في تمام الساعة العاشرة انطلقت بهم السيارة ، إنه ثالث أيام
العيد، ومن خلال النافذة بدت أشعة الشمس ذهبية ونورها يتخلل
البيوت والطرق والمارة وأمينة تصغي إلى أم كلثوم وتتطلع إلى
الخارج: ( يا فؤادي لا تسل أين الهوى .. كان صرحاً من خيال، فهوى
..)، وسألت نفسها: ( أيكون لهذا العالم الجميل المتراقص عبر
النافذة وجه آخر تعيس ملئ بصرخات المعذبين وندوب الجرحى، أيمكن
أن يخبو كل هذا الشعور الغامر المزقزق بالفرح من كل شيء؟..).
يأتيها صوت أم كلثوم مرة أخرى: ( اسقني واشرب على أطلاله وارو
عني طالما الدمع روى .. كيف ذاك الحب أمسى خبرا، وحديثا من
أحاديث الجوى.. )، وتحس إثر ذلك بقطرات من الحزن ترشح عبر فرحتها
؛ فتخفض صوت اللحن المتدفق عبر سماعتي جهاز التسجيل، وتتطلع إلى
أسرتها وقد انتوت مشاركتهم أحاديثهم عندما سمعت أمها تشير إلى
سيارة :
هذه تعجبني .. شكلها جميل..
فيرد أخوها باهتمام بالغ يصيبها بالملل:
هذه ( بافندر).. نظام دفعها الرباعي متميز بالإضافة لشكلها
الجميل .
فيعلق الأب: ولكن قوتها متدنية بالنسبة لمنافساتها..
…
وتنسى أمينة نيتها الأولى؛ فليس فيما يقال عن السيارات ما يحرك
أدنى شعور بالحياة عندها، وحولت بصرها إلى الخارج فلمحت سيارة
صغيرة صفراء أشبه بعلبة صفيح منها بسيارة ، فأشارت إليها:
وما رأيكم بهذه الصفراء؟..
هذه سيارة هندية الصنع ..
إنها رخيصة جداً..
.. ولكنها تعيش طويلاً.. عشر سنوات تقريباً.. ربما أكثر عشرين أو
ثلاثين عاماً..
ومن يريد سيارة أثرية كهذه ؟..
وتعالت ضحكاتهم الهازئة، بينما راحت أمينة ترمق السيارة الصفراء
المبتعدة بحب، لن تجد مهما بحثت عن وفاء وصبر بهذه الغزارة كما
هو في هذه الصفيحة، ويتسلل غناء أم كلثوم إليها جذاباً منخفضاً
هذه المرة: ( لست أنساك…)،
فتندفع دون شعور نحو دفترها، ويدور قلمها الخشبي دوراته الخفيفة
الراقصة فيمسح الغبار عن الورقة النائمة .. هاهي السيارة الهندية
تتضح ملامحها…
... وأخيرا تناديها الزرقة، وتهتف أم كلثوم : (أعطني حريتي
أطلق يديّا ... آه من قيدك أدمى معصمي..) ،
وتفتح أمينة النافذة وتلتحم بلوحة الطبيعة الخارجية.. وتهمس بفرح
وانتعاش: البحر ...
وينزلون أخيرا، ويتناولن الغداء ويتمشون ويمرحون قرب الأمواج،
وتكاد تطير من السعادة، وتلحق بهم منتشية فتتعثر وتكاد تهوي على
وجهها وقد اقتربت منهم وهم لا يكفون عن الحديث عن المشاريع
التجارية، وتخنقها رائحة الشوائب النفطية وتكاد تهمس:
إنه العيد ..
ومضت معهم، مثقلة بالحزن والضجر، كل واحد منهم يرجو أن يدير
مشروعاً وهي ترقب انعكاس الشمس على الساحل الذهبي بدهشة وتتخيل
نفسها سائرة على سطحه المذهل وتنطلق مسرعة وتجننها الفكرة فتبلغ
الشمس و ...
فجأة تغرق في منتصف المحيط إذ يسألونها :
ما رأيك في صالة الألعاب الإلكترونية ؟..
كلا، اسمعي مني، ما رأيك أن نتشارك ونفتح محلا لألبسة الأطفال؟
هاهي
من جديد تختفي عبر حجب كثيفة من التخيلات والأفكار، ويأسرها سرب
محلق في عمق الفضاء الأزرق، فينبض قلبها بالحياة ويهمس لها
مكرراً: من ينظر إلى السماء .. الحرية
…
ولكن سؤاله يباغتها:
هل تعتقدين أن فكرة صالة الألعاب فاشلة؟..
لست أدري !..
ما جدوى أن تدرسي الإدارة والاقتصاد إذن ؟..
لست أدري!..
أنت الآن في السنة الثالثة .. ما هذه الردود التائهة؟..
…
ويتكرر سؤاله بينما يرقبها البحر الحزين
بحيرة وخوف، والقلم الخشبي يدور على الورقة مشفقا على مدينة تهم
أمواج البحر العظيمة بابتلاعها فيغمرها الصوت الرخيم المشفق
المترع بالرجاء والحنين: ( اعطني حريتي
…آه
من قيدك
…
) .
مريم المّري