سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان / صقر الصحراء / اللقاء مع الشيخ زايد

( الفصل الأول )

كان لابد من إقفال نافذة السيارة إتقاء لهواء الصحراء الحارق. وفجأة ثارت عاصفة رملية ، كحجاب سريع، غيب عن عيوننا سلسلة جبال حفيت الصخرية المرتفعة قبالة الكثبان الرملية. ووراء القمم المسننة الرمادية لسلسلة الجبال تقع عمان. وكان مؤشر عداد السرعة فى السيارة يتلاعب عند الرقم الذى يشير إلى أن سرعة السيارة مئة وخمسة وعشرون ميلا فى الساعة ، فى الطريق الرباعية الواسعة التى تشق الصحراء. وفيما السيارة تنهب الطريق المعبدة الحديثة شاهدنا ثلاثة أو أربعة جمال شاردة فى طريق السيارات . فقال مرافقى: ( إنها شاردة عن صاحبها قرابة أربعين كيلو مترا تبحث عن كلأ ) إن هذا المنظر يجمع بين الأمس واليوم ، مثل أى شىء أخر فى دولة الإمارات العربية المتحدة . وتناهى إلى هدير من علُ ، فنظرت من النافذة الخلفية  للسيارة  لأرى طائرة هليكوبتر تحجب صوت محرك السيارة ، هنيهة ، ثم يخفت هديرها وتبتعد، على ما أظن فى إتجاة عمان .

وما أن بلغنا بلدة العين فى واحة البريمى حيث زرعت أشجار الأوكالبتوس فى وسط الطريق ( لتنقية الهواء بحسب قول السائق ) حتى أحسست قميصى ملتصقا بظهرى كالغراء . فمكيف الهواء في السيارة لم يجد فى طقس  بلغت حرارتة مئة وعشرين درجة . وشعرت أننا قد نحترق بشرارة، فى هذا الجو المتفجر لهبا . لكننى إستسلمت لهذة الحرارة ، وإعتقدت أنة مكتوب لى أن أصل كسرطان بحرى مسلوق . إلا أن مرافقى الذى  رأى ماصرت إلية من حر الطريق والسماء الزرقاء أبدى كل عون عارضا على الإغتسال قبل الغروب فى مكان مكيف فى بلدة العين وهكذا كان الوقت ليلا عندما إنطلقنا من بلدة العين مرورا بمضارب البدو القريبة من بعضها ثم عبر مسافة مضاءة بالنيون ، إلى مدخل  قصر الشيخ زايد حيث مركز إدارة الدولة والمجلس ( حيث يحضر الناس للمناقشة والعون والمعلومات ) وحيث يقيم رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة . وفسح حشد غير قليل  من البدو ، غير الإبهين بشىء لى فى المجال للخروج من السيارة  ودخول القصر وصعدت عدة درجات ودخلت غرفة واسعة ، متجنبا قبل دخولى بساطا لمحتة ، علية قرابة مئة حذاء وصند ل لأناس سبقونى بالد خول . وهذة الغرفة الواسعة هى المجلس ، أو الملتقى الديمقراطى  الذى ألقيت علية نظرة شاملة  فرأيت الواح السند يان ، التى تغطى نحو مائتى قدم مربع ، مطعمة بألواح من خشب الصنوبر المصقول بإرتفاع يبلغ قرابة اربع عشرة قدما وفوقها حجارة من الصخر الرملى الأبيض تضم مكيفات الهواء التى تطن طنين قفران النحل . وإرتفعت على جانبى الغرفة ثريات كهربائية مذهبة . ولدى د خولى الغرفة شاهد ت مصباحا عربيا على مدخلها . ( هذا مثل أخر لتزاوج القديم والحديث ) وإنتصب على طاولة  فى الركن البعيد من الغرفة نموذج أبيض لطائرة : ( فى. سى.10 ) وهو النوع الذى إشترى الشيخ زايد  منة مؤخرا ، من شركة الخطوط الجوية  البريطانية  من الماضى إلى المستقبل  ومن المستقبل إلى الماضى .

ولدى دخولى هذة الغرفة  التى بدت الأن واسعة جدا رأيت قرابة خمسين شخصا فى كل جهة يجلسون لصق الحائط  فى مقاعد خضر مريحة . وكان يجلس إلى يسارى ، وأنا أهم بدخول الغرفة ، قرابة ثلاثين بدويا من رجال القبائل يحملون بنادقهم . ورأيت أكثر من عشرة آخرين وإلى جانبهم ، أو تحت أقدامهم عصى من الخيزران . وشاهدت واحدا من رجال القبائل  محتضنا مدفعا رشاشا أوتو ماتيكيا من نوع ( هوتشيكيس ).

وبرز لى فى الغرفة ، على بعد مئة خطوة الشيخ زايد بن سلطان يرقب مقدمى ، ثم تحدث إلى مسؤل يرتدى بدلة زرقاء جالس إلى جانبة . رحب الشيخ زايد بنا قائلا: (السلام عليكم . كيف الحال؟ ) نظرت فى سرعة وشاهدت ، أول ماشاهدت ، أن الشيخ يرتدى صندلا  وعباءة بنية  اللون تبرز منها رقبتة الطويلة القوية ، ولة لحية سوداء وشاربان يملان شفتة العالية وجهة نحيل برونزى أسفع ، قوى العضلات شديدها ، وفية عينان قويتان شديدتان التركيز ، تحدقان فى نظرة تاقبة ، وهى فى هذة الصحراء بديل الأوراق الثبوتية للناس ، وهى الطريقة التقليدية لتقييم الأخرين . إنة يبدو قويا ، رشيقا ، جيد الصحة ، رابط الجأش  ، بلا شك  وقد قارب نهاية العقد الخامس من العمر ولا يزال أمامة عهد طويل .

وعندما يمد يدة ، بدت لى فى شكل مدهش ، ثخينة سميكة إنها يد رجل حفر بها الرمل وحمل الصخور وإصطاد وزرع لنفسة عند الحاجة وإستخدم السلاح . لا يمكن الخطأ فى معرفة هوية الشيخ زايد . وأشار إلى بالجلوس فيما هو ينهى حديثة مع مستشارة  وعاد جميع الحضور الذين هبوا واقفين عندما حيانى ، إلى الجلوس متابعين أحاديثهم فى إرتياح. وجالت  عيناى فى أرجاء الغرفة ، وإستعدت فى سرعة ، فى ذهنى  ، ماعرفتة عن الشيخ زايد . إنة من قبيلة بنى ياس التى حكمت أبوظبى فى القرون الثلاثة الأخيرة وفى السنوات الأخيرة . كانت أبو ظبى جزءا من حزام ضيق من الوجود  الإستعمارى البريطانى ، الممتد من عدن إلى مسقط ومن ثم إلى الكويت على طول الخليج ، وكانت خاضعة لأقل ما يقول القوميون العرب فيها أنها أداة شرعية مزيفة صديقة للإحتلال الأجنبى . وللشيخ زايد عشرة أبناء ، أكبرهم فى السابعة والعشرين ، هو منغمس فى الإدارة . وثانيهم فى التاسعة عشرة ، هو نقيب فى قوة الدفاع فى الجيش . وأصغرهم  فى الثانية من عمرة . وللشيخ زايد ثلاثة أخوة ، أكبرهم الشيخ شخبوط  الذى حكم البلاد قبل الشيخ زايد مدة أربعين عاما وتقاعد ليفسح فى المجال للشيخ زايد.

ومعروف أن الشيخ زايد يعتمد اليوم أسرتة وقوتة القبيلة والوطنية . وقد أصبح فى بعض النواحى ، صدفة لا تخطيطا ، رئيس إحدى البلدان الصغيرة  فى هذا العالم التى كتب لها ، بفضل الثروة النفطية ، أن تترك أثرا فى القرن العشرين . يفوق الأثر الذى كانت تتركة الحقائق والجغرافيا  والسكان والتربية وحدها . وكونة مسلما ورعا  يعرف أن الحقوق لا تأتى من الجحيم ، وكسياسى  يعرف أنة الشخصية  المختارة للدور القيادى ، فى لحظة حرجة من تاريخ بلادة وتاريخ الشعب العربى ، وأنة وريث إختراع دبلوماسى بارع كان يسمى ( الدول المتصالحة ) البريطانية وكإدارى هو وريث وضع إقتصادى هائل الحجم أعطى لة بكاملة ككيان ، مؤخرا فى العام 1971 .

وفكرت كيف يتقمص أى إنسان شخصية الشيخ زايد وهو لا يعرفة ؟ ماهى حقيقة هذا الرجل ، لا الاسطورة التى ترويها عناوين الصحف والأخبار الصغيرة المتفرقة ؟

عندما كان صبيا تعلم الشيخ زايد القران الكريم مدة سنتين ، بين السابعة والتاسعة من عمرة . وبعد ذلك درس على نفسة . حتى وهو يبلغ الرجولة ، قال عنة فى تأمل أولئك الكبار الذين نظروا إلية ، إنة يذكرهم كثيرا بجدة  زايد الكبير الذى وحد فى الماضى قبائل هذة المنطقة جمعاء .

فجأءة قطع مسلسل أفكارى صبى صغير يرتدى لباسا غربيا مؤلفا من سروال قصير وقميص إنة أحد أبناء الشيخ زايد  جاء راكضا إلى أخر الغرفة وفجأة أيضا خرج ولحق بة جندى .

والأن وصل رجلا قبيلة مغبران وسخان وإتجها إلى الشيخ زايد فى قوة وسرعة وهنا تستطيع أن تعرف الكثير فى غرفة كهذة ، فى مراقبة شكل تقدم الرجال . هنالك فارق كبير بين خطوة هؤلاء البدو الصحراويين  وبين التقدم شبة الإعتذارى لكثيرين من موظفى المدينة . وكلاهما وقف أمامة وقفة طبيعية وهادئة وكلاهما سلم على الشيخ وصافحة . ولم ألحظ عليهما أدنى تنازل أو إجلال خاص والحقيقة خلت إننى فعلت افضل منهما فى إجلال الرئيس . ولكننى سرعان ما أدركت طبعا أنهما لا يعتبران ( رئيسا ) ولم يهتما لذلك إنة بالنسبة إليهما شيخ قبيلة . لقد كان ناديا بل جماعة من الأخوة إذا شئت . لقد كانوا يقابلونة أولا وجها لوجة ثم يذهبون مسرعين إلى مقاعدهم .

وفجأة أومأ الشيخ زايد إلى فسرت إلية وجلست إلى جانبة . جلس الشيخ زايد هادئا . وكان تحت قدمة اليمنى عصا خيزران ثم مال إلى فرأيت فكة القوى البارز وعينية المتسائلتين ( ما رأيك فى أبو ظبى ؟ ) تحدثنا لساعات فعرفت الكثير لا عن شخصية زايد البارزة فحسب  بل أيضا عن الشعب  غير العادى الذى يعود إلى الثمانينات من هذا القرن وعن قبيلتة بنى ياس  أيظا . وسأروى أولا القصة كاملة ، قصة الشعب والرجل كما رويت لى .

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية