التراث / متحف العين/ العصر الحديدي

( الخزانات 144 – 155)

   في بداية الألف الأول ق.م وربما قبل ذلك بقليل بدأت آثار حضارة جديدة بالظهور وغالباً ما يطلق عليها الآثاريون بالعصر الحديدي. بالرغم من ان الإنسان في الإمارات لم يستعمل الحديد بشكل واسع إلا في نهاية هذه الفترة وفي الفترة التي تليها ( العصر الهلنستي ) إلا ان هذا المصطلح ( العصر الحديدي ) قد شاع استعماله بكثرة بين الآثاريين العاملين في منطقة الخليج العربي، ويرجع سبب ذلك إلى غياب الكتابات وبالتالي غياب أسماء الأقوام التي سكنت هذا الجزء من الجزيرة العربية. ومعروف ان الإنسان في منطقة الشرق القديم كان قد عرف استعماله الحديد لأول مرة منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وبناء على ذلك فقد وجد الاثاريون من السهولة استعمال هذا المصطلح ليغطي الفترة الزمنية المذكورة. وهذا في الواقع عجز منا في التعرف على التسمية الصحيحة التي يمكن ان تطلق على هذه الحضارة أو تلك التي سبقتها والتي سميت بحضارة العصر البرونزي، وسبب ذلك كما سبق ذكره غياب الكتابات التي يمكن ان تشير إلى أسماء الممالك والشعوب .

    وعلى أي حال فإن حضارة العصر الحديدي ـ وسنجيز لأنفسنا استعمال هذا المصطلح ـ قد بدأت مغايرة عن حضارة العصر البرونزي حيث ظهرت المستوطنات السكنية الكبيرة التي تتكون من أبنية تختلف في مخططاتها وأشكال بيوتها عن تلك التي سبقتها. لقد اختفت المباني البرجية الدائرية الشكل كما كان الحال في موقع هيلي 8 وغيره وحلت محلها وحدات بنائية يمكن ان تشكل أساساً لنظام القرية الحديثة.

   أما المعروضات العصر الحديدي الموجودة في متحف العين فتشتمل على لقى أثرية اكتشفت في مواقع هيلي 2 ورميلة وبديع بنت سعود والقصيص .

    ومن مستوطن هيلي 2 والذي يمثل قرية واسعة قامت بتنقيبها إدارة الآثار والسياحة في العين حيث اكتشفت فيها العديد من البيوت السكنية المبنية من اللبن والطين عرضت صورة ومخطط يوضع شكل البيوت المكتشفة في هذا الموقع، إضافة إلى المكتشفات التي تمثل بعض القواقع البحرية والسهام البرونزية وأغطية من الحجر وعدد من الأواني الفخارية التي تم العثور على معظمها خارج البيوت ( الخزانتين 145 و 146) ويبدو من العدد الكبير للأواني الفخارية والتي لم يتم عرض إلا القليل منها وكذلك مواقد النار بأن سكان هذه القرية قد اتخذوا الفسح الخارجية والفراغات بين البيوت مكانا لممارسة معظم نشاطهم اليومي وذلك أكثر مما استعملوا بيوتهم.

   أما مستوطن رميلة الذي خصصت له خزانتان فقد حوت الخزانة الأولى (147) صورة توضيحية لجانب صغير من المستوطن وثلاث قطع فخارية، على احدها أفعى ملتوية، كما وترينا هذه الخزانة عدداً من أواني الحجر الجميلة أبرزها الجرة البرميلية الشكل ذات المقابض الأربع. إما الخزانة الثانية (148) فتشتمل على معروضات معظمها من البرونز منها معزقين لتسوية التربة وفأسين وخنجر وعدد من السهام البرونزية. وتشتمل كذلك على بعض الأختام المنبسطة، وزوجين من الخلاخيل أو المعاضد البرونزية.

   ومن الجدير بالذكر ان موقع رميلة الذي يقع قرب منطقة هيلي كان قد نقبت فيه بعثة آثار دنماركية ثم بعثة محلية. وفي الثمانينات قامت بعثة فرنسية بإجراء المزيد من التنقيب فيه وكشفت عن أبنية سكنية ، كما واكتشفت فيه ثلاث طبقات معمارية تعلو الواحدة منها الأخرى مما يشير إلى استمرارية السكنى في هذا الموقع لمدة طويلة. لقد حدد تاريخ رميلة بالنصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد وربما يكون أقدم من ذلك بقليل.

    ويعد الإطلاع على آثار رميلة يعود الزائر إلى القاعة الثالثة مرة أخرى ليرى بمنتصفها عددا من جرار التخزين الكبيرة كانت قد اكتشفت من موقعي هيلي 2 ورميلة. ثم يستدير إلى جهة اليمين ليطلع على معروضات موقع جرن بنت سعود الكائن على بعد 12 كم شمال هيلي.

   ومن موقع بنت سعود الذي تعود معظم مكتشفاته إلى العصر الحديدي ( الخزانات 149 – 152 ) عرضت بعض الأواني المصنوعة من الحجر وهي مزينة بأشكال جميلة، كما وعرض عدد كبير من الأغطية الحجرية كذلك وبعض من المكتشفات الصغيرة تشتمل على زوج من الأقراط الذهبية وعدد من الخرز وقواقع بحرية لها ثقوب ربما استعملت كمشدات للأحزمة ، وهناك كذلك ملقطين من النحاس ومخرز وغيرها. لقد اكتشفت في مدافن هذا الموقع التي بنيت فوق مرتفع طبيعي من الصخور الرسوبية عدد من أنصال البرونز وعدد من السهام .

   أما الفأس البرونزية المعروضة مع السهام والحراب المذكورة أعلاه (خزانة 151) فتعود إلى نفس العصر الزمني ولكنها قد اكتشفت في أحد مدافن العصر الحديدي على سطح موقع هيلي 8. بينما عثر على القدر الحجري ذي الغطاء الدائري في إحدى ضواحي مدينة العين بطريق الصدفة وهو من نفس العصر كذلك.

   لم يقتصر انتشار مواقع العصر الحديدي على مدينة العين أو إمارة أبوظبي فقط بل انتشرت في مناطق متعددة من الدولة. ويعتبر موقع القصيص من أولى المواقع المكتشفة في الإمارات الشمالية.

   يقع القصيص في إحدى ضواحي مدينة دبي ويشرف عليه متحف دبي ، وقد قامت بعثة آثار عراقية بتكليف من إدارة الآثار والسياحة في مدينة العين بالتنقيب فيه عام 1974، ويمثل هذا الموقع مقبرة واسعة تشتمل على أشكال مختلفة من القبور منها الفردي ومنها الجماعي. وفي المقابر الفردية التي تعود إلى العصر الحديدي تم العثور على بقايا هياكل عظمية مزودة بعدد من الحاجيات كالأواني الحجرية والفخارية البرنزية والخناجر وأدوات الزينة وغيرها، وقد تم  نقل احد هذه المدافن الفردية ليعرض في متحف  دبي. إما المدافن الجماعية فقد عثر على نوعين منها : الأول يتكون من  عدة غرف وربما يكون قد بنى على عدة مراحل منية، والثاني مستطيل أو بيضوي لم ينقب بشكل كامل .

  ورغم ان آثار موقع القصيص قد نسبت إلى العصر الحديدي فإن البعض منها يذكر بآثار الألف الثاني ق.م. كما وإن قسماً من اللقى الأثرية ـ وخاصة إلى مقابر أقدم في الألف الثاني ق.م حيث سلبت منها وأعيد استعمالها فيما بعد . وباختصار فإننا لسنا بموقع يسمح لنا البت في تحديد عمر هذه اللقى فهي بحاجة إلى دراسة شاملة على ضوء التنقيبات الحديثة التي تمت في مواقع أثرية عديدة خلال العقد الماضي.

   ويحتفظ متحف العين بعضاً من مكتشفات القصيص في حين يحتفظ متحف دبي بالقسم الأكبر منها. وآثار القصيص الموجودة في متحف العين قد عرضت ثلاث خزانات (152-155) تشتمل الأولى على عدد من الأواني الفخارية وتشتمل الثانية على أوان من الحجر وعدد من الأغطية وخنجر من البرونز وعدد من المكتشفات الصغيرة، بينما تشتمل الخزانة الرئيسية الثالثة على أواني من الحجر أبرزها الإناء البرميلي الشكل الشبيه بذلك الإناء البرميلي من موقع رميله ، وبعض من الأواني البرونزية وإناءين من حجر الكالسايت. هذا وينوي متحف دبي أجراء المزيد من التنقيبات في هذا  الموقع في المستقبل القريب .

   وقبل الانتقال من العصر الحديد إلى عصر حضاري جديد هو العصر الهلنستى والذي عرضت فيه آثار قليلة من موقعي مليحة والدور ، لابد للزائر من الإطلاع على خارطة دولة الإمارات العربية المتحدة التي تبين توزيع المواقع الأثرية التي تعود إلى عصور زمنية ابتداء بالعصر البرونزي وانتهاء بالعصر الإسلامي . ان إلقاء نظرة سريعة على هذه الخارطة ترينا سعة انتشار المواقع الأثرية على امتداد سواحل الدولة وفي الواحات الداخلية وبالتحديد في مدينة العين.

   وعند هذه الخارطة تم عرض نماذج من المسكوكات التي يحتفظ بها متحف العين في خزانة أفقية واحدة (156) . ومن هذه المسكوكات ما هو إغريقي أو من ذهب أو دراهم من الفضة من العصور الأموية والعباسية والأيوبية والمملوكية. كما وهناك مسكوكات خليجية أحدث من ذلك. ويذكر بأن متحف العين كان قد اقتنى هذه المسكوكات عن طريق الإهداء أو الشراء.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية