سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان / صقر الصحراء / حظ بني ياس

( الفصل الثاني )

الحظ هو إحدى الميزات التى يعتقد  أنها  ضرورة للحاكم الناجح . وقد قال الفيلسوف الفرنسى شارل فوريية مرة ( إن مستقبل العالم  يتطور من عقل الإنسان فالناس الذين يفكرون تفكيرا إيجابيا ويعملون للخير يحققون الظروف المحظوظة التى يرغبونها ) .

والحظ هو شعور حدسى كما أنة بالنسبة إلى بعض الناس  ( برجهم ) وإلى أخرين  حالة ذهنية . وربما يقال ان غالبية الأشياء  العظيمة فى العالم تحققت على يد أناس كانوا يحلمون  أحلاما ويؤمنون بالحظ عونا لهم فى تحقيق أحلامهم . وربمـا حقق هؤلاء الناس  القليل من النتائج  الدائمـة بدون مثل هذا الإيمان . وهناك قـول أنة ( عندما يفكر الإنسان يكون ) ويمكن أن ينطبق هذا القول على الحظ الذى هو ميزة ضرورية للشيخ الناجح . كمـا ينطبق فى التأكيد على أى قصة مـن قصص بنى ياس ، أسلاف الشيخ زايد فى أبو ظبى . تعود جذور وحدة بنى ياس المميزة والقوية إلى الدم والرمل فى التاريخ العربى لكنها مدينة جدا بالفعل لحظ شيوخها .

وأقدم تاريخ لقبيلة بنى ياس يبدأ من حين خروجها بقيادة شيخها ، من صحراء نجد المتقدة بحرارة الشمس، فى بداية القرن السادس عشر ، لتستقر فى بقعة تمتد بين ساحل قطر الشرقى وواحة البريمى. وحالف الحظ شيخها أنذاك إذ وجدت ماء يساعدها على رعى قطعانها. وبدأت أرضها تمتد إلى حدود عمان . وقد تعب بعض بدو القبيلة من الصراع القاسى فى الداخل فتوجهوا إلى المنطقة الساحلية .

وفى العام 1761 ، بينما كان شيخ القبيلة  فى مهمة صيد ، وصل إلى جزيرة فى الشاطىء  تغطيها طبقة رمادية  من سديم الفجر . ولما إنقشع السديم رأى ظبيا  وإكتشف فى مكانة نبع ماء عذب، فعاد إلى قومة فى الداخل وقال لهم : ( الجزيرة هى جزيرة أبوظبى ويمكن الوصول إليها إبان الجزر ، ويمكن الدفاع عنها  من الغزاة دفاعا حسنا ).

وتقع خلف أبو ظبى أقسى وأقفر صحراء فى الجزيرة العربية . وكان بنو ياس  أسيادها بإعتراف الجميع . وأمام أبوظبى يتماوج الخليج العربى تماوجا عظيما ، حيث  يمكن رسو  السفن فى الأماكن  العميقة بين الصخور  المرجانية  فقط . لقد إعتبر إكتشاف أبو ظبى  حظا عظيما فعلا . ومنذ العام 1974  جعلت قبيلة بنى ياس  من هذة الجزيرة قاعدة لها .

وحالف الحظ  السعيد  شيخ بنى ياس  فى علاقاتة مع البريطانيين . ويمكن القول إن العلاقة بين بريطانيا وبنى ياس  بدأت  فى العام 1818 عندما قام  قبطان بريطانى  إسمة تايلر ، وكان عميلا سياسيا ، في ما كان يسمى ( الجزيرة العربية  التركية ) بالإعراب عن تقديرة للسلوك  السلمى  لقبيلة بنى ياس .  قال هذا القبطان  فى تقرير بعث بة  إلى وزارة الخارجية  البريطانية  فى لندن : ( إنهم لا يقومون بأعمال القراصنة  فى البحار ،  لكنهم ينتهزون فرصة قدوم الزوارق الصغيرة منهم فيستولون  عليها  لذلك لا يوصمون على سلوكهم علنا كغيرهم ....).

 لقد كانت غزوات  القراصنة للسفن البريطانية هى التى حملت  بريطانيا على التدخل فى المنطقة . وكان الإسم التقليدى للساحل الجنوبى  للخليج ، بين قطر وشبة جزيرة مسندم ، هو ساحل القراصنة . إلا أنة فى العام 1820 وقعت  معاهدة بين الحكومة البريطانية  والقبائل العربية على الساحل . وتأكد تحسن  العلاقات بين بريطانيا وأبوظبى ، فى أن سجلات وزارة  الخارجية  البريطانية  أظهرت  أن الحكومة  البريطانية  كانت تعتبر  كل الساحل الممتد  بين دبى وقطر  خاضعا لتوقيع واحد  هو توقيع حاكم أبو ظبى .

وفى العام 1829 نزل ضابط من بحرية  بومباى  البريطانية  إلى الشاطىء  من سفينة حربية ، وكتب فى مابعد  أول وصف  مسجل  لشيخ أبو ظبى : ( إنة رجل حسن الطلعة  يتمتع بالكثير من الصراحة والكرم  العربى وإعتقد أنة مرتبط  بالإنكليز  بدافع الميل الكبير والمصلحة أيضا  وهو حليف شديد لحاكم مسقط ، وأفضل شيخ فى الساحل إلى حد بعيد وقبيلتة ، بنو ياس  هى من القبائل  الرئيسية  فى الجزيرة العربية  هى من عرق مستقل ) ولم يكن أحد  يتوقع أفضل من هذة الشهادة  لكى تقدم إلى وزارة الخارجية .

ولم تواجة الشيخ أى مخاطر  من  البحر أو من السفن  الكبيرة البريطانية  أو الفرنسية ، إنما  جاءتة من رأس الخيمة .  حيث تقيم قبيلة القواسم  الذين هم قراصنة  لا يعرفون الخوف  وغزاة يسطون  على مخزونات اللؤلؤ  ومنافسون  لبنى ياس  فى السيطرة على المنطقة . وفى هذا المجال  من الشؤون  المحلية حالف الحظ  شيخ بنى ياس أيضا .

 وعندما كان القتال  دائرا بين بنى ياس والقواسم  فى العام 1835،  وصل الأسطول البريطانى  فتوقف  وظهر حظ بنى ياس  مرة  ثانية  فى المنافع التى جنوها  من الترتيبات اللاحقة . 

ووردت فى ذهن قائد البحرية  القبطان صموئيل  هينيل  فكرة  شعر بأنها بارعة  حملتة على الذهاب  إلى شيخ  أبو ظبى وتقديم الإقتراح التالى : ( لماذا لا نتفق على إلتزام الشيوخ  هدنة فيما بينهم  فى شهور الصيف حيث  يجرى إصطياد اللؤلؤ ؟) وفى الحادى والعشرين من مايو ( أيار )  1835 وقع جميع الشيوخ إتفاقا بعدم  غزو بعضهم  بعضا خلال ( فترة  مصالحة )  وإتفقوا  على أن تقوم البحرية البريطانية  بدور ( الشرطة )  إذا ما أخل  الشيوخ بالإتفاق . ولا أدرى  ما إذا كان مستغربا أن يحالف الحظ  نجاح هذة المصالحة  . فقد بلغت حدا من النجاح  تم معة تجديدها  سنويا حتى العام 1843  عندما تسائل البريطانيون  ( لماذا لا يتم الإتفاق نفسة الأن لمدة عشر سنوات )؟  ووافق الجميع . شيخ أبو ظبى وغيرة ، على هذا  الإقتراح البريطانى  وهكذا أصبح  الإتفاق  مصالحة  دائمة ترعاها  الحكومة البريطانية  وكان الحظ حليف جميع المعنيين ، فقد أدت جهود القبطان  هينيل وشيخ أبو ظبى  وجيرانة  إلى ولادة الدول المتصالحة . وظهر أن السلام والمصالحة هما أفضل من الحرب  فقد إزدهر بنو ياس  وإتسع نفوذهم . وبعد ماتوالى على زعامتهم  عدد من الشيوخ  الثانويين  ، حالفهم الحظ  فى العام 1855 فبرز بينهم فجأة  رجل كتب لة  أن يصبح شخصية أسطورية  حيث إعتبر بطل الساحل المتصالح  فى أيامة ، هو الشيخ زايد بن  خليفة ،  المعروف بزايد الكبير  الذى تولى الحكم  من العام 1855 إلى العام 1909 لقد كان محظوظا  خلال فترة حكمة  فى شكل ملحوظ ، فعلى الرغم من مواجهتة  كل العوامل المثبطة  التى تواجة  عادة الزعماء  فى هذة  البرية  المجدية المحرقة ، شق زايد الكبير  طريقة فى نجاح  بعد ما أصر على ان يكون حاكما وحالفة الحظ فى ذلك دوما .

وفى العام 1902  قام السير  بيرسى كوكس ، المسؤل عن شؤون  الخليج فى حكومة  صاحب الجلالة ، والذى كان أصلا جنديا  ثم ممثلا سياسيا  فى ما بعد ، بزيارة مسقط وعمان  ومر فى طريقة فى أجواء  أبو ظبى  الحارة جدا . فكتب يقول : إن نفوذ الشيخ زايد أقوى من نفوذ أى حاكم أخر فى طول  الساحل المتصالح ، وقد إمتد نفوذة  فى ثبات  لصالح السلام العام )  وكان السير  بيرسى  قد عرف بقدرتة على تقويم  كثير من الشخصيات الغامضة ، وكانت تؤخذ شهادتة  فى الحسبان  ويعتقد زايد أنة يقوم بعملة بإرادة اللة  وأن الإيمان وحدة هو مصدر قوتة . وحالفة الحظ كما حالف أسلافة  فى تقويم الإنكليز الصابرين لقوتة  وكان أكثر حظا  أيضا فى منازعاتة أو مصاعبة  المحلية القليلة  مع جيرانة السعوديين  حول واحة البريمى  الواقعة على الحدود بين عمان وأبو ظبى والعربية السعودية . لقد بنى زايد الكبير نفوذ بنى ياس  فى هذة الواحة  مع أن هناك  قبائل أخرى  أكبر عددا كانت تدفع الجزية  راضية لزايد .

وكان البدو مصدر  قوتة  الكبيرة  وقد ساعده الحظ السعيد  فى تنمية  نفوذة  كشيخ قبيلة  إذ واجهت القبائل  الأخرى  العاملة فى البحر ،  فى هذة المنطقة  أياما أقل إزدهارا  من قبل ، عندما واجهت منافسة  بريطانية فى النقل التجارى  كما أن قمع القرصنة  والعبودية  قمعا شديدا  على يد البريطانيين  خلق مصاعب جديدة . فقد أصبحت السفن  التى تبلغ  حمولة  الواحدة منها  ألف طن تقبع  فى إستمرار  خاملة فى مرافىء  الساحل المتصالح  الأخرى ، بعد ما كانت فى السابق  تبحر فى كل خريف  إلى الهند وإفريقيا مع هبوب رياح الخماسين الشمالية الشرقية . وفى إحدى المرات ، عندما  دخلت البحرية الملكية البريطانية  رأس الخيمة ،  وجدت ثلاثا وستين  سفينة حربية  وثمانمائة  سفينة أصغر  حجما راسية ، وكلها تعمل فى القرصنة  على ساحل القراصنة ، وكانت مملوءة قماشا وسكرا وعبيدا  وبناً وغنائم ثمينة .

وفى الوقت الذى أثرت  رياح السويداء  والكآبة  على شيوخ الساحل الآ خرين ، إزدادت قوة بنى ياس العسكرية  . ففى ذلك الوقت  كانت توصع  الأسس لبروز شعب غير عادى ليتخذ مكانة  فى القرن العشرين .

 ظل زايد الكبير  أبرز حاكم فى شرق الجزيرة العربية  لثلاثين سنة ،  وإمتد نفوذة فى كل الإتجاهات ، فى واحة العين وواحة ليوا  وأبوظبى نفسها . وكلما إزدادت معرفة الإنكليز بة إزدادت محبتهم  لحكمة العادل  غير المساوم . وإنعكست محبة الإنكليز هذة  فى الدعم الذى قدموة لة ، فقاموا فى مناسبتين  بالتدخل إلى جانبة  فى وجة قوى مجاورة  حاولت الإ ستيلاء على بعض الأرض منة .

وحالف الحظ أيضا بنى ياس عموما عندما بدأ  زعماء القبائل  البعيدة عنهم  أميالا  يطلبون وساطة زايد الكبير . فقد عرف أن رجل ذو صداقات  كثيرة  بين البدو  وأنة صديق الجميع . وإستمد قوتة فى إستمرار من  أصولة ، وكان يتمتع بعاطفة  عفوية طبيعية  تجاة المعوزين  والمضطهدين  وقد جنى بنو ياس  الخير من إمتنان  القبائل الأخرى لة .

فى سنة 1875  قام العقيـد إس. بى . مايلز  الممثل السياسى  البريطانى  فى مسقط ، بزيارة إلى واحة البريمى  ليضيف دليلا جديدا  إلى الدلائل  الكثيرة القائمة على مدى  قوة زايد الكبيرة ، فقد أرسل تقريرا إلى لندن  جاء فية ( إن القبيلة الرئيسية هى قبيلة بنى ياس  التى إكتسبت  فى الماضى سمعة سيئة  بنتيجة أعمال القرصنة .  وإن رئيسها الشيخ زايد بن  خليفة  هو رجل قوى  الشخصية  وهو الرجل الوحيد  الذى يتمتع  حقيقة  بالنفوذ والسلطة . فهو وقبيلتة  يتزعمان كل المناقشات  فى البريمى .

وفى العام 1891 كسب زايد دعم حليف قوى أيضا ، هو شيخ دبى  فامتد نفوذة  فى الواحة  إلى حد  أنة  فى العام  1899 عندما نزل تاجر المانى  إلى الساحل  على مسافة من أبو ظبى ، لشراء لؤلؤ وصدف  رفض السكان السماح لة  بالنزول على الشاطىء  بدون إذن شيخ أبو ظبى .

بنى زايد الكبير  تراثا من النفوذ  لا يساوية  نفوذ فى الخليج . إلا أن الرجال العظام  يصعب إيجاد خلفاء لهم . وهكذا بدا لفترة قصيرة  أن بنى ياس  سيفقدون  مركزهم  وأهميتهم عقب وفاة زايد الكبير  فى العام 1909  ، وخلفة الشيخ طحنون  بن زايد  الذى أغتيل  فى العام 1912 ، ثم خلفة  الشيخ حمدان  بن زايد الذى أغتيل ايضا  فى العام 1922، ذلك أنة  كان شبة مستحيل  لأى منهما  أن يجارى قوة زايد الكبير ،  فلم يتميزا بالنظرة الثاقبة  والسيطرة ( الكاريزما )  الفائقة والشجاعة والديبلوماسية . 

بعد ما ولد زايد بن سلطان ، ترعرع فى عالم من النكبات  السياسية والمعنوية  هى أغرب  فى بعض نواحيها  مماهو الأمر  فى أى مسرحية  يونانية  أو شكسبيرية  وربما بدا لأول  وهلة  للمراقب  أن حظ بنى ياس  قد تغير . ويجدر بنا الإعتراف  بأن نشأة زايد  بالشكل الذى ترعرع فية ، لا تقل  عن المعجزة  ولربما كان لهذة  الحقيقة  أكبر نصيب  من الحظ ، تمتعت  بة القبيلة فيما بعد.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية