|
قبل خمسة قرون عرفت رأس الخيمة ابن ماجد الذي بلغت شهرته الآفاق في المجال البحري
، وقد برزت خلال تلك القرون الخوالي مجموعة من الدراسات التي تتحدث في علم
الملاحة، كان ركيزتها الأولى أحمد بن ماجد السعدي الذي اكتسب خبرة من أبيه وجده
حتى أصبح علماً.
إن
ابن ماجد كان له الفضل على كثير من ملاحي العالم في القديم والحديث سواء بخبرته
إبان حياته أو بخبرته بعد وفاته من خلال الكتب والبحوث والقصائد التي خلفها لنا وإن
كنا لا نشك في أنه ضاع أو ضاعت أمور كثيرة منها، إلا أن ذلك لم يكن عائقاً، وذلك
لكثرة ما ترك من إرشادات ملاحية.
وبعد مضي أكثر من خمسة قرون ما زال ابن ماجد يحتل الدراسات العلمية عنه، فقد كتب
وألف عنه الكثير سواء بالبحوث أو بالدراسات الجادة، وتمثل رأس الخيمة- مسقط رأسه (جلفار)-
مركزاً لإعداد الدراسات الملاحية عنه.
ومازالت رأس الخيمة عند رؤوس الجبال تنصب الأعلام، فقبل نصف قرن كان هناك الشاعر
علي بن ماجد الظاهري، ذلك الشاعر المرموق الذي طافت شهرته الخليج بأشعاره الرقيقة،
وقد كان هو الآخر ملاحاً فذاً عرفه جميع بحارة عصره، ولكنه لم يترك سوى أشعار
متفرقة جمعت ودرست فيما بعد خاصة خلال العقود الثلاثة المنصرمة، وبالرغم من أن هناك
فارقاً زمنياً قدره خمسة قرون بين الرجلين، إلا أن رأس الخيمة تبقى مضمار الحديث.
ومنذ القرن العاشر الهجري حتى اليوم برع العرب خاصة في الخليج إلى التأليف الملاحي،
فهناك مالا يقل عن خمسين كتاباً في الملاحة البحرية خلال القرون الخمسة المنصرمة
بينما لم يصلنا من القرون الخمسة التي سبقت ابن ماجد أي شيء، وهذا يعود إلى أعمال
ابن ماجد في التأليف والتصنيف البحري حيث مازال الملاحون والدارسون يستفيدون من
الدراسات التي وضعها ابن ماجد عن دراية وخبرة عريقة في مجال الملاحة البحرية .
الربان البحري وأسد البحار شهاب الدين أحمد بن ماجد بن عمرو السعدي (ينسب إلى سعد
بن قيس بن غيلان) ويعرف بأحمد بن ماجد النجدي، ولد في جلفار (رأس الخيمة اليوم) قبل
سنة 840 هجرية، ولا يعرف أين توفى، ولكنه على الأرجح في مسقط رأسه بعد سنة 906
هجرية.
وكان جده ماهراً في الملاحة البحرية خاصة في البحر الأحمر، وكما قال أخطر بحارة
الدنيا وكانت ربابنة البحر الأحمر في القرن التاسع تطلق على والده (ربان البرين) أي
الساحلين العربي والأفريقي، وكان ابن ماجد شغوفاً بسماع قصص جده العجوز مع بحارة
الحي، بينما والده كان بعيداً في أعالي البحار، وفي أجواء ملاحية نشأ ابن ماجد
ليكون من أكبر مؤرخي الملاحة البحرية في القرن التاسع الهجري حتى اليوم .
هذا
الملاح الخبير كانت له صولات وجولات، علمته الخبرة وصقلته الأحداث، وكان أهمها
وصوله بسفينة من هرمز إلى جدة في غير أيام الموسم، حيث سلك طريقاً بعيداً عن
الشاطئ، ولما وصل إلى جدة بعد سفر طويل تعجب الناس، وكانت السفن لا تقوى على السفر
في وجه الرياح الشمالية من الجنوب إلى الشمال في البحر الأحمر، فاتخذ الأتراك
والمماليك من وصوله إلى جدة في تلك السنة في عهد قايتباي الأشرفي حجة على المراكب
التي تعود للموانئ اليمنية ولا تقوى على مواصلة رحلتها في آخر الموسم، وقد كان
كهلاً في أخريات حياته، وإلى جانب أمور كثيرة جداً منها على سبيل المثال لا الحصر
إرشاده (فاسكو دي غاماً) إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح، لقد أخذ عنه
الأوروبيون علم الملاحة في المحيط الهادي والبحور المتفرعة منه، وخاصة البرتغاليين
والإنجليز والهولنديين، فضلاً عن الأتراك والهنود وغيرهم من العرب والأفارقة.
ومازالت علومه البحرية مثار الفخر، وتعد المراجع الأولى في الملاحة.
ونستعرض هنا تراثه البحري الذي لم يسبقه به أحد من العرب في باب الملاحة خلال
القرون الثمانية التي سبقت عصره، بالرغم من أن البحارة العرب كانت لديهم دفاترهم
الخاصة التي يتدارسونها لمعرفة قواعد السير في عرض البحار، وكذلك السير بحذاء
السواحل، و(المسالحة) لا تحتاج إلى دفاتر ولكن ذلك أشار إليه المسعودي كما رآهم
بنفسه أثناء رحلاته البحرية كما سيأتي .
وذكر المؤرخ البحري حسن صالح شهاب من خلال مؤلفاته ومصنفاته البحرية حقيقة علمية
وهي قوله:
لم
يصل إلينا شيء من تراث العرب البحري قبل ابن ماجد ، وما عرفناه حتى الآن من آثار
ابن ماجد في علم الملاحة البحرية سواء المنظوم منه أو المنثور، وكذلك آثار تلميذه
وخليفته سليمان بن أحمد المهيري، هو في الحقيقة كل ما ورثناه من هذا التراث.
قبل
تدخل أساطيل الاستعمار الأوروبي في المياه الشرقية وسيطرتهم على الملاحة فيها لكن
هذا لا يعني أن العرب لم يكن لهم قبل ابن ماجد تراث بحري، فالمقدسي (القرن الرابع
الهجري) شاهد مع من سافر معهم من البحارة العرب في البحر الأحمر وبحر العرب، دفاتر
(يتدارسونها ويعولون عليها ويعملون بما فيها). وفي القرن الرابع الهجري، أيضاً سافر
المسعودي عدة مرات مع بحارة من عمان، بين جزيرة (قنبلو) بجوار ساحل شرقي أفريقيا، و
(صحار) قصبة عمان القديمة فاجتاز عرض البحر بين ساحل جزيرة العرب الجنوبي وساحل
شرقي أفريقيا، هذا دليل على أن البحارة العرب كانوا في العصور المتقدمة، على علم
بقواعد السير في عرض البحر، إلى جانب معرفتهم بقواعد السير بحذاء الساحل، وأنه
كانت لهم في ذلك دفاتر يسترشدون بها في رحلاتهم .
وقد
ذكر ابن ماجد بعض مشاهر البحارة العرب في العصر العباسي ممن كانت لهم مؤلفات في علم
الملاحة والإرشادات البحرية، بقيت تستعمل إلى أيامه منها كتاب (رهمانج) ألفه من
سماهم بالليوث الثلاثة وهم: محمد بن شادان وسهل بن إبان والليث بن كهلان وقال إنه
اطلع على نسخة من هذا الكتاب بخط إسماعيل بن حسن بن سهل ، حفيد سهل بن إبان، أحد
الليوث الثلاثة ، ويرجع تاريخ نسخها إلى سنة ثمانين وخمسمائة من الهجرة.
وقال: إن أحمد بن طبرويه ألف في علم الملاحة قبل الليوث الثلاثة وأنهم أخذوا عن
مؤلفاته، كما أخذوا وصف السواحل عن المعلم خواشير بن يوسف بن صلاح الأركي، الذي كان
يسافر إلى الهند في المائة الرابعة من الهجرة. كما أخذوا عن كل من التقوا به من
البحارة ما يعرفه من بره وبحره، وإن كتابهم (ملفق) وليس فيه أرجوزة، وأغلبه في وصف
السواحل والطرق البحرية المسايرة لها، وفي وصف أعماق البحار، وسواحل (تحت الريح) أي
سواحل الجزء الشرقي من المحيط الهندي، وفي وصف ساحل الصين.
ونحن لا نعرف عن هذا (الرهمانج) أو (الرحماني) أكثر مما ذكره عنه ابن ماجد في كتابه
(الفوائد) لكن قول ابن ماجد: (ولم يعمل أهل زماني بما ألفه القدماء إلا قليلاً، مثل
الدير الصحيحة، وترفات الرحويات أما الشقاقات فلا) يؤكد أن محتويات (رهمانجات)
الليوث، وغيرها من (رهمانيات) أو (رهمانجات) العصر العباسي، وما قبله، لم تكن تختلف
عن محتويات (رهمانيات) عصر ابن ماجد. فقواعد الملاحة لا اختلاف فيها بين المتقدمين
والمتأخرين من البحارة . |