دولة الإمارات العربية المتحدة / جزيرة أبو الأبيض /  آثار الجزيرة

  أظهرت عمليات التنقيب عن الآثار التي قام بها مشروع المسح الأثري لجزر أبوظبي (آدياس) أن بداية استقرار الإنسان على جزيرة أبوالأبيض كانت منذ حوالي (7500 إلى 7000) سنة ماضية، خلال العصر الحجري، في البدايات الأولى لاستقرار الإنسان في الإمارات، ولقد تم حتى الآن التعرف على حوالي (50) موقعاً أثرياً في المنطقة مما يدل على أنها سُكنت عدة مرات متتالية أهمها في العصر الإسلامي المتأخر منذ (300-400) سنة. عندما كانت مركزاً لصناعة وصيد اللؤلؤ، ومثلها مثل باقي جزر أبوظبي فإن جزيرة أبوالأبيض كانت تسكن موسمياً خلال (7000) سنة ماضية، ويتطلب إثبات هذه الفرضية المزيد من عمليات التنقيب عن الآثار والقيام بإجراء التحاليل العلمية على الموجودات، وفي نهاية هذا الفصل يوجد قاموس جغرافي ملخص للمواقع المكتشفة حتى الآن.

  تتم عملية الكشف عن آثار وتاريخ جزيرة أبوالأبيض باستخدام تقنيتين مختلفتين جداً، الأولى وهي المسوحات الأثرية إضافة إلى اكتشاف وتحليل الموجودات وهي الطريقة التي تم بها توفير أكثر المعلومات عن ما هو موجود على الأرض، أما التقنية الثانية فهي استكمال ذلك بواسطة فحص البيانات التاريخية الموجودة في الكتب القديمة ومقتنيات السلطات الأوروبية التي جاء بحارتها إلى المنطقة منذ القرن السادس عشر فصاعداً.

  اكتشف مشروع المسح الأثري لجزر أبوظبي أحدث مرجع تاريخي معترف به لأبو الأبيض، يعود إلى عشرينيات القرن التاسع عشر، ويتحدث عن عمليات المسح المائي التي قام بها مساحون لصالح شركة الهند الشرقية الانكليزية المتحدة والمكتب الهيدروغرافي للبحرية الملكية البريطانية في الفترة الواقعة بين عامي (1820-1823م). وقد كتب كابتن جورج بارنز بروكس من البحرية الهندية وصفاً عن الجزيرة وخور البززم المجاور لها نُشر بعد وفاته في عام 1856م ولكن مرتكزاً على ملاحظات تم إعدادها  في عشرينيات القرن التاسع عشر وذلك كما يلي (بروكس 1856).

   وظهرت الجزيرة باسم بليارد على خريطة أصدرها جيمس هورسبيرغ  سنة 1832 ميلادية، وكان يعمل هيدروجرافياً (علم وف المياه) في شركة الهند الشرقية، واستند في إعدادها على مسح قام به بروكس وأصحابه من الشركة البحرية الموقرة. شركة بحرية الهند الشرقية الانكليزية المتحدة، وفي الخريطة التي أعدها عام 1830م، وفي الوصف المذكور سابقاً ، أطلق بروكس اسم جزر شركة الهند الشرقية على مجموعة الجزر الممتدة من جنانه غربي أبوالأبيض مباشرة وحتى البزم الغربي، فيما اشتملت خريطة هورنسبيرغ اللاحقة على أبوالأبيض ضمن مجموعة الجزر. ولم ينجح ذلك الاسم الأجنبي في البقاء. وبالرغم من ظهوره على الخرائط البريطانية حتى بداية القرن العشرين إلا أنه لم يستعمل محلياً قط، وتم نسيانه تماماً.

  وخلال العصور الجليدية الشديدة، كان المناخ في دولة الإمارات العربية المتحدة على خلاف ما هو عليه الآن. ولقد دلت الدراسات الجيولوجية والجيومورفولوجية على أنه خلال العصر الحجري القديم الذي بدأ منذ (250) ألف سنة  كان مناخ الإمارات حاراً جداً وقاحلاً وذا رياح قوية. ولقد وصف أحد علماء الآثار وهو دان بوتس من جامعة سدني (أستراليا) الحياة في الإمارات في أواخر العصر الجليدي مثل "من يذهب بنزهة في عاصمة رملية تستمر معظم أيام السنة" (بوتس 1998أ). ولا نستغرب عدم وجود دلائل حتى الآن. على استقرار الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة في تلك الفترة، بالرغم من أن بعض الأدوات الحجرية المستعملة تم التعرف عليها في المناطق الصحراوية شمالي السعودية.

  وخلال العصر الجليدي، أدى توسع أطراف القطب الجليدي إلى انخفاض منسوب مياه المحيطات. الأمر الذي نتصور معه أن الخليج العربي ربما كان في ذلك الوقت مجرد حوض نهري، يخترقه نهري دجلة والفرات، إلى مضيق هرمز ليصبان مباشرة في المحيط الهندي.

  وفي ذروة العصر الجليدي الأخير ما بين 21.000-إلى 18.000 سنة ماضية، تراجع مستوى مياه المحيطات إلى حوالي 120 متراً تحت مستويات البحر الحالية (تيلر وآخرون 2000م). وفي تلك الأثناء ربما كانت أبوالأبيض منطقة مرتفعة تطل من الشمال على وادي الخليج العربي، وتطل من الجنوب على وادٍ ضيقٍ جداً تمثله الآن قناة خور البزم التي تفصله عن الأراضي الرئيسية لأبوظبي.

  وحينما بدأ الجليد في الذوبان في أواخر العصر الجليدي، بدأ مستوى مياه المحيطات في الارتفاع مرة أخرى مما أدى إلى غمر وادي الخليج العربي. ووفقاً للدراسات الجيولوجية، فإن الحقبة التي شهدت أكثر فترات الفيضان سرعة ربما كانت في الفترة الواقعة حوالي 12.000 إلى 8.000 سنة ماضية (10.000 إلى 6.000 ق.م). وبينما وصل مستوى سطح البحر من متر إلى 3 أمتار فوق المستوى الحالي، في الفترة من 4.000-إلى 2.000 سنة ق.م (تيلر وآخرون 2000)، يتصور أن تكون أبوالأبيض في تلك المرحلة، قد أصبحت جزيرة، وذلك مع وجود افتراض بأنها ربما كانت لا تزال تتصل باليابسة حتى 5.000 سنة قبل الميلاد (جراهام إيفانز، تعقيبات شخصية أغسطس 2000.

المسح الأثري للجزيرة

   وتدل دراسة الآثار في الإمارات العربية المتحدة والمناطق الشرقية للجزيرة العربية على أن الإنسان ربما وصل هذه المنطقة منذ 8.000 سنة ماضية، أي في عام 6.000 قبل الميلاد تقريباً. كما تدل دراسات تبدل المناخ في المنطقة على أن تلك الفترة تزامنت مع ما وُصف بـ "جو الدرجة المُثلى" أو "مرحلة عصر الرطوبة". حيث كان  سقوط الأمطار أكثر ونتيجة لذلك كان وجود الحيوانات والنباتات أكثر في المناطق الصحراوية وكان يتم اصطيادها أو جمعها للغذاء.

  إن المناطق المنخفضة التي تشكل الآن الخليج العربي، كانت أكثر جاذبية للمستوطنين الأوائل، وأقدم دليل على وجود الإنسان في الإمارات قد يكون كامناً أسفل البحر.

  وبارتفاع مستوى منسوب مياه الخليج، ربما كان سكان المناطق المنخفضة التي هي الآن تحت البحر، قد اضطروا إلى التراجع إلى الأرض المرتفعة. ولقد قدر معدل تقدم تقلبات البحر بحوالي 1.5 كم في العام. وهو معدل كاف بالتأكيد لدفع سكان الشواطئ إلى التراجع إلى الداخل. ولقد افترض أن الذكريات القديمة جداُ عن تلك الفترة من أن الارتفاع السريع في مستويات البحر قد تكون أصل قصة سفينة نوح عليه السلام وقصة قلقاميش من العهد البابلي.

  وبما أنه من المستحيل طبعاً تأكيد هذه الفرضية. فإن أولى الاكتشافات الأثرية في جزيرة أبوظبي, بما فيها أبوالأبيض، تشير إلى أن استيطان الجزر بدأ  في الفترة الواقعة بين 5.500إلى 5.000 سنة قبل الميلاد، وهذا يتزامن مع أحد المراحل الرئيسية لفيضان الخليج من جديد، وقد تم تحديد أقدم موقع لوجود الإنسان في الإمارات العربية المتحدة، في جزيرة مروّح إلى الغرب من أبوالأبيض، وتم تأريخ الموقع من خلال تحديد تاريخ فحم المواقد التي كانت تستخدم آنذاك، إلى حوالي 5.500 قبل الميلاد. ويوجد الموقع على لسان صخري بارز حيث وجدت مئات الأدوات الصوانية والفخاريات التي كان يتم استيرادها من الحضارة العبيدية لبلاد ما بين النهرين.

  وإلى الغرب. قام فريق مشروع المسح الأثري لجزر أبوظبي، باكتشاف قرية من نفس الفترة وبها نفس الأواني الفخارية المستوردة من بلاد ما بين النهرين. وذلك في موقع على جزيرة دلما. ومع أن جزيرة مروّح مثل أبوالأبيض، ربما ما تزال متصلة باليابسة في ذلك الزمان ، فإن جزيرة دلما قد انفصلت عن اليابسة نتيجة لارتفاع مستويات البحر . وتمثل المستوطنة هناك الدليل الأول على التجارة البحرية التي تشكل جزءاً هاماً من تراث شعب الإمارات .

  وتشير أقدم الدلائل إلى وجود الإنسان على أبوالأبيض إلى حوالي 7.000 سنة ماضية. وخلال أعمال المسح الأثري في بداية عام 2001م، عثر فريق من مشروع المسح الأثري لجزر أبوظبي على موقع صغير على الشاطئ الشمالي للجزيرة .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية