الحمدلله الذي أنزله قرآناً عربياً، وكتاباً للعرب والمسلمين
جميعاً، على أختلاف لغاتهم وتباين لهجاتهم. فجعل منه عاملاً
موحداً، ليحقق الأتصال بين فصيح اللغة العربية من ناحية، وبين
لهجات ولغات العرب من ناحية أخرى .
فاللغة العربية هي الكلام القومي لأمة الضاد، من ضفاف المحيط
الهادي غرباً، الى وادي النيل، فوادي الرافدين ، فسواحل الخليج
العربي شرقاً.
ومهما اختلفت اللهجة المكانية لهذه البلدان، فإن لغة القرآن
الكريم بقيت وحدها اللسان القومي لهذه الأمة الواحدة، وهي وسيلة
التفاهم المشترك بينها. ولم يتمكن أي جانب أقليمي ضيق، ولا أية
لهجة محلية، ان توقف أو تسيطر على لغة القرآن، كتاب العربية
المقدس.
ولما كانت الأمم والشعوب قد أخذت بالاهتمام بتراثها الشعبي
ولغتها المحلية، وتسجيل قواعدها، وتثبيت أصولها ومعانيها، فلقد
خطر لي، وأنا مقيم في هذه الربوع العربية، أن أقوم بجمع مفردات
اللهجة العامية لأهل الأمارات العربية المتحدة، وتعقب أصولها،
وتحديد معالمها، والرجوع الى مادتها الفصيحة أو الدخيله، وما
يشابهها من كلام بقية أقطار العروبة أو يختلف معها.
فلقد حددت أصول نطق الحروف والكلمات ؛ تحقيقها أو تخفيفها أو
أمالتها أو قلبها أو حذفها . وأوضحت الى حد ما الفروق بين
اللهجات المحلية في الامارات، فحاولت قدر المستطاع أن أُحدد
مصادر المفردات وأن أعيدها الى أصولها .
وقد رتبت معظم ألفاظ المعجم حسب نطقها لا حسب مادتها، وقد أشرت الى ذلك عند قيامي بذكر الطريقة التي تنطق بها الحروف، ففي حرف
الهمزة مثلاً تميل اللهجة العامية هنا الى التخلص العامية هنا الى التخلص من الهمزة، أو تبسيطها، أو تخفيفها، مما أدى بالتالي الى التخلص من الحرف نفسه اذا وقع في أول الكلمة وكان بعده فتحه،
أو صوت حلقي غير متحرك، مثل أحمر وأخضر، حيث ينطقان حَـمَر
وخَـضَر وقد ذكرتهما في حرف الحاء وحرف الخاء. وغير ذلك مما سيجد
القارئ الكريم تفاصيله في المعجم .
الا انني في بعض الحالات أبقيت على الحرف نفسه وذكرت طريقة
نطقه، أو ذكرته في موضعين؛ مثل لفظة "أبو العيس" و "أبا العيس"
اذ تلفظ "بَلْعيس" وهو الثعلب ، فقد ذكرتهما في حرف الهمزة مرة
وفي حرف الباء مرة أخرى.
وسرت على هذا النسق في ترتيب الألفاظ مما أضطرني الى ادخال
حرفين دخيلين الى المعجم وهما:
" الـﭽاف " او الكاف المشنشنه و "الكََـاف " أو الكاف الثقيلة
برسم الصوت الأعجمي .
فالكاف المشنشنه ( ﭺ ) ترد في العامية مقلوبة عن الكاف فيقال
: " ﭼـَلِـب
" بدلا من "كلب" وهذه الكلمات التي تبدأ بالكاف المشنشنه ذكرتها
في موضعين الأول في حرف الكاف حيث ذكرت مادة " كلب " وقلت انها
تلفظ " ﭽـَلِب " و " كنعد " وتلفظ " ﭼنعد " والثاني في حرف ( الـﭼاف ) .
أما الألفاظ التي تبدأ بحرف الـﭼاف
والتي لا أصل لها في الفصيح، فلقد افردت لها باباً خاصاً هو حرف
" الـﭼاف
" مثل :
لفظة " ﭼيلي " لنوع من النعال التي تلبس في القدمين . ولفظة " ﭼيبال
" وهي علامة توضع في البحر للدلالة.
أما حرف " الكَـاف "، أو الجيم القاهرية ، والذي يرد مقلوباً
عن القاف أو الجيم، فلقد أفردت له باباً خاصاً، فما كان أصله
قافاً من الفصيح ذكرته في حرف القاف ثم أشرت الى طريقة نطقه؛ مثل
لفظ "كَلص" حيث اوردته في مادة "قلص" وأشرت الى أنه ينطق "كَلص"،
والأصل فيه القلس اي الحبل في الفصيح .
أما كلمتي "كَـركَور " و "كَركَمان" وغيرهما مما لم أجد له
أصلاً في الفصيح، فلقد أدرجتها في حرف "الكَاف " ، وأشرت اليها
في حرف القاف أو الجيم، محيلاً القارئ الى موضعها في حرف
"الكاف".
أما حرف الجيم الذي يقلب ياءاً عند نطقه، كقولهم : " ياعِـد"
والأصل فيه "الجاعد" ، وهو جلد الضأن بصوفه ، يؤخذ من "الجعده"
اي الشاه، و"ويعبو" وهو الجعبي، اي النمل الاسود الخشن .
فهذه الألفاظ أوردتها في مادة الجيم أذا كان أصلها جيما.
وأوردت بعضها في مادة الياء أيضاً، مثل لفظتي "جحله ويحله" و "جرجور
ويريور ... الخ ".
أما ما ورد في المعجم من أمثال شعبيه، وأشعار باللهجة العامية
فلقد كتبت معظمها حسبما يرد نطقه في الفصيح ، فلم أبرز الحروف
العامية منها، تسهيلاً للقارئ الكريم على فهم موضوع المثل ومادة
النشيد، لكن، وكما ذكرت سابقاً، فإن الغالبية العظمى من مفردات
المعجم أوردتها حسب نطقها لا حسب مادتها وأصلها لأنني إنما
تناولت لغة العوام، ولهجة الناس الدارجة، فلو انني أرجعت الالفاظ
الى مصادرها ومادتها حسب السياق المتبع في وضع المعاجم العربية
الفصيحة ، لوضعت القارئ الكريم في كثير من المعاناة عند البحث عن
معنى لفظة دارجة سمعها من القوم .
ومما ينبغي أن أشير اليه هو أنني أتخذت الأصطلاح الذي أتخذه
العلامة اللغوي المعاصر الشيخ جلال الحنفي البغدادي للامالة في
الألفاظ العراقية والكويتية الواردة في معاجمه، وهي الاماله التي
تعرض للواو والياء فجعل على كل منهما أشارة تشبه الرقم (7)
صغيراً فوق الحرف، مثل لفظة "بيت" و " بيزة" و "خوفعه" وغيرها .
وقد ابتدأت قصة جمع الألفاظ عندي حين وصلت الى هذه الأرض
المباركة، وكان ذلك في أوائل عام 1969 ، وكنت ادير شركة لحفر
آبار المياه في المياه في المناطق الصحراوية في أمارة أبوظبي ،
حيث كنت أقضي الأمسيات مع البدو في مجالسهم، وأستمتع بحديثهم
وذكرياتهم وأشعارهم وأناشيدهم، وأخذت دون قصد أُدون قوافيهم،
وأشعارهم، وأسأل عن معانيها وتفسيراتها، وأستمررت على هذا
المنوال زهاء سنه واحدة جمعت فيها اعداداً لا يستهان بها من
المفردات .
وبعدها تطلبت أعمالي الأشتغال بين أهل المدن، فتجولت كثيراً
بين مختلف مدن الامارات، حواضرها وبواديها، فرحت أسمع من ربابنه
السفن وبحارتها، وصناع المراكب، وقدامي الغاصه، وتجار اللؤلؤ،
وصيادي الأسماك، وأدون مفردات لهجاتهم ومصطلحاتهم وألفاظهم، وقمت
بزيارات خاطفه الى قرى الشحوح وأختلطت قليلاً بالعوامر، فاكتسبت
منهم ما أستطعت ان اكتسب من عاميتهم أيضاً.
وهكذا ففي الأول من شهر آذار من عام 1974 وجدت بأنني قد جمعت في
جعبتي اعداداً لا يستهان بها من مفردات لغة القوم ، فخطر لي
حينذاك ان أقوم بتصنيفها واعادة ترتيبها حسب ترتيب الحروف
الهجائية العربية، الا أن طبيعة الأعمال التي مارستها ، كانت
تحتم علي العمل لساعات طويلة ، وفي ظروف بدنية وفكرية مرهقة ،
فلم تتح لي تحت وطأة هذه الظروف الا فرص قليلة من الوقت للانصراف
الى تدوين المفردات، واضافة ما أستطيع ان أضيفه اليها من ألفاظ
التقطها من أفواه العامة من كلام وأحاديث ، أسرع الى تدوينها دون
أن اعطيها حقها من البحث والتمحيص الدقيقين .
وفي أواسط عام 1976، عرضت مجموعتي على وزارة الاعلام والثقافة
في دولة الامارات العربية المتحدة، للأسئناس برأيهم ، وعندما
وصلت المخطوطات الى الشاب الأديب الأستاذ عبيد القصير، وكان يشغل
وقتها منصب مدير الإدارة الثقافية في الوزارة ، وجدت منه تشجيعاً
كبيراً لأن أقوم بتنقيح وتدقيق وحصر واعادة توزيع ما جمعت من
مادة، تمهيداً لطبع المعجم .
فانكببت على المعاجم والقواميس العربية، أغترف من مادتها،
لأقارنها بالمادة التي عندي، وحصلت على مجموعة من قواميس اللهجات
العامية العربية الأخرى، وخاصة مجموعة الشيخ جلال الحنفي في
اللهجة العامية البغدادية، ومجموعة الألفاظ العامية الكويتية،
علاوة على بعض دواوين الشعر العامي القطري والبحريني والسعودي
وكان مما ساعدني على فهم المواد بصورة واضحة هو أني عربي من
العراق، وقد تلاقت لهجة أهل البصرة في العراق بالكثير من لهجات
الحضر وأهل البحر من أهل الامارات ، كما تلاقت لهجة البدو في
العراق بالكثير من اللهجة البدوية في الامارات أيضاً.
الا أنه ورغم ذلك كله لم يكن أمر الحصول على كل الألفاظ
ومعانيها بالسهل اليسير، حيث لم يسبق لأحد ان وضع معجماً بهذا
الخصوص، اللهم إلا ما تعرض له معالي الدكتور مانع سعيد العتيبه
في كتابه (
أقتصاديات أبوظبي قديماً وحديثاً
)، حيث دون مجموعة قليلة من الألفاظ ومعانيها تختص بالغوص،
وصناعة استخراج اللؤلؤ وتجارته .
وهذا المعجم لم يبلغ حد الكمال بعد، فما استطعت ان اجمعه من
لغة القوم لا يتجاوز سبعين بالمائة ومازالت الثلاثون الباقية في
أفواه العامة. وسيكون سروري بالغاً اذا حظي هذا المعجم بأهتمام
المعنيين بمثل هذه الدراسات، في ابداء انتقاداتهم أو ملاحظاتهم
او توجيهاتهم، لاتمام ما سقط مني أو اصلاح مازالت فيه أو فاتني
لأتداركه في طبعة ثانية او ملحق في المستقبل . فإن في هذا المصنف
وامثاله ما يحفظ التراث الشعبي القديم، خاصة وان الفرق سيكون
شاسعاً بين الجيل القديم والجيل الجديد وقد تدب آفه النسيان في
الكثير من هذا التراث الضخم كما يحدث في بعض الصناعات وأساليب
المعيشة فقد اوشكت آثارها ان تزول كحرفة استخراج اللؤلؤ وتجارته
.
وأنني أبتهل الى العلي القدير بأن أكون قد أوفيت ديناً كان
بعنقي لشعب هذه البقعة العربية الزكية، وان اكون قد قدمت كتاباً
جديداً عن قطر عربي جديد. والله ولي التوفيق .
المؤلف
فــــالح حنظــــــل