|
اكتسب بحارة الإمارات عبر الحضارات طرقاً عدة في المعاملات الاقتصادية وخاصة التي
تدر عليهم أرباحاً أو أن لهم طائلاً اقتصاديا حتى وإن كان دخله بسيطاً فلعل القرش
الأبيض يفيد كثيراً في اليوم الأسود كما تقول القاعدة الاقتصادية التي حورت إلى
مثل عالمي متداول على ألسنة الشعوب، وبما أن البحر هو الملاذ الاقتصادي الأول لما
تمثله خلجان وبيئات الخليج من مكامن ومراعٍ ممتازة، حيث وفرة الأسماك والحيوانات
البحرية بشكل اقتصادي، وبما أن تقلبات المواسم طوال أيام السنة تجعل بعض الأسماك
تحجب عن الظهور حيث تكثر في موسم معين، وبما أن إنسان الشواطئ في الخليج فطن إلى
هذه النقطة منذ القِدم فأكسبته جانباً من المهارة، وهي التي قادته إلى طرق تخزين
الأسماك في مواسم تندر فيها أو تختفي تماماً حتى حلول الموسم التالي .
وقد
كانت أسواق الخليج تزدحم بالأسماك المجففة بشكل ملفت للنظر، ولكنها تقلصت في أيامنا
بل كادت تختفي إلا من بعض الأشخاص في بعض المناطق، وهذا الحديث سوف يأخذنا إلى
معرفة الطرق التقليدية في تمليح وتجفيف الأسماك والزعانف والخياشيم عند بحارة
الخليج منذ عهود بعيدة، حتى انهم حافظوا على تلك الطرق الشعبية المتبعة جيلا بعد
جيل حتى وصلت إلينا كما كان الأسلاف يمارسونها تماماً.
مازال أبناء الإمارات يمارسون الصيد بالطرق التقليدية البدائية التي صنعوها بأيديهم
ومن خامات متوفرة في بيئاتهم، وقد اكتسبوا ذلك من خلال خبراتهم التي توارثوها عبر
أسلافهم، إلا إنه منذ أقل من نصف قرن أدخلت ثلاث أدوات صيد حديثة لم يعهدها قدماء
البحارة، هذه الأدوات هي الأسلاك التي تستورد من هولندا وغيرها من الدول، وتدعى (القراقير)
ذات أربعة أنواع وأحجام هي الحيزة أو الدوباية والقرقور وهو أصغر حجماً من الحيزة
إلى جانب نوعين آخرين صغيرين لكل منهما طريقة في الصنع وكذلك طريقة في وضعه في
البحر، أما الأداة الثانية فهي الجرافات البلاستيكية ، وهي ممنوعة دولياً حيث تعد
من أخطر أنواع المصائد على البيئات البحرية، إذ يمكنها صيد فراخ الاسماك بمجرد
خروجها من البيضة، وهناك شباك مشابهة لها ذات طبقة واحدة، وليست ذات ثلاث طبقات
كالتي هي محظور استعمالها، أما النوع الثالث فهو الخيط البلاستيكي الذي استبدل مكان
الخيط القطني، وهذه اللمحة السريعة تضاف إلى الأدوات المعروفة لأبناء الخليج في طرق
صيدهم الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى .
وأود أن أشير إلى أن أبناء الخليج استخدموا الملح الموجود في بيئاتهم حيث تكثر
بحيرات الملح الطبيعية على الأراضي الممتدة من الكويت حتى أبوظبي وتكثر في صحراء المجن، إلا أنها مهملة عدا بحيرات الملح الواقعة شمال الاحساء امتدادا إلى الكويت .
وقد
كان الملح المحلي يستخدم لتجفيف الأسماك والجلود حسب الطرق اليدوية والتي هي في
مجملها بدائية، حيث لا تعتمد على أي تقانة، وحتى وقت قريب كانت هذه الطرق تشاهد في
بعض أفنية القرى، حيث تشاهد حجارة ملحية ضخمة تخصص لمثل هذه الأمور، فتكسر وتحول
إلى بودرة خشنة، وهذا النوع من الملح لا يستخدم للطعام وإنشاؤها هناك نوع اكثر منه
جودة لما يحتويه على مادة اليوديوم الخصبة التي تعطي الطعام مذاقاً مقبولاً، وسعر
هذا يختلف عن الآخر، وهذا لا يعني أنه لم يستخدم لكلتا النوعين لكلا الحالتين لأنه
يعتمد على الحالة الاقتصادية والكمية المتوفرة أو المتاحة حينها .
وقد
كان البحارة قديماً يعتنون بتجفيف الأسماك بصورة جيدة حتى يمكن بيعها بسعر عال،
وعلى العكس منه الذي لم يجفف جيداً فإنه يباع بسعر مقبول أو متدن، والأسماك المملحة
أو المجففة – التي مضى عليها موسم أو حال عليها الحول – لونها يتحول من أبيض إلى
أصفر شديد أي مائل للون البني، وهذه إشارة لعدم صلاحيته للاستهلاك الآدمي حيث يحول
إلى علف للأبقار بطريقة تقليدية قديمة معروفة عند أبناء الخليج خاصة في البحرين
والقطيف وبعض مناطق الخليج الأخرى.
وفي
الماضي كان الغواصة يمارسون عملية تجفيف الأسماك بواسطة شكة في حبل ويربط بين
قائمتين، فقد كانوا يضعون معدل قوقورين مصنوعين من سعف النخيل عند المرساة (الباورة)
ويوضع فيه فلق من المحار طُعماً فيغري الأسماك بالدخول، حتى أن كل قوقور يصيد بنسبة
كبيرة قد تزيد على عشرين كيلو غراماً, فتقدم للبحارة في وجبة العشاء وهي الوجبة
الرئيسية، أما الزائد عندهم فيملحونه، وما أن يعودوا إلى اليابسة حتى يكون عندهم
صيد وفير من سمك الحلاء حيث يستخدمونه أيام الشتاء، ويكون تقسيمه بين البحارة
بالتساوي كأن يكون لكل بحار 15-20 سمكة وقد يزيد العدد، بينما يكون للنوخذة نصيب
الأسد حيث يعطى معدل كيس الجوال (خيشة).
أما
طرق تمليح وتجفيف وتخزين الأسماك كما مارسها قدماء الخليجيين فقد ظلت محافظة على
طابعها حتى اليوم، بالرغم من أن بعضها اختفى في مناطق ليظهر في مناطق أخرى، من هذه
الطرق والأساليب :
الطريقة الأولى: هذه الطريقة لا تحتاج إلى ملح بتاتاً وهي أول أسلوب بدائي مارسه
بحارة الخليج في تجفيف الأسماك، وهذه الطريقة تعتمد على نوعين من الأسماك هما:
العوم والمتوت، وهما سمكتان صغيرتان متقاربتان في الحجم بحيث لا يكبران في الموسم
الواحد سوى بحجم الإصبع الواحدة للإنسان البالغ، والسمكتان تصطادان بطريقتي (الحظرة
) و (الجاروف)، والجاروف لابد أن يكون ذا ثقوب (عيون) صغيرة جداً أي مخصص لصيد هذا
النوع من الأسماك حتى لا يفلت ، وكلتا السمكتين اجتماعيتان حيث تسير أسراب منها
بكميات تجارية، ويمكن صيدها في وضح النهار، وبعد صيد هذه الأسماك تؤخذ إلى منطقة
أرضيتها جافة، فتنشر على الأرض، وتترك لمدة أسبوع واحد، وبعدها تكون جافة تماماً
ويمكن أكلها دون طهي، والإماراتيون والعمانيون يضعون هذه الأنواع من الأسماك في
مطاحن تقليدية، فيحولونها إلى مسحوق يدعى (سحناه) ولهذا فهم يقولون في الأمثال
البحرية الدارجة (سحناه.. مغطاية ولا قبولي كشف) أي أن طبق السحناه وهو مغطى أفضل
بكثير من طبق القبولي المكشوف، والقبولي يسبه (الكبسة) في شمال الخليج باختلاف بسيط
في التحضير والطهي، ويحضر أبناء الإمارات وعمان أطباقاً من مسحوق السحناة ذا ت قيمة
غذائية عالية.
وتضاف إلى السمكتين آنفتي الذكر زعانف أسماك القرش (الجراجير) فهي تجفف أيضاً دون
تمليح، وفي الماضي كانت تصدر إلى الهند ويعاد تصديرها إلى الصين، ويصنع منها حساء
لذيذ، وهو غير معروف عند أبناء الخليج، حيث لا يكترثون سوى بلحمه الذي يعتبر
لذيذاً عند بعضهم .
الطريقة الثانية: الأسماك الصغيرة التي لا يزيد وزنها على 100 غرام حيث تملح بطريقة
جماعية وتجفيف بطريقتين، وهما وضع الأسماك على سطح المنزل أو وضعها على فرش خوصية
(كالسمة) في الهواء الطلق ويظل تحت المراقبة بعيداً عن القطط.
أما
الطريقة الثانية فهي شكه في حبال من ليف وتعليقه في الهواء بين جدارين أو شجرتين
خاصة في مكان مشمس لمدة قد تزيد على الأسبوعين، أو حتى البحار حال جفاف الأسماك
جيداً لأن تخزينها مبكراً قبل الجفاف يعرضها للتلف.
الطريقة الثالثة: وهناك طريقة السلق قبل التجفيف وهذه لا تكون إلا للربيان فقط، حيث
يوضع في قدور قد غلى ماؤها المشبع بالملح فتوضع على الأسطح المهيأة لذلك حتى تجف،
أما التجفيف بدون أن توضع في ماء مغلي فهي طريقة غير مضمونة، حتى وإن وضع فيها
مسحوق الملح، وبعد أسبوع يكون الربيان قد جف تماماً ويمكن أكله.
الطريقة الرابعة: أما الاسماك التي يزيد وزنها على 100 غرام أو ربع كيلوغرام فهي
تشق طولاً وتشرح في كل جانب، وتفرك في تل الملح المعد لذلك وتنشر في الشمس، ويفضل
كثير من أبناء الخليج رمي رأس كل سمكة أثناء التمليح، وقد يصل أقصى حد لتعريض هذه
الأسماك في الشمس إلى ثلاثة أيام مع المحافظة التامة والإشراف المستمر، لأنه قد
تحتاج بعض الأسماك إلى الملح وخاصة التي لم تجف جيداً، بينما في الشتاء يطول
تجفيفها على ضوء الشمس إلى معدل أسبوع أو عشرة أيام.
الطريقة الخامسة: إلى جانب الطريقة المتقدمة فقد عمد الأوائل إلى تصدير الأسماك في
جرار خاصة وهي طرية ومزودة بكمية كبيرة من الملح، وتوضع مع مياه البحر وتصدر حيث
تصل إلى الاسواق المقصودة وهي مازالت طرية، ولكن بدرجة عالية من الملح، ويمكن غسل
الأسماك في مياه حلوة لتخفيف حدة الملوحة، وأحجام كانت هذه الطريقة للتصدير فلا
يعني أن بحارة الخليج لم يتداولوها بينهم على اليابسة أيام الشتاء.
الطريقة السادسة: وهي للأسماك الكبيرة وذلك بطريقة التقدير، حيث تشرح الأسماك إلى
شرائح (فيليه) طولية وتغمس في الملح وتنشر في الشمس، وهي طريقة مازالت شائعة على
مدار العام وليس في أوقات محددة أو مواسم معينة، وهذه الطريقة تأخذ أكثر عناية من
غيرها؛ لأنها مخصصة للسوق المحلي حيث تباع بأسعار خيالية.
تلك
ست طرق عرفها أبناء الخليج لتخزين الأسماك التي تعرف محلياً (بالحلاء) أو (الحلى)
حيث يتناولون الأسماك الصيفية في أيام الشتاء ويحضرون أطباقاً شهية عرفها تراثهم
الملاحي العريق . |