع أثري يكتشف في دولة الإمارات العربية المتحدة وكان ذلك عام 1958. وثقافة أم النار التي تعود في عصرها الزمني إلى نفس عصر موقع هيلي تمثل الوجه الساحلي لحضارة العصر البرونزي في الإلف الثالث قبل الميلاد . لقد بدأت إعمال التنقيب في جزيرة أم النار عام 1959 من قبل بعثة آثار دنماركية وكشف فيها عن مستوطنة سكنية كبيرة وخمسون مدفناً ذات أشكال مختلفة.

  لم يتم التنقيب إلا في أجزاء  قليلة من المستوطنه ، وبعض آثار هذا المستوطنه معروضة في خزانة واحدة (128) وهي تمثل أدوات للصيد منها صنارات مصنوعة من النحاس وثقالات من الحجر لشباك الصيد وأقراص مغازل من العظم ومثقب وشفرة حلاقة من البرونز ومدقة من الحجر الرمادي الداكن . وفي أقصى يسار الخزانة يوجد ناب لحيوان بقر البحر الذي كان يشكل غذاء رئيسيا لسكان أم النار قبل حوالي أربعة وخمسمائة عام .

   أما المكتشفات الأثرية التي تم العثور عليها داخل مدافن أم النار الجماعية والتي تشابه مدافن هيلي فهي معروضة في عدة خزانات يرى الزائر منها مجموعة من الأسلحة المصنوعة من البرونز وبعض المثاقب وعدد كبير من القلائد وأدوات الزينة مثل مشد للشعر مصنوع من الذهب . والقطعة الأخيرة هي القطعة الذهبية الوحيدة المكتشفة في موقع أم النار (خزانة129) .

     ويشتمل جناح أم النار كذلك على تمثال لإنسان واقف فاقد الرأس تم عرضه في صدر هذه القاعة . نفذ هذا التمثال على الأحجار الكلسية بأسلوب النحت البارز وقد عثر عليه في منطقة المستوطن . كما أن هناك عدداً من رسومات نافرة لحيوانات نفذت على عدد من الألواح الحجرية المسطحة وقد كانت في الأصل تزين الجدران الخارجية لقسم من هذه المدافن . ومن الحيوانات التي نقشت على هذه الأحجار هو الجمل الذي ربما كان مستأنساً في تلك الحقبة الزمنية (؟). كما وهناك رسومات لغزال المها والثور والثعبان .

  والى جوار الألواح الحجرية ذات الرسومات النافرة من جزيرة أم النار عرضت رسومات للزخارف النافرة من مدفن هيلي والتي كانت تزين مدخلية وهي بنصف حجمها تقريباً. وهذه الأخيرة تمثل رسماً لشخصين متعانقين وشخص آخر يركب حماراً يقف خلفه إنسان بيده عصا ، وتحت فتحة المدخل حيوانان كبيران يتوسطهما حيوان صغير. اما البوابة الثانية لهذا المدفن فعليها رسم نافر لزوج من حيوان المها يقف بينهما شخصان ربما يمثلان رجلاً وامرأة .

    وإمام هذه الرسومات توجد ثلاثة خزانات  صغيرة منفصلة (130 – 132) تشتمل على مكتشفات أثرية من موقع أم النار تتضمن أواني فخارية رمادية اللون مشابهة لفخاريات هيلي وعدد الفخاريات الحمراء الرقيقة كما وتشتمل على عدد من الأواني المصنوعة من حجر الكالسايت.

   وإلى اليسار من الرسومات النافرة لمدخلي مدفن هيلي هناك خزانة كبيرة (133) عرضت فيها صور من مدافن أم النار وعدد من الأواني الفخارية الحمراء اللون ذات جدران رقيقة مزينة بزخارف جميلة. ومن أبرز هذه الأواني جرة كبيرة تجعل بقايا لرسم ثور له سنام يذكّر بالفخاريات المعروفة في حضارة وادي السند في الألف الثالث قبل الميلاد. وإلى جوار هذه الخزانة هناك خزانة أخرى ( 134) عرضت فيها خمس أواني فخارية تذكرنا بالفخاريات العراقية القديمة من الألف الثالث قبل الميلاد.

  لم تكن مواقع الألف الثالث ق.م معروفة خارج جزيرة أم النار قبل سنين قليلة ، ولكنه خلال الأعوام الأخيرة تم اكتشاف مواقع أخرى من نفس العصر مثل المستوطنة السكنية في جزيرة غامضة الواقعة بين مدينتي أبوظبي ودبي، وهي تمثل مستوطناً موسمياً للصيادين ، وتدلنا مكتشفاتها الأثرية على أن القوم كانوا يعتمدوه على الصيد في حياتهم اليومية.

   وقد تبين كذلك بأن مواقع أخرى من عصر أم النار كانت موجودة في أماكن أخرى من منطقة الساحل الغربي لدولة الإمارات مثل موقع المويهات في إمارة عجمان والذي خصصت له خزانة صغيرة واحدة باسم عجمان عرضت فيها مجموعة من الأواني الفخارية الحمراء المزينة بخطوط باللون الأسود وعدد من القلائد وبعض المكتشفات الصغيرة (خزانة 135). ومما يذكر ان موقع المويهات قد اكتشف بطريق الصدفة عام 1986، وقد كشفت التنقيبات التي أجرتها فيها إدارة الآثار والسياحة في العين عن مدفنين، احدهما دائري فوق مستوى سطح الأرض والآخر مستطيل تحت مستوى سطح الأرض ( الصورة المعروضة ترينا المدفن الدائري فقط ). وفي المدفن المستطيل الذي يبلغ طوله 4 متر وعرضه 2 متر فقط تم دفن ما يقرب من 120 شخصاً وجدت هياكلهم العظمية بعضها فوق بعض .

   أن آخر المستوطنات السكنية المكتشفة من عصر أم النار والتي لابد من الإشارة إليها رغم عدم وجود معروضات لها في متحف العين هي تلك المستوطنة  التي اكتشفتها ونقبتها إدارة الآثار والسياحة في العين وذلك في قرية البدية شمال مدينة الفجيرة . وتشغل هذه المستوطنة بناية دائرية بني جدارها الخارجي من الأحجار غير المنحوتة بينما دمرت جدرانها الداخلية التي بنيت من الطين. وهذه البناية تذكرنا بالبناية البرجية في موقع هيلي 8 بمدينة العين .

   هذا وقد ظهرت في الآونة الأخيرة دلائل أخرى لحضارة الألف الثالث قبل الميلاد في كل من إمارات رأس الخيمة وأم القيوين والشارقة ودبي .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية