سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان / بقوة الاتحاد ـ القائد والدولة / عربي من الصحراء

 ظلت قبيلة بني ياس تمثل أقوى تجمع قبلي في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية وكان يتزعمها على الدوام آل بوفلاح ونسلهم من آل نهيان

خلال قرن تحول العرب إلى أمة مستقرة إلى حد كبير، غير أن صلات القبيلة والإرث المشترك لم تضعف إطلاقاً

 يمثل كتاب (بقوة الاتحاد ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ القائد والدولة) نقلة نوعية في تناول أدوار الزعماء والقادة الذين صنعوا أحداث التاريخ لجهة التأكيد على الخصوصية بمختلف أبعادها ( التاريخية والدينية والثقافية والمجتمعية إضافة إلى القبلية) ضمن رؤية علمية غير غارقة في التبجيل ولا التعظيم ، ولكنها في الوقت ذاته معترفة ومشاركة ومقدرة عبر عمل بحثي علمي موثق لأفعال ومواقف المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان ''رحمه الله''، خصوصا عمله الوحدوي المتعلق بقيام دولة الإمارات وبمشاركة واعية من إخوانه حكام الإمارات لقد بدأ هذا الكتاب فكرة ثم تحول إلى مشروع وهو بين أيدينا اليوم مرجع ـ لا غنى عنه ـ للباحثين والمؤرخين والسياسيين والكتاب، بل لكل القراء والمحبين للقائد الراحل الذي شكل علامة دالة ومميزة في تاريخنا المحلي والخليجي والعربي والإسلامي والعالمي أيضا ، ومن هنا جاءت طبعته الإنجليزية حتى لا يظل الكتاب حكرا على القارئ العربي ، لأن الشيخ زايد قائد عالمي، وهذا نجده موثقا وباعتراف واضح من زعماء العالم ومؤرخيه ، لذلك فهو لا يكتفي بالحديث عن الماضي والحاضر،إنما يتجه صوب المستقبل، وهذا يدفعني إلى اعتباره ''كتاب الأجيال'' ·
 من ناحية أخرى فإن أهمية الكتاب جاءت واضحة في تقديم '' الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي'' إذ أبدى سموه تحمسا لفكرة الكتاب حين عرضها عليه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، حيث كتب : ''تحمست للموضوع كثيرا ، ويعود ذلك لعدة أسباب أولها: إن الرؤية التي طرحت علي كانت رؤية جديدة تتبنى منهجا علميا موضوعيا وجادا في كتابة سيرة حياة الوالد القائد، مما سيميز هذا الكتاب عن غيره من السير الذاتية الأكثر شيوعا، كما سيعتمد المعايير الأكاديمية الموضوعية والمنهجية العلمية من أجل تقديم رصد موثوق لحياة الشيخ'' زايد'' وإنجازاته، ذلك القائد الذي امتزج تاريخه بوطنه الذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في انتقاله من مجرد فكرة إلى حقيقة واقعة ننعم بها جميعا''·· كما أضاف في التقديم نفسه : ''يمثل هذا الكتاب بحق مساهمة تأتي أهميتها من واقع تركيزها على قضية الوحدة التي طالما شغلت المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد ـ رحمه الله- ـ ، كما يبين الكتاب التفكير السياسي عند الشيخ زايد ، وما يتصف به من حذق ووضوح ، وهو الأمر الذي يستشف من كلماته وحديثه ، وكذلك في كلمات معاصريه الذين عبروا عن رأيهم فيه حينئذ لتبقى آراؤهم حبيسة الأرشيف سنوات عديدة'' ، وأحسب أن هذا الكتاب قد تميز بالفعل عن الكتب السابقة عنه بالمعلومات الموثقة، وبإتباع المنهج العلمي والتحليل ، وبذلك ثبت صدق رؤية ''الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي".

 يقع الكتاب الذي بين أيدينا في ثلاثة أبواب حمل الأول عنوان '' التراث '' وفيه جاء الحديث ـ ضمن ثلاثة فصول ـ عن القبيلـــة العربيــة و''عصر عاصف'' وممثل حاكم العين، في حين حمل الباب الثاني عنوان ''التحول ''، واشتمل علي ثلاثة فصول أيضا وهي حتمية التغيير ومبايعة حاكم جديد وبناء أبوظبي جديدة ، أما الباب الثالث والأخير فقد حمل عنوان ''الاتحاد''، واشتمل على أربعة فصول هي : مولد دولة ، وبناء الدولة، والدفاع عن الدولة والمحافظة على منجزاتها ،و'' بقوة الاتحاد'' ،وللعلم فإن الكتاب من إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، المعروف بدراساته وبحوثه المتميزة ·
 يأتي عرض'' بقوة الاتحاد '' في ست حلقات وفقا لطريقتها الخاصة في عرض الكتب ، معتمدة على التركيز مع الإيجاز، وتقتضي الأمانة قبل بدء العرض توضيح ثلاث مسائل أساسية، أولها: إن هذا العرض لن يكون بديلا بأي حال من الأحوال عن قراءة الكتاب كاملا، وثانيها: تبعا للقضية الأولى فإن العرض تم بتصرف مراعيا في ذلك المساحة المتاحة ومتطلبات القارئ ، ما يعني ضرورة العودة إلى الكتاب، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم عرض الوثائق والهوامش وهي من الأهمية بمكان ، وهذا بسبب خضوع العرض لمتطلبات النشر في الجريدة ، وثالثها: إن ما يقدم في هـــذه الحلقات هو مجرد اختصار ـ مبررـ للأفكار الكبرى التي يحتويها هذا الكتاب، وبما انه كتاب أجيال ـ كما ذكرت في البداية - فمن الضروري تداوله ووجوده في كل المكتبات العامة والخاصة، بعــــد أن تبين لنا ـ وسيدرك القارئ الكريم بالعودة إليه ـ أنه يكشف عن كــثير من القضايا والمواقف الخاصة بالقائد الراحل، ويجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة على مختلف الصعد التاريخية والسياسية والقبلية والحضارية، وفي ذلك فليسع كل منا إلى الحكمة عله يحصل عليها، ومن فعل ذلك فقد أوتي خيرا كثيرا، خير للأجيال الراهنة والمستقبلية، وفي ذلك تأكيد وتفعيل واستمرارية وتذكير بأفعال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد (رحمه الله).

 في تشرين الثاني من نوفمبر 1968 بعث القنصل العام الأميركي في الظهران بالمملكة العربية السعودية لي دينزمور Lee Dinsmore تقريراً سرياً إلى واشنطن عن أول لقاء جمعه بالحاكم الشاب الجديد لإمارة أبوظبي سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عبر فيه عن إعجابه الشديد بذكائه المتقد، وأسلوبه المشوق في الحديث وحصافته السياسية الواضحة.

 وأشار القنصل العام في تقريره إلى أن ''··· زايد يعتبر··· بكل موضوعية رجلاً ذا قوة يحسب لها ألف حساب، بفضل ذكائه وثرائه، ورغبته في تسخير هذه الثروة لخدمة مواطنيه منبّهاً على أنه من الصعب عليه أن يكون موضوعياً وقد أسرته شخصية حاكم أبوظبي· وأضاف دينزمور قائلاً: ''إن حاكم أبوظبي الشيخ زايد رجل مفعم بالحيوية، قادر على اجتذاب مستمعيه بحديثه المشوق الذي يستخدم فيه إيماءاته وتعبيرات وجهه ببراعة، ويورد دائماً قصصاً ومواقف حدثت بالفعل ليشرح فكرته ويؤيدها''· غير أن القنصل العام أكد في برقيته الموجزة على جانب معين أكثر من غيره في شخصية الشيخ زايد، حين قال في مطلع تقريره: إن هذا الرجل ''يعيش الحياة البسيطة لشيخ من شيوخ الصحراء''، كما أكد أن آخرين ممن يثق بصواب رأيهم قد أخبروه أن ''زايد عربي من الصحراء يتصف بالكفاءة والقوة والصراحة''·
 بالنسبة إلى القنصل دينزمور ورؤسائه في وزارة الخارجية الأميركية فإن وجود شيخ ''من عرب الصحراء''، يعيش حياته ـ مثلما يفعل الشيخ زايد ـ بين أفراد شعبه، يقاسمهم الظروف الصعبة السائدة في الصحراء العربية، إنما يعني أنه اكتسب بمرور الوقت شخصية من نوع فريد، جديرة بالاحترام، وذات قوة يُشار إليها· وكانت عبارة ''عربي من الصحراء'' تجسيداً يختزل كل تلك الصفات، لذا نتعرف في هذا الفصل ما تعنيه حياة ''عرب الصحراء'' وأثر البيئة والمجتمع القبلي في تكوين شخصية الشيخ زايد التي بهرت القنصل العام الأميركي.

السلالة .. وخصائص الأرض

 في عام 1863 أي قبل أكثر من قرن من إرسال دينزمور تقريره آنف الذكر، رصد المبعوث البريطاني المقدم لويس بيلي Lewis Pelly انطباعاته عن زيارته إلى منطقة الخليج العربي، ولم يكن المقدم بيلي خيالياً في انطباعاته، غير أن سمات لافتة للنظر في شعوب الخليج العربي استرعت انتباهه فكتب يقول:
 ''ما ان تلتقي هؤلاء العرب حتى تفهم كيف استطاعوا أن يفتحوا العالم ذات يوم، وقد تتركهم وأنت مقتنع بأنهم مازالوا يملكون الخصائص والسجايا التي يمكن أن تعيد إليهم صيتهم مرة أخرى إذا ما تحققت الظروف الملائمة··· لقد غادرت هؤلاء العرب وقد انطبع في ذهني أن فضائلهم ونقائصهم، وعاداتهم، وأخلاقهم، ونظام حكمهم، قد تشكلت جميعاً وإلى حد بعيد نتيجة للظروف الطبيعية والأحداث التي كانت تطرأ من حين إلى آخر· إن المرء الذي يجد نفسه مجبراً على العيش في الصحراء لا يمكن أن يشبه نفسه بآخر ينحدر من سلالة بدوية أصيلة، تفتحت عيناه على الحياة ليجد نفسه في أحضان البادية بكل سخائها وثرائها.

 وخلص المبعـوث البريطـاني إلى النتيجة نفسها التي توصل إليها دينزمور بعد مضي قرن من بعده، بإبداء ملاحظة حول سمات الحياة في الصحراء حيث قال: ''··· وكما شكلت الظروف الطبيعية خصائص الأرض، كان لها دورها أيضاً في صياغة عقلية الإنسان''، اعتذر المقدم بيلي لمستمعيه عما ''بدا وكأنه استطراد'' في هذا الجانب، إذ إن ما كان ينبغي عليه أن يفعله هو مناقشة التجارة في الخليج، لكنه أدرك أن البيئة وخصائص الشعب قضيتان مهمتان· كما أنه لاحظ للوهلة الأولى عاملين مهمين درجت الأجيال اللاحقة على تجاهلهما؛ أولهما أنه استقر في وعيه أن الحديث عن ''العرب'' بعمومية أو باعتبارهم شخصية منسجمة أمر خادع، فقد اعتبر بيلي أنه على الرغم من وجود بعض الخصائص المشتركة في المجتمعات العربية، فإن هناك بعض الصفات الخاصة التي أفرزها التفاعل مع بيئة معينة· وثانياً، اكتشف بيلي في العرب الذين التقى بهم قدرتهم على التميز، خاصة في ظل السمات الكامنة في المجتمع الذي شكل ثقافتهم· أما الذي يجمع بين الفهم الذي توصل إليه القنصل العام الأميركي دينزمور وذلك الذي أدركه المبعوث البريطاني بيلي فهو أنهما تجاوزا في نظرتهما الرؤى النمطية عن ''العرب'' لينفذا إلى تفهم جوانب القوة والقدرات الكامنة فيهم· ويرتبط هذا الجانب على نحو مباشر بأي محاولة لتفهم شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

 وقد يكون من السذاجة إلى حد بعيد أن نصفه بأنه يجسد ثقافته وبيئته فقط، فالقادة والزعماء يتميزون عن الآخرين بسمات خاصة، ومع ذلك لابد من تحليل البيئة الطبيعية والخلفية التاريخية والاجتماعية التي نشأ فيها الشيخ زايد، بالأسلوب الذي طرحه بيلي من قبل، لكي نتفهم العناصر الأساسية المؤثرة في تكوين شخصيته.

الصحراء ... وقيم الحرية

 تتسم الثقافة التي نشأ المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد في ظلها بجذور راسخة في الأعراف القبلية· ولكي يتفهم غير العرب المعنى المراد بالقبيلة في شرقي شبه الجزيرة العربية عليهم أولاً أن يتخلصوا من أفكارهم المسبقة عنها؛ فالغربيون على وجه التحديد مازالوا يعتبرون القبيلة والقبلية مرحلة بدائية في رحلة التحول نحو تشكيل الدولة القومية الحديثة· وكان العديد من المسؤولين البريطانيين الذين وفدوا على منطقة الخليج العربي قد جلبوا معهم تصوراتهم المسبقة، مما جعلهم يرون القبائل العربية على غير حقيقتها، بل يعتبرونها أسلوب حياة من الماضي· فالقبلية في شبه الجزيرة العربية رابطة إيجابية، تمنح القوة والتماسك الاجتماعي· وحسب ما ذكر دينزمور فإن الذي جعل الشيخ زايد قائداً ''يتصف بالكفاءة'' هو - على وجه التحديد - تلك القيم المترسخة في القبيلة، وهي الصفات التي مكّنته فيما بعد من أن يقود بوتيرة متسارعة دولة حديثة النشأة نحو عالم جديد تسوده التقنية والابتكارات· وعلى يد الشيخ زايد أثبتت ثقافة القبيلة أنها قابلة للتكيف مع محيطها ومرنة بالقدر الذي يمكّنها من التعامل مع التغيرات الجديدة· وبدلاً من أن تكون ثقافة القبيلة عقبة أمام عملية التحديث، فقد كانت هذه الثقافة المرتكز الأساسي الذي مكَّن شعوب منطقة الخليج العربي من استيعاب وتقبل التطور الجديد الذي حدث خلال جيل واحد·

 في الظروف البيئية الصحراوية القاسية ينمو إحساس الفرد بذاته، ويتزايد تقدير قيم الحرية والاستقلال الذاتي· غير أن السعي من أجل البقاء قد عوَّدهم في الوقت نفسه أن يتعاونوا ويتكاتفوا، ويعملوا متَّحدين في جماعات كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، كما أن هؤلاء الرجال الذين يقدرون قيمة الحرية يطيعون زعيمهم الذي ينال احترامهم· إن الصلات التي جمعتهم وربطتهم معاً كامنةٌ غير ملموسة، وليس في وسع البدوي أن يدعي أنه يتحكم في بدوي آخر، وتقوم روابط الاتحاد على عهود ومواثيق طوعية يحافظ عليها أطرافها ملتزمين بمبدأ الشرف وصدق الكلمة الذي يشكل مقوماً أساسياً في كل جانب من جوانب ثقافتهم· لقد تشكل مجتمعهم من تفاعل ثلاثة عناصر منفصلة ولكنها متشابكة: أولها طبيعة المكان وهي البيئة الطبيعية التي حددت أبعاد عالمهم، وثانيها البنية السياسية التي تنتظم من خلالها حياتهم الاجتماعية والمتمثلة في القبيلة والزعامة القبلية، أما الثالثة فهي البنية الأخلاقية التي ربطت بينهم، والتي تتمثل إلى حد بعيد في مبدأ الشرف الذي يلتزم بجوهره كل البدو· وتشكل هذه العناصر الثلاثة موضوع هذا الفصل، إذ أسهم كل منها في تكوين شخصية ''عرب الصحراء''· كما أنها تشكل المرتكزات الكامنة في أعماق شخصية الشيخ زايد.

عند سفح جبال الحجر الغربي

فقد زار المنطقة جيه· بي· كيلي J. B. Kelly وهو كاتب أكثر معاصرة عرف أبوظبي في الأيام الأولى من حكم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ ، ليعطي وصفاً عاماً لهذه المنطقة قائلاً:

 ''ذلك الجزء من شبه الجزيرة العربية··· هو في معظمه صحراء مقفرة تغطيها الكثبان الرملية، والمسطحات الملحية، والسهول المغطاة بالحصى· وعموماً فهي تتكون من بقعة ساحلية بها سلسلة من الجزر التي تبعد عن سواحلها، ومنطقة صحراوية بعيدة عن الساحل· تبدأ هذه الجزر بمحاذاة ساحل قطر وتنتهي إلى الشمال الشرقي من مدينة أبوظبي، والتي تقع هي نفسها على جزيرة· أما البقعة الساحلية فهي عبارة عن سلسلة من السهول الرملية والأراضي المغطاة بطبقة من الحصى وتتناثر فيها السبخات (أو المسطـَّحات الملحية) التي تمتد من أسفل قطر نحو الشرق باتجاه أبوظبي، ومن ثم تتجه نحو الشمال الشرقي لتمتد إلى ما وراء رأس الخيمة، وهي الإمارة التي تقع في أقصى الشمال من الإمارات المتصالحة، وتنفذ إلى البحر بسبب الجروف الصخرية الهائلة في شبه جزيرة مسندم، والتي تشكل بدورها نتوءاً يتغلغل في المدخل المؤدي إلى الخليج العربي· أما الصحراء الواقعة بعيداً عن الساحل فتغلب عليها الكثبان الرملية، والتي يكبر حجمها تدريجياً كلما اقتربنا من الربع الخالي· وتضم المنطقة واحتين كبيرتين نسبياً، هما واحة ليوا التي تقع في وسط الصحراء، وواحة البريمي (العين) عند حافتها الشرقية، بالقرب من التلال الواقعة عند سفح جبال الحجر الغربي".

الطريق إلى دولة الاتحاد

 كانت قبائل الخليج العربي تنجز في بطء عملية تحول كبيرة، تسارعت خطواتها في القرن العشرين، إلى أن وصلت في الربع الأخير منه إلى أقصى درجات التطور والتحول التي قد تنطوي على أخطار محتملة· وفي وسعنا أن نتتبع فترة التحول مع بداية القرن التاسع عشر، عندما بدأت القوى الخارجية ـ وهي مصر والإمبراطورية العثمانية والدول الأوروبية وأبرزها بريطانيا ـ تبدي اهتماماً أكبر بمنطقة شبه الجزيرة العربية· منذ تلك اللحظة بدأت قبائل شبه الجزيرة العربية عملية التغيير الذاتي لتتحول في نهاية المطاف إلى دول قومية في القرن العشرين· وبطبيعة الحال ليس من شأن الظروف الجغرافية والبنية الاجتماعية أن تحدد مصير كل فرد، غير أنه من الجدير بالملاحظة هنا أن الظروف والمتغيرات المشار إليها أعلاه هي التي وفرت للشيخ زايد البيئة الاجتماعية التي أقام فيها دولة الإمارات العربية المتحدة· وقد أدت القبيلة في حالة الشيخ زايد وظيفةً مزدوجةً، إذ لم يقتصر تأثيرها على تشكيل السمات الشخصية التي أهَّلته ليكون قائداً فاعلاً فحسب، بل وفرت قاعدةً وأساساً تاريخياً للتعاون على نطاق أوسع في إطار المجتمع، مما مهَّد الطريق في نهاية المطاف لقيام دولة الاتحاد.

 وهكذا يتضح أن نمط الحياة، وبخاصة في منطقة أبوظبي الواقعة في الطرف الجنوبي من الخليج العربي، كان نتاجاً طبيعياً لتلاقي أنماط الحياة القبلية الصحراوية العربية المختلفة الملامح والمظاهر وإن التقت خطوطها العامة، ولم تكن نتاجاً لنمط قبلي فردي (حسبما يتجسد على سبيل المثال في القبائل البدوية التي تنتمي إلى الجزء الشمالي من أواسط شبه الجزيرة العربية)· ويعتبر مجتمع القبائل التي عاشت في منطقة أبوظبي محكوماً بالدرجة نفسها بمقتضيات الطبيعة الاقتصادية والبيئية للمناطق التي عاشت فيها هذه القبائل· وقد كان هناك قدر كبير من التنوع ضمن هذه المنظومة المحلية الكلية، في نمط الحياة السائد وفي مواقع التجمعات القبلية على حد سواء؛ ففي حين يستقر بعض القبائل نوعاً ما في مكان معين، يبقى بعضها الآخر متنقلاً من مكان إلى آخر· المهم في الأمر أن هذه القبائل المتحالفة فيما بينها ابتدعت صيغة معينة للوحدة الاجتماعية والسياسية· ولم يكن من العسير على من يدرس ظروف المنطقة أن يكتشف أن: ''··· البقعة الساحلية التي تضم جزيرة أبوظبي والجزر المجاورة والأراضي الصحراوية الداخلية التي تشمل واحتي البريمي (العين) وليوا، تشكل معاً وحدةً اقتصاديةً واحدةً، حيث تعتمد في نموها الكلي على الأجزاء المكونة لها، ويبقى كل جزء منها ناقصاً إذا فصلناه عن البقية''·

زايد الكبير .. وقبيلة بني ياس

لعل من أهم وأثمن الصفات التي تُميز الشيخ زايد فهمه التام لطبيعة المعاني المتشابكة والتصنيفات المختلفة لمفهوم الشرف، وكيف أنهما يحكمان العلاقات بين القبائل؛ ففي حين أن القبائل قد تنظم نفسها بأساليب مختلفة فإن إدراك قيمة الشرف شكَّل جزءاً رئيسياً من مكونات هويتها العربية المشتركة· وقد كانت القضايا المتعلقة بالشرف سبباً في اشتعال القتال بين القبائل، ولكن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أدرك بفطنته السياسية إمكانية استخدام هذه المبادئ ذاتها وسيلة للتقارب وللاتحاد بين القبائل· ولعل جزءاً من إدراكه لهذه الحقيقة يعود إلى الأسلوب الناجح لجده العظيم الذي حمل اسمه، وهو الشيخ زايد الأول (الملقب بزايد الكبير)، في جمع أعداء الأمس للِّقاء وتبادل الرأي في مجلس واحد· وقد استند كل من الشيخ زايد بن سلطان والشيخ زايد الكبير في ممارساتهما السياسية إلى جوهر التقاليد البدوية التي أشربت بها نفساهما، والمتمثلة في مد اليد إلى أعداء الأمس والإصغاء إلى حججهم، واستخدام الكلمة بدل السيف في حل الخلاف معهم ، لأن ذلك هو جوهر الطبيعة البدوية لاستيعاب الخلاف.

 كان لابد لأبناء القبائل العربية من أن يمتلكوا قدراً كبيراً من الذكاء والطاقة وسعة الحيلة ليتسنى لهم العيش في الصحراء، غير أن نظاماً قبلياً متميزاً ظهر في المنطقة التي تشكل الآن إمارة أبوظبي، وأدى إلى تحويل تلك القدرات المتأصلة التي تساعد على التكيف والبقاء في البيئة الصحراوية إلى صيغة ذات أهمية أكبر من الناحية السياسية· ومن بين الأنماط المختلفة لبنية القبيلة العربية اتصف ''نظام'' قبيلة بني ياس بخصائص متميزة وبالغة الأهمية· وقد تم إعداد القليل من الدراسات الجادة حول بنية وشخصية قبيلة بني ياس، والتي اكتسبت أهمية خاصة بسبب الخصائص المتفردة التي عززت نجاحات هذه القبيلة خلال فترة طويلة·8 ولكن المصطلحات التي تحاول توصيف بنية القبيلة قد تكون معقدة وتؤدي إلى الخلط في بعض الحالات؛ فقد تسمى ''تحالفاً'' في بعض الأحيان، وفي حالات أخرى تُسمى ''اتحاداً تعاهدياً'' فيما أطلق عليها البعض حديثاً ـ وببساطة ـ ''قبيلة''؛ ومن أهم صفاتها الأساسية القدرة على التجاوب والتكيف مع المتغيرات· وقد تمكنت القبيلة؛ وهي نواة يلتف حولها مجموعة من الأسر تربطها مصالح مشتركة تم تطويرها والتمسك بها على امتداد أكثر من قرنين، منها جذب حلفاء وموالين لها لم يكونوا في الأصل جزءاً من هذا التجمع· ومع ذلك فقد أثبتت كوكبة الحلفاء هذه قدرتها على الاستمرار، بعد أن ظلت صامدة على امتداد أجيال صامدة.

 هذا ومن القضايا التي اهتم بها الباحثون قضية تحديد ما إذا كان لبني ياس جد مشترك واحد أو أنهم يشكلون تحالفاً من جماعات تربطها صلة الدم وجماعات ليس بينها صلة قرابة· والحقيقة الأساسية في هذا السياق هي أن قبيلة بني ياس ظلت تمثل أقوى تجمع قبلي في جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية وكان يتزعمها على الدوام آل بوفلاح ونسلهم من آل نهيان· غير أن نجاح بني ياس يعود في جانب كبير منه إلى بنيتهم القبلية ''المنفتحة''· وإذا كان النظام القبلي المحكم القائم على صلة الدم أو القرابة من ناحية الأب يُنظر إليه على افتراض أنه نظام منغلق وغير قادر على التكيف، فإن منظومة بني ياس كانت مستقرة ومنفتحة على التغيير،وكان من الممكن ضم حلفاء وموالين جدد إلى المنظومة القبلية، سواء عن طريق المصالح المشتركة أو صلات الدم أو المصاهرة، إلا أن جوهر هذه الرابطة هو المصلحة المشتركة والاعتماد المتبادل· علاوة على ذلك كان هناك اتفاق عام داخل تحالف بني ياس على تولي أسرة آل نهيان زعامة هذا التجمع منذ القرن الثامن عشر، وطبقاً للتقليد القبلي المتَّبع فإن الشيخ فلاح زعيم قبيلة بني ياس خلفه مع نهاية القرن السابع عشر ابنه نهيان، الذي حظي بتأييد إخوته الثلاثة سعدون ومحمد وسلطان عند توليه أمر القبيلة· وهكذا أصبحوا هم وأنصارهم يعرفون بآل بوفلاح، أي سلالة فلاح· ومنذ ذلك الحين أصبح التقليد المتبع هو اختيار شيخ بني ياس من سلالة آل نهيان ، ولم يكن اختيار آل نهيان لزعامة القبيلة نتيجةً لانتمائهم إلى أي سلالة عرقية خاصة أو فئة اجتماعية أعلى، بل لأنهم اعتبروا من أهل الكفاءة ومن أصحاب الشرف بمفهومه القبلي.

المناصير والعوامر .. والظواهر

 كتبت أول دراسة بحثية حديثة متكاملة حول دور قبائل أبوظبي وطبيعتها في عام ،1955 وتم استكمال هذه الدراسة وتوسيعها بدراسة رئيسية تم الفراغ منها عام 1997 وتشير الدراستان إلى أن بني ياس وحلفاءهم الرئيسيين وهم المناصير والعوامر والظواهر كانوا القوة الرئيسية في المنطقة·وكان لدى هذه القبائل ببطونها وأفخاذها نمط قبلي مختلف قليلاً عن الأنماط الموجودة حينها في أجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية، ففي مناطق عديدة من الصحاري الواسعة في شمالي شبه الجزيرة العربية وجنوبيها كان لكل قبيلة منطقتها الخاصة أو موطنها الخاص الذي تقيم فيه عادة، حيث تكون آبار المياه الواقعة ضمن منطقة القبيلة ملكاً لها دون غيرها· غير أن الوضع كان مختلفاً في أبوظبي حيث يتقاسم كل أفراد القبائل المتحالفة الموارد المتاحة ويحمي بعضهم ممتلكات بعض؛ فمثلاً عندما كان رجال بني ياس يرحلون من واحات ليوا أو العين ويتجهون إلى السواحل لصيد الأسماك، كانوا يتركون ماشيتهم ومزارع نخيلهم تحت رعاية حلفائهم والقبائل الموالية لهم.

 وقد تشكل تحالف بني ياس بفضل عوامل خاصة مرتبطة بالبيئة والظروف السياسية في المناطق التي تقطنها القبيلة نفسها· ومن الخصائص المميزة لهذا التحالف في مناطق أبوظبي أن أفراد القبائل المنضوية تحته يسكنون في السواحل ويعيشون على البحر، وأكثرهم يتنقَّلون في الأراضي الواسعة التي تتكون منها الصحراء الممتدة في جنوبي شبه الجزيرة العربية، وفضَّل بعضهم الاستقرار في واحات المنطقة وممارسة الزراعة، بدلاً من حياة البدو التي يتنقلون فيها من مكان إلى آخر· أما على السواحل فقد امتهنوا صيد الأسماك والغوص لاستخراج اللؤلؤ.

حضر .. بحارة .. بدو

 وكان إدوارد هندرسون Edward Henderson الذي عرف المنطقة قبل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزها ظهور النفط، قد وصف بني ياس بأنهم ''··· قبيلة عربية، بعض أفرادها حَضَرٌ، وبعضهم بحارة ، وبعضهم بدو.

 وفي صراع البقاء الذي كانت تخوضه قبيلة بني ياس اتجه أبناؤها الذين كانوا يعيشون في بادئ الأمر بدواً رحّلاً في الصحراء المحيطة بواحة ليوا إلى البحر، مستغلين موارده وإمكانياته اعتباراً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر· ومنذ تلك اللحظة نشأ ذلك النمط المزدوج للحياة، حيث ضمت المنظومة كلاً من الرعاة الرحّل والسكان المستقرين· لقد احترف بعض أبناء بني ياس وقبيلة المناصير مهناً ''مستقرة'' مثل الغوص لاستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك على السواحل وزراعة النخيل في واحة ليوا، وبالمثل كان هناك أفراد يعيشون حياة بدوية صرفة أو شبه بدوية، أي إنهم كانوا يمضون جزءاً من السنة في مزارع النخيل أو العيش على السواحل في مواسم اللؤلؤ وصيد الأسماك، بينما يقضون الجزء الآخر من السنة في رعي الإبل في الصحاري· وقد استقر بعض أفراد قبيلة النعيم المتحالفة مع بني ياس في واحة العين، في حين يمكن وصف الجزء الآخر من القبيلة ذاتها - وبخاصة بطن آل بوشامس - بأنه شبه مستقر· وهذا يعني أنهم لا يملكون مناطق استقرار خاصة بهم، غير أنهم لم يتنقلوا بعيداً في عمق الصحراء على غرار أهل البادية الفعليين، وفضلوا البقاء عند أطراف الصحاري· وحتى أفراد قبيلة الظواهر الذين يعيش معظمهم في العين كانوا يرعون قطعانهم في الصحراء المجاورة أحياناً· ونخلص إلى أن البنية الهيكلية لبني ياس ظلت تستوعب كاملاً من حياة الاستقرار وحياة الترحال البدوية.

 في هذه البنية المعقدة كان الزعيم الناجح هو ذلك الذي يستطيع التفاهم ببديهة حاضرة مع الجماعات المختلفة، وقد تعيّن على شيوخ بني ياس أن يخلقوا توازناً دقيقاً بين الجماعات المختلفة وفروعها· ولربما كانت تلك المنظومة أعقد التركيبات القبلية في شبه الجزيرة العربية، بسبب وجود جماعات مصالح مختلفة ضمن فروع بني ياس المتعددة والقبائل المتحالفة معها، حيث كان لكل منها مطالب ذاتية من زعيم القبيلة· وإذا كانت تلك المهمة تتطلب مهارة كبيرة للحفاظ على التوازن والانسجام بين كافة القوى التي تتكون منها المنظومة القبلية، فإن المحافظة على تماسكها لفترة طويلة تتطلب قدرات ومهارات استثنائية·
 تحمل الحياة القبلية كثيراً من الخلط وعلامات الاستفهام لأولئك الذين يراقبونها من الخارج، أما في المجتمع القبلي فإن كل فرد من بني ياس يعرف الجماعة التي ينتمي إليها، ولم يكن بحاجة إلى أن يحمل أي وثيقة أو جواز سفر لإثبات ذلك الانتماء، وكان في وسع أفراد القبيلة ذكر أسماء آبائهم وأجدادهم حتى يصلوا إلى جدّهم البعيد· لقد كان أفراد بني ياس واثقين من هويتهم الذاتية وولاءاتهم، وعارفين بحلفائهم ومدركين لضرورة تكاتفهم، ويمكن فهم هذا النظام على نحو أفضل بالنظر إليه بوصفه نظاماً متكاملاً يحتوي على نواة مركزية ذات محيط ملتف حولها؛ أما النواة فهي العشائر التي تشكل منها بنو ياس، بينما يشمل المحيط الملتف حول النواة القبائل والتجمعات الأسرية المتحالفة معها . تكمن قوة العلاقة التي تربط بين فروع بني ياس في أن تحالفها كان قائماً على تضافر المصالح المشتركة والأعراف القبلية معاً· ويكفي أن هذا التحالف ظل قائماً منذ بداية القرن الثامن عشر أو منتصفه· ولم تكن رابطة الدم أو الانتماء إلى أب واحد هي العامل الجوهري أو الوحيد في صنع هذه المنظومة· لقد كان تحالفاً ذا طبيعة مرنة، استقطب مجموعة واسعة ومختلفة من الجماعات، بعضها من البدو الرحل وبعضها مستقر، بعضها يعيش على البحر، وبعضها على الرعي، وبعضها على الزراعة·

 كان النزوع نحو الاتحاد بدلاً من الدخول في صراع واحدا من ثوابت الفكر والممارسة لدى بني ياس، ويكتسب هذا النزوع أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن العنصر الأساسي الآخر الذي يؤثر في كافة جوانب الحياة الاجتماعية في المنطقة (كما هي الحال عند تجمعات عربية أخرى) هو السلطان الراسخ للعادات والتقاليد· واتسم النموذج الاجتماعي الذي وفرته البنية الهيكلية لبني ياس في نهاية الأمر بطبيعة مرنة غير متصلبة، أتاحت للشيخ زايد توظيف ذلك النموذج وتفجير طاقاته إلى أقصى حد ممكن· وكان العرف المتبع في إطار هذا النظام هو البحث عن صلات من المصالح المشتركة، ومن ثم تحقيق الوئام بدلاً من الصراع·

 وكما لاحظ كليرنس مان Clarence Mann في دراسته عن أبوظبي: ''أن تنوع تركيبتهم (بني ياس)، ومهنهم، وارتباطاتهم السياسية، قد وفر الوسيلة التي تمكّن من خلالها شيخهم الأعلى حاكم أبوظبي من أن يوع نفوذه على امتداد المساحة الواسعة التابعة لهم الآن''·

 من المحتمل أن أوجه اختلاف حياة قبائل أبوظبي عن نمط الحياة التقليدي وعن الأسلوب المعتاد في الحياة الصحراوية النمطية قد منحتهم مزية التكيف مع ضغوط عالم جديد ومختلف تماماً ظهر بعد اكتشاف النفط· ورغم أن البنية القبلية في شبه الجزيرة العربية قد شجعت عموماً قيام التحالفات والصلات ، فقد كان لبني ياس دافعهم الخاص إلى الاتحاد، فهم قليلو العدد، ويعني ذلك أن بقاءهم متفرقين يحرمهم من امتلاك القوة، لقد استمدوا قوتهم من القوة المشتركة لتحالفهم، ومن دعم محاربي المناصير المعروفين بالجرأة والبأس، وكانت الصلة التي تربط قبيلة المناصير بالحلف أقل إحكاماً ولكنها معززة بالعادات والتقاليد الراسخة، وبالمقابل كان الزعماء البارزون في تحالف بني ياس واعين بأبعاد العلاقات الاجتماعية المتشابكة في ''تحالفهم''، وقادرين على توظيف هذا الوعي وهذه العلاقات في تعزيز قوتهم·

 تجلّت صلابة منظومة بني ياس ومتانتها في قدرتها على المضي قدماً دون أن تفقد أياً من أجزائها، وفي قدرتها على استيعاب عناصر جديدة ودمجها· وتنطوي كل النظم القبلية العربية أساساً على قابلية للانقسام؛ بمعنى أنها تنقسم إلى تجمعات أصغر تحت ضغط شح الموارد وندرتها· وفي النموذج الأنثروبولوجي التقليدي، حيث ترتبط الجماعات برابطة الدم، هناك رابطة غير قابلة للذوبان· وفي إطار منظومة بني ياس، حيث المصالح المشتركة وليس صلة القرابة هي الأساس الأقوى لتماسك هذه المنظومة، كان في وسع العناصر المختلفة أن تنفصل عن المنظومة ثم تعود إليها لاحقاً؛ وعلى سبيل المثال فقد انفصل آل بوفلاسة الذين ينتمي إليهم آل مكتوم، واستقروا في دبي سنة ،1833 كما انفصل القبيسات عن المنظومة وعادوا إليها أكثر من مرة، إذ سعوا إلى تأسيس سلطة مستقلة في منطقة ''خور العديد'' في عهد الشيخ خليفة بن شخبوط حتى عام ،1837 وخلال عهد الشيخ زايد الكبير حتى عام ،1878 ومرة ثالثة في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان حتى عام ·1966 ولكن كل محاولة من محاولات الانفصال كانت تنتهي إلى مصالحة القبيسات وعودتهم للانضمام إلى منظومة بني ياس بعد أن يتأكد لهم أن العودة في صالحهم·
 تميز الشيخ زايد بن سلطان منذ طفولته بدراية تامة بتفصيلات تاريخ قبيلة بني ياس· وتكون وعيه السياسي المبكر من دراسته لتجارب الحكام الناجحين، والحكام الأقل نجاحاً، وقصص المؤامرات والفتن، وآليات تكوين الأحلاف الواسعة وامتداد السلطة القبلية، بما يتضمنه ذلك كله من ثراء وإفادة· وقد تعلم الشيخ زايد من خبرة التاريخ مبدأين رئيسيين؛ أولهما أن على الحاكم الناجح أن يحافظ على ولاء قبيلته وثقتها إضافة إلى ثقة حلفائه وولائهم له· وثانيهما أنه يتعين على الحاكم إذا ما أراد أن ينجح في حكمه أن يمتلك الجرأة والشجاعة والاقتناع بما يفعل، والقدرة على تفجير طاقات شعبه وتوحيد أفراد القبيلة على اختلاف مصالحهم· وفي تاريخ بني ياس الطويل، كان زايد الكبير هو المثال الحي للقائد الذي يوحد شعبه حقاً، وهو ما سنتابع في الحلقات القادمة·

شيخ القبيلة رمز الاتحاد

 لدور الشيخ في قبيلة بني ياس، كما هي الحال لدى القبائل العربية كلها أهميته الفائقة؛ إذ يتوقف على هذا الدور نجاح الشعب وبقاؤه· ويكتسب الدور الاجتماعي والسياسي للشيخ في مجتمعه أهمية بالغة؛ فالشيخ الناجح مثل زايد الكبير لم يكن مجرد محارب مقدام أو قائد عسكري مغوار· وفي هذا السياق يكون لكلمة ''ناجح'' معنى أشمل من مجرد فكرة القائد العسكري الذي يبلي بلاءً حسناً في ميدان القتال، فالصفات التي يحترمها رجال القبائل عن فطنة ودراية باعتبارها طريق النجاح على المدى البعيد ترتبط بالعقل السديد أكثر من صلتها بالذراع القوية؛ فالقائد هو من أنعم الله عليه بالبصيرة النافذة وحسن التدبير والحكمة، وفي الموروث الشفهي للقبيلة يقال: إن ''زعيم القبيلة··· الذي يوصف عادةً بأنه رجل بحق ''صاحب الرُّجولة''، يحظى بالاحترام الفائق··· ولمثل هذا الزعيم قلب قوي، ويعرف كيف يواجه الأخطار العظيمة، وله رؤية واسعة وبُعد نظر، ولا يتصرف بعجلة إطلاقاً· فالذي يتصف بكونه مجرد مقاتل مقدام لا تكفي مؤهلاته لتولي زعامة القبيلة أو القيادة العسكرية''·وكانت كل الصفات السابقة للقائد تمثل النموذج المثالي الكامل الذي لم يتوافر دائماً فيمن تولَّوا القيادة، غير أن المجتمع القبلي قد أدرك الأهمية القصوى لهذه الصفات السامية، وعندما كانت مثل هذه الخصائص تتوافر في واحد من الزعماء فإن النظام القبلي ذاته هو ما كان يتيح لجميع الأطراف تنحية الخلافات والصراعات جانباً، لتتجمَّع حول هذا الزعيم فروع القبيلة· وقد برهنت تجربة الإمارات المتصالحة على أن هذا الاستعداد الفطري للتلاحم والعمل ضمن الإطار الجماعي هو العنصر الذي كان له دور أساسي في سيرة زايد الكبير، وكذلك كان في مرحلة لاحقة العنصر الأساسي في مسيرة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله- الذي حمل اسم جده·

الولاء .. والنجاح

 كان دور الشيخ أو زعيم القبيلة أساسياً، فالشيخ يحكم بشكل عام بموافقة قبيلته وبرضاها، على الرغم من القصص العديدة التي تُروى عن رجال أقوياء الشكيمة عارضوا زعماءهم في مجالسهم·وبهذا فقد كانت هذه العلاقات بين الشيخ وأبناء قبيلته متشابكةً ومتبادلةً في جوهرها، ولكن في نهاية الأمر يبقى الشيخ مخلصاً لشعبه والشعب وفياً لشيخه· وكان عهد الشعب بشيخه أن يكون كريماً، وأن يتصرف بالنيابة عنهم لما فيه صالحهم دائماً، حتى وإن كان في ذلك ضرر له· وفي المقابل يهب أبناء القبيلة شيخهم الولاء إلى حد دخول الحرب والتضحية بالروح متى أمرهم بذلك· غير أن ولاءهم كان مرهوناً في نهاية الأمر بأن يضطلع الشيخ بتبعات الجانب المنوط به عرفياً· ورغم أن دور الشيخ لم يكن وراثياً، كما هي الحال عند بني ياس، فإن القبيلة تقبـل عـادةً أن ينتمـي الشيخ إلى أسرة بعينها· وفـي حالة بني ياس كان الشيخ من آل نهيان، ولكن إذا لم يثبت الشيخ أهليته وجدارته بتأييد شعبه فإنهم يستبدلون به آخر من أقاربه· لذا يكون الشيخ الذي يقع عليه الاختيار وأقاربه على دراية بأن ولاء القبيلة له مرهون بنجاحه، كما يكون الجميع على علم تام بأن الشخصية القيادية الضعيفة قد تُعرِّض للخطر منظومة التحالفات التي تأسست على امتداد أجيال·

 إن أهل الشرف ممن احتلوا مكانة عظيمة؛ مثل الشيخ زايد الكبير، كما سنرى لاحقاً، لم يصدروا أوامر رسميةً بقدر ما كانوا يبدون رؤاهم وآراءهم، وكانت آراؤهم هذه تتسم بطابع النظرة الرشيدة إلى الأمور وتمثل حكمة مجردة أكثر من كونها قوانين ملزمة· كما أن خطبهم وأحاديثهم الشفهية التي تبدو عادةً للغريب مبهمة تميل إلى العمومية، لم تكن غامضةً كلياً أو غير مفهومة تماماً لدى مستمعيهم· وكان جوهر مثل هذه الأحكام الرغبة في المحافظة على شرف كل المعنيين بالأمر وكرامتهم· وكان من النادر أن يظهر ذلك النوع من الرجال الذين يحظون باحترام الجميع، وقد تمر أجيال دون أن تظهر شخصية من هذا النوع بين القبائل· غير أن هذا النموذج القيادي هو الذي أجمعت عليه الآراء باعتباره أفضل من يحلُّ المشكلات في مجال علاقات الأفراد وصلاتهم وفي المجال السياسي على حد سواء، بعد إدراك عدم وجود حدود فاصلة بين الاثنين·

 ومن أهم جوانب الإرث الذي تلقاه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله-الظروف الصعبة الناجمة عن قسوة المناخ والبيئة، والفقر الطاحن وشظف العيش الذي تفرضه حياة الصحراء، والثقافة القائمة على القيم والعادات النابعة من مبدأ الشرف· غير أنه ورث مع ذلك أيضاً تقاليد ''رجل القبيلة المتعدد الأنشطة''، وهي تقاليد تجسد ثقافة التحول التي تجاوبت مع تبدل الظروف والأحوال· وإذا تحدثنا بلغة التصوير وفن الرسم لقلنا إن هذه الخلفية هي اللوحة التي تشكلت عليها حياة الشيخ زايد· ولم يكن أحد ليعلم الشكل والصيغة التي ستأخذها هذه الحياة حينها، وكان للعوامل التي رافقت نشأة الشيخ زايد وبيئته تأثير عميق، حيث إنه باستيعابه لكيفية استغلال المعرفة والخبرات المكتسبة منهما قد ارتقى إلى منزلة ''القائد المثالي'' النادر الذي يعتزُّ به المجتمع العربي القبلي·لهذا كله فقد نجح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان- رحمه الله- في المقام الأول بسبب مهاراته ومواهبه الخاصة التي اكتسبها في سياق اجتماعي معين، وهو يستوفي في كل جانب من جوانب شخصيته الصفات التقليدية المرتبطة بالقادة العظام· لقد نال الاحترام المتعارف عليه بمعايير القبيلة؛ لما يتصف به من حكمة وصبر واحترام للآخرين ووضع مصلحة شعبه قبل مصلحته الخاصة، كما أثنى رجال القبائل على شجاعته وجسارته وقدروا له حصافته وبعد نظره وحسن تدبيره للأمور· لقد احترموه، ولهذا قدموا له ولاءهم، ويشكل تبادل الولاء بين الحاكم والمحكوم جوهر النظام القبلي العربي·

 وكان الولاء هو المبدأ الذي تقوم عليه فكرة الشرف القبلي برمتها، والذي امتدت آثاره متجاوزة الحلف الذي تزعمه الشيخ زايد، ـ رحمه الله ـ لتقيم جسوراً قوية بينه وبين القبائل المجاورة· لقد أدركوا أنهم أمام قائد يحترم كلمته، ويوجه كل عنايته إلى شعبه، وكانوا على حق حين قدّروا أنهم سيلقون منه المعاملة التي تليق بهم· لقد نال الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ احترام هذه القبائل حين وجدت فيه قائداً ذا عزيمة صلبة يذود بها عن أرضه وشعبه الذي بايعه زعيماً على أتم الاستعداد لاستخدام موارده المتاحة لصالح بني قومه، وتلك أيضاً صفة من صفات الزعيم المثالي· 

شعاره : لا للعنف ··، نعم للحوار

 لقد كان الشيخ زايد يتعامل مع المشكلات والأزمات بمنهج خاص؛ فهو دائماً عبر مراحل حياته المختلفة يستخلص من الأزمة أهم الدروس والعبر، وربما يكون هذا الأسلوب ناتجاً عن إحساسه العميق والمبكر بالدور الكبير الذي ينتظره· وهذا الإحساس بالإضافة إلى القدرة على تحمل المسؤولية، إنما يعكسان أهم ملامح خلفية هذا الزعيم والتي تتمثل في تربيته الدينية السمحة وتمسكه بالعادات والقيم العربية الأصيلة التي نهلها من حضوره الفعال منذ طفولته لمجلس الحاكم، فضلاً عن فطرته المتميزة وسماته الخاصة التي حباه الله إياها· ومن السهل على المتتبع لمسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن يلاحظ قدرته على مواجهة المحن وإدارة الأزمات في هدوء وروية، فمع صعوبة الظروف وشدتها تتجلى حنكته السياسية وإرادته الصلبة للتوصل إلى حل يتجاوز به تداعيات الأزمة·

 يمكن القول بأن من أبرز صفات الشيخ زايد - رحمه الله- مرونته وإيجابيته، مع حرصه على المحافظة على العادات والتقاليد الموروثة· من جهة أخرى نجده رغم الأحداث البائسة التي عاناها في طفولته ينبذ العنف في حل الخلافات، ويؤثر الحوار والتفاهم مع الآخرين، ولا يتوانى عن تسخير ما لديه من ثروة في خدمة مواطنيه وتحسين ظروف حياتهم؛ ولهذا لم يكن لينعزل عن الآخرين أو ينكب على نفسه، وإنما سعى إلى التوفيق بين أطراف قبيلته وتوحيدها، ثم عمل على توحيد الإمارات بالمشاركة مع رفيق دربه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ولم يكتف بهذا بل سعى لتوثيق عُرى التعاون بين دول الخليج العربية، والذي تجسَّد بقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام ،1981 واستكمالاً لترسيخ النهج الوحدوي عمل الشيخ زايد على توطيد سبل التضامن ونبذ الخلافات وتوحيد الصف العربي، كل ذلك يؤكد ثبات موقفه وبُعد نظره ورسوخ منهجه القيادي·

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية