|
منذ عهود بعيدة
مارس الإنسان العمل الملاحي على ضفاف الخليج العربي واستطاع أن يبرز دوره الصناعي في العالم القديم، وقد طور صناعته عبر تطور
الزمن ، وبمرور حضارات كثيرة على تاريخه فإنه عايش متطلبات تلك الحضارات ولعب دوره
الملاحي الذي استطاع أن يطور فيه، فقد وصلتنا بقايا تلك الحضارات على شكل صناعات
تقليدية ممثلة في المراكب الخشبية، التي نرى سلالاتها حتى يومنا هذا، وهي تمخر عباب
البحر، ولم ينس الإنسان الخليجي أن يترك لنا بعض السجلات، وقد كانت عبارة عن (رقم)
طينية بين لنا فيها كيف كان يستخدم القوارب المصنوعة من عيدان البوص، والتي تطورت
إلى خشب البلوط وخشب الساج وغيرهما من الأشجار كالكافور والسرو (الإثل) وأشجار
عديدة أخرى، والمراكب التقليدية في الخليج تدهن بشحم الحوت المعروف محلياً بـ (الصل)
أما النصف السفلي الغاطس في الماء فيطلى بالنورة، وهي مادة كلسية عبارة عن مسحوق
ويضاف إليها شحم الحوت والعملية تدعى ملاحياً (الشونة) بينما تسد الشقوق بين
الألواح بقطن خاص يدعى (فتيل) وعمليته تدعى (قلفطة) أما من داخل جوف السفينة المسمى
بـ (الخن) فإنه يطلى بالقار، فإنه يطلى بالقار، وذلك منعاً لتسرب المياه للداخل
وقديماً كانت هذه الألواح التي تعرف بـ (الخدود) تثبت بواسطة الخياطة بحبل من ليف
جوز النارجيل (كنبار) وذلك لقوة أليافه أو بمسامير خشبية ثم صنعت مسامير من حديد
تسمى (بادور) وجمعها (بوادير).
وكانت السفن القديمة تصنع بهذا الشكل، فهي تحتاج إلى صيانة مستمرة كتبديل الخيوط
ومعالجة الألواح، وقد يكون ذلك سنوياً، فضلاً عن كونها عرضة للتفكك بفعل اصطدامها
بالأمواج، يقال أن السبب في ذلك يعود إلى أسطورة قديمة، تقول: إن في بعض المواضع من
المحيط الهندي صخوراً من المغناطيس تجذب السفن المثبتة بالحديد إلى حتفها، وبعد
فترة زمنية توصل الإنسان في الخليج إلى بطلان هذه النظرية الأسطورية، وأقبل
الملاحون في الخليج على صناعة السفن من خشب الساج، وذلك لمرونته وقوة تشكله حسب
الطلب بالإضافة إلى أن الألواح المصنوعة من خشب الساج لا تتلف الحديد كما تتلفه
أخشاب سفن البحر الأبيض المتوسط، ولسفن الخليج العربي خصائص مميزة تدل على خبرة
صانعيها ودرايتهم بالأمور الملاحية، والمسالك البحرية، فمن السفن القديمة ذات
المؤخرة المرتفعة والمربعة مثل: (البغلة والكوتية والغنجة) ظهرت السفن المتأخرة
بشكل انسيابي مثل: (البوم والسنبوك والشوعي) وهذه الأنواع من السفن تستطيع أن توجه
الوجهة الصحيحة المطلوبة خلال المناورات البحرية في حالة تغير الجو واشتداد الرياح
وهيجان الأمواج، خصوصاً أن منطقة الخليج العربي تكثر فيها الشعب المرجانية والخلجان
(الخيران) والترسبات الطينية والصخرية، فاختلاف التضاريس في حوض الخليج أكسب
الإنسان خبرة وجعله أكثر مهارة، وبهذا سهلوا مهنتهم البحرية وتجاوزوا بخبرتهم هذه
مياه المحيط الهندي وسواحل الهند وسيلان وشرق أفريقيا .
ومن
المعروف تاريخياً أن الملاحين في الخليج الفضل الكبير في اختراع الشراع المثلث
والذي أخذه عنهم ملاحو البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي والأوروبيون، فعند
حضارات تلك البقاع لم يظهرسوى الشراع المربع، الذي يرجع إلى عهد العصر اليوناني
ويعرف باسم (لاتين) وقد استعمله المصريون القدماء والفينيقيون واليونانيين
والرومان، وظل يستخدم في شمال أوروبا إلى أواخر العصور الوسطى، ولم يكن يؤدي نصف ما
يؤديه الشراع المثلث الذي صنعه أبناء الخليج، الذي تستطيع السفن بواسطته المناورة
والتجاوز بسرعة ويُسر، وقد استفاد الأوروبيون من هذا الشراع في تسيير سفنهم الضخمة
عند بداية رحلاتهم الاستكشافية، وقد فعل هذا المؤرخ الكويتي خالد سالم محمد في
كتابه (ربابنة الخليج العربي ومصنفاتهم الملاحية) وقد أشار إلى قول جورج حوراني في
كتابه (العرب والملاحة في المحيط الهندي) ... (إن العرب جاءوا بهذا الشراع المثلث
إلى البحر المتوسط وإذا صح هذا عُدّ من أياديهم الجليلة على الحضارة المادية).
|