حفل الزفاف

    غدا حفل الزفاف، ولكن ليس هذا ما يهمها أو يشغل بالها الآن .. هناك أمر آخر ، رائع رغم أنه لا يعلم به أحد منهم.. شيء سرى في قلبها، لن يصل إليه مخلوق .. أسابيع انقضت على تركها للعمل، هجرته خوفاً من محنة أشد، لا تخشى شيئاً في حياتها كما تخشى الحب ‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.. قرأت عنه الكثير ، تابعت كثيراً من الأفلام.. البارحة تابعت فيلماً فرنسياً قديماً، كان مؤثراً بالرغم من أنها لم تفهم إلا القليل من الكلمات، ولكن الإيماءات والمشاعر الإنسانية فيه كانت تنحدر بها لتنتفض في انتحاب طويل، ولكنها لم تفعل، فقط اكتفت بإكمال الفيلم بعيون مضاءة  كإشارات المرور.. وكانت تراه داخل رأسها متقداً في مكمنه، يشيع خوفاً عظيماً وجنونا مشدود الوتر

     في قلبها.. وتحس أنها هي تلك البطلة، وهو ذلك البطل. . تستدعيه من المخيلة ويعذبهما الواقع في فيلم مصور، ثم تبتلع غصتها لأن التقاءهما مستحيل؛ فليس لها طاقة باقتحام سلك القوانين الاجتماعية الشائك بالزواج منه.. لا تريد أن تحترق كالشيطان الرجيم ؛ لذلك هرب منها العمل ومشاريع الاستقلال.. تبتلع ريقها وتهمس لنفسها:

لست إلا حمامة ضعيفة .. لا حل لهذه القضية

  تسعة أسابيع مضت ومشاعرها تجاهه ليست إلا في ازدياد .. ما العمل ؟ ..إلى أين تفر ؟؟.. قررت ترك العمل في الأسبوع الثالث، وتقدم رجل لخطبتها بعد ثلاثة أسابيع فوافقت، قال إنه على عجلة من أمره فهو على أهبة السفر، فقالت : هكذا أفضل..

   ولكن خربشة القطط ما كفت عن إدماء مشاعرها .. لماذا المشاعر مسعورة إلى هذا الحد .. الحمدلله أنها عاقلة، ومهما أغرقتها حمم الجنون فإنها ستخمد داخل حصون نفسها رماداً ضائع الصرخات ... هذه هي قواعد لعبة الموت الصامتة في عالم الأحياء ميتي القلوب .. لا تفهم لماذا هي منقادة برضى البهائم دون أن تفكر حتى في مجرد إبداء رأيها وإعلان سرها.. ليس المجتمع هو مانعها الأول، هناك جوهر يبقيها عند الحد الذي تقف عنده .. ربما نزعة دينية وأخلاقية أكثر من كونها مجتمعية.. إنها أبداً لا تسير على نهج ما وجدنا عليه آباءنا ..

   يوم قال لها أنها لطيفة .. وجميلة، أصابها ذهول ، وظلت تنظر في وجهها كلما مرت بنافذة أو بسطح عاكس بينما تتساءل: أين هذا الجمال؟.. إنني عادية الشكل !

  يوم سألها عن اسمها، تلفظت به ببساطة، ذلك كان أول يوم عمل لها معه في القسم، حتى هذه اللحظة لا تذكر اسمه، لأنها كانت تسرح بعيداً، إلى عالم يتجاوز عينيه، يخترقهما يتجاوز الجدران ، ويعبر طبقة الأوزون، ثم يتابع تحليقه إلى اللانهاية قاطعاً ملايين السنين الضوئية، كلما لفظ اسمه لها أو سمعت أحداً يناديه.. هكذا يظل دون اسم، ولكنه يعرج في القلب، ربما لأنه أول من قال أنها مرحة!.. ربما لأنه أول من قال لها ذلك بصدق لم تألفه حتى في بيتها وبين أهلها .. ربما لأنها اكتشفت أنه يقرأ كما تفعل هي- بلا حدود .. يقرأ الكثير من الأدب والعلوم والفكر و .. في آخر أسبوع عملها الثالث اكتشفا هذه القرابة، كان الحديث عذباً، خانتها الذاكرة المثقوبة، فلم تعد تذكر كيف بدأ ذلك الحديث!.. انطلقا من نسبية آينشتاين، وطاف بهما أندريه جيد استوقفهما نجيب محفوظ وتنزها مع أرسطو.. ثم امتزجت بهما الآراء إلى أن قال لها : أحبك

  فصمتت مبحرة عنه إلى اللانهاية .. ثم أفاقت من غيبوبتها فأحست بالوجل إذ وجدته ما يزال يرسمها في مآقيه الزجاجية.. احمر وجهها، وأحست بوخز في روحها وودت لو ماتت قبل هذا وكانت نسيا منسيا، ثم استغاثت بساعة الحائط فشكرتها قائلة: مع السلامة، لقد أزف وقت الدوام .

  وخرجت بينما أسئلته وحنينه الصامتان يشيعانها ..

   يومها صامت عن الحياة، وما شربت إلا دموعها المحترقة.. بعد أن أقفلت غرفتها ذلك اليوم، احتضنتها حمى المشاعر، ونامت دون أن تدري.. فرأته يسير معها في أرض عظيمة الاخضرار، يبتسم لها ويناجيها، ثم يلثمها.. قبضت على يديه وضغطت صدرها بصدره فأشعا معاً إلى أن ذاب كل منهما في الآخر .. ولكن ضربات أمها على الباب أيقظتها عصراً، فدمع حلقها الجاف.. العطش: لقد انتهى كل شيء..

  ثم قالت في اجتماع الأسرة المسائي: لن أعمل بعد الآن .. ناقشوها .. ناكفوها.. تشاجروا معها.. لم تنبس بحركة، كانت تحس أنها خالية من العظام.. أو ربما من الروح، قلبها كان الوحيد الذي لا يزال يضخ.. في النهاية تركوها وشأنها.. حتى أمها يئست منها .. ثم دون إذن مسبق جاء عريس الغفلة.. لم تكن سعيدة أبداً عندما زغردت أمها بعبارات أوحت لها بأن نهاية العالم قد أوشكت أخيراً، امتقع لونها بالنبأ العظيم في البداية، وأحست أن كل شيء خانها في هذه الحياة.. كرهت كل الناس في تلك اللحظة إلا هو .. لجمها الغضب فصرخ باطنها برفض مزلزل.. ثم في غفوة الليل همست لنفسها: ليته كان مواطنا .. ليته

   أيقظها نحيب الرعد في تلك الليلة، فقامت تتلصص على اشتعال المطر من بين الستائر، لا تعلم كم بقيت واقفة ولكن نشيج المزاريب أيقظها من إبحار عينيها في اللانهاية ..

  مضت استعدادات العرس دون أن تدري بذلك .. والتقت بزوج المستقبل دون أن تحس به.. كلحظة انطفأ الأسبوع التاسع.. أيمكن أن يخبو شعورها تجاهه؟، ذلك الرجل الذي لم يمكنها أن تحفظ اسمه.. أيكون لها أبناء وزوج .. حياة جديدة ومشاغل؟.. درب طويل من المسؤوليات والهموم يلهيها عن شعورها الفريد نحوه.. أحقا ستنساه؟.. إنه يبتعد عنها لحظة بعد أخرى؛ وكل ذلك لأنها عاقلة .. جبانة!.. الهاتف يرن ، يتبعه نداء أختها:

  يقول أنه كان زميلك في العمل !

  إنه هو .. تتناول سماعة الهاتف .. يجف حلقها فجأة : ترى هل عرف؟.. تسرح بذهول وتتمتم:- ألو.

مريم المرّي

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية

عند النسخ من الشبكة وإدراج الموضوع في احد المنتديات فيجب الإشارة إلى ان الموضوع منقول من شبكة الرحال الإماراتية